18 أيار/مايو 2008
ندوة نقاش
يتوجب على مؤسسات وسائل الإعلام في البلدان التي تمر في طور إنتقالي وفي البلدان النامية أن تجد مصادر دخل وأن تحدد غاياتها، في ذات الوقت التي تعمل فيه على إرساء إستقلاليتها وقدرتها الإقتصادية على البقاء، حسب ما ورد على لسان ندوة من الخبراء.
تعمل حكومة الولايات المتحدة، وعدد مختلف من المؤسسات الخاصة والمجموعات التي لا تبغى الربح، لأجل مساندة مزيد من الإستقلالية لدى وسائل الإعلام في أنحاء العالم. وهي تقوم بإرسال محترفين في مجال الإعلام من الولايات المتحدة إلى أماكن حول العالم لمساعدة الصحف، والمجلات، ومحطات الإذاعة، ومواقع الإنترنت في تطوير معايير أعلى لمقالاتهم وعملياتهم. فالإستقرار المالي والإستدامة مهمان بنفس درجة أهمية المعايير المهنية والإستقلالية لتمكين هذه الوسائل من مواصلة نقل الأنباء.
جمعت مديرة التحرير إلِّن أف. تومي فريقاً مميزاً من هؤلاء المحترفين لمناقشة بعض تجاربهم خلال خدمتهم كمستشارين في عمليات وسائل الإعلام في البلدان التي تمرّ في طور إنتقالي.
عمل وليام ايتش. سيمرينغ كمدرب إذاعي في إفريقيا، وأوروبا الشرقية، وآسيا. وقبل أن ينخرط في هذا العمل الدولي، كان مدير محطة إذاعة عامة ومطوّر برامج. وكان أول مدير للبرمجة في محطة الإذاعة "ناشيونال ببليك راديو"، وهي شبكة إذاعية أميركية.
عمل ديفيد سايمنسون مستشارا في إدارة أعمال في عدد منوع من المطبوعات في أوروبا الوسطى والشرقية، وكان، خلال بداية حياته المهنية في الولايات المتحدة، رئيسا وناشرا لجريدة متفرعة عن شركة تايم، ورئيس العمليات في جمعية الصحافة القومية.
عملت راشيل تومبسون مدربة في إدارة الوسائل الإعلامية في أوروبا الشرقية. وكانت قد عملت أيضاً مسؤولة تنفيذية في شركة أميركا أونلاين، إحدى أكبر شركات الإنترنت في الولايات المتحدة، ومراسلة ومحررة في مطبوعات وسائل الإعلام ووسائل الاتصالات.
أدارت الندوت شارلين بورتر، الكاتبة والمحررة في المجلة الإلكترونية قضايا عالمية بإدارة ندوة النقاش.
سؤال: ما هي الحاجات الأكثر أهمية بالنسبة لوسائل الإعلام التي تحاول تأمين إستقلالية مالية، على الأخص في تلك الحالات التي لا تملك فيها أية تجارب لتوليد الأرباح أو جمع الرساميل؟
سايمنسون: فكرتي الأولى هي انهم بحاجة إلى التغلب على عارض "لا نقوم بذلك أبداً بهذه الطريقة". مثلاً، كنت أبحث في كرواتيا عن فرص الحصول على الإعلانات لوسيلة الإعلام المحلية، وكان الكل يقول، بدءاً من سفارتنا إلى وسيلة الإعلام نفسها: "لا مال هنا، لا يمكن عمل شيء". كانت الشوارع تغص بسيارات المرسيدس، وبي إم دبليو، وفولفو، ونعم، لم يكن هناك مال، أي أن المال لم "يكن موجوداً على الطاولة". هذا لا يعني انه لم يكن هناك أناس سوف يستجيبون للإعلانات.
سؤال: إذن أنت تعزو موقفهم السلبي إلى عدم خبرتهم في الإعلانات الصحفية وبيع الإعلانات؟
سايمنسون: صحيح، كما انه لم يكن عندهم أية خلفيّة، مثلاً، حول كيفية وضع أسعار الإعلان، وكيفية التشجيع على نشر الإعلانات أكثر من مرة واحدة، وكيفية التواصل مع المعلنين المحتملين. كانت العقلية عامة تقول: "إذ جاءت الإعلانات، فسوف نأخذها" وكانوا يقولون: "نحن لا نعمل بهذه الطريقة. فالتسويق ليس جزءاً من ثقافتنا." لكن إذا كنت ترغب في المنافسة في عالم التسويق، يجب أن يكون ذلك جزءاً من ثقافتك.
تومبسون: حسب تجربتي، كثيراً ما بوشر في إصدار المطبوعات على يد رؤساء تحرير ملتزمين، ومن ثم أصبح تمويل هذه المطبوعات تحدياً حقيقياً. قال لي أحد رؤساء التحرير "لا نريد أن نذهب ونطلب المساعدة". كان يعتبر ذلك شيئاً غير مقبول. إذا كانوا يريدون إنتاجنا، على حد إعتقاده، فعليهم أن يأتوا لمساعدتنا.
سؤال: المعروف عن وسائل الإعلام الغربية مهارتها الجريئة في البيع. هل وجدتم خلال تجربتكم مع وسائل الإعلام التي تمر في طور إنتقالي هذا النقص؟
سايمنسون: هذه المهارة لا وجود لها. كان هناك، في براتيسلافا، مطبوعة أعمال ناجحة جداً. كانت ناجحة لأن الشخصين اللذين أدارها جاؤوا إلى الولايات المتحدة، ودرسوا الأساليب المتبعة هنا، ثم عادوا إلى بلادهم وطبّقوها. كانت هذه هي المؤسسة الإعلامية الوحيدة التي أدركت أن عليها بيع الإشتراكات وأن لا تنتظر حتى يأتي إليها المعلن للاتفاق معها على شراء مطبوعتها. كانا الشخصين الوحيدين اللذين خرجا وأدركا أن النشر في مجال متخصص يمكن أن يكون ناجحاً، وطريقة لكسب المال. لكنهما كانا شخصين غير عاديين.
أصبحت وسائل الإعلام العامة، التي كانت تتمتع سابقاً بالدعم السياسي والحكومي في الدول الشيوعية السابقة، عندما تم وقف الدعم لها، كما الأطفال الرضيعة في الغابات. قال لي شاب قابلته في برنامج تدريب في بيلاروس (روسيا البيضاء): "لا تعلميني ذلك، أرسلي المال فقط."
سؤال : صف لنا يا بيل سيمرينغ، تجربتك مع محطات الإذاعة التي تسعى للإستقلال المالي.
سيمرينغ : أولاً، يجب أن تكون في البلاد إرادة سياسية لمساندة الوسائل الإعلامية المستقلة من خلال تشريعات تخص الوسائل وتؤمن الوصول إلى المعلومات، وتحدد ما هو التشهير، وتضمن حرية وسائل الإعلام. ويجب أن يصدر ذلك عن القادة الكبار. فمن السهل في الواقع إقناع السلطات أن من مصلحتها العليا أن تكون لديها وسائل إعلام مستقلة لأنها سوف تخدمها بشكل أفضل.
وعندما تحدث عن وسائل الإعلام المستقلة، أود أن أضيف الوسائل "المحترفة" أو "المسؤولة". فاستقلال الوسائل في ذاته لا يضمن الديمقراطية والمجتمع المدني. ففي العديد من البلدان، تمّت خصخصة الإذاعات فكان كل ما فعلته أنها أذاعت موسيقى الرّوك. حدث ذلك في بودابست، وكييف، وأولانباتور. فهم عملياً لا يقدمون أي برامج إخبارية.
في منغوليا، مثلاً، كسبت الصحف الحرية من الدولة، ثم قالت: "نحن أحرار! نحن أحرار! يمكننا فعل كل ما نريد". لكنها كانت فاقدة للمسؤولية، تنشر الإشاعات والقيل والقال، وهكذا أصبح بإمكان الحكومة تشويه سمعة الوسائل الإعلامية بسهولة، وتقول "أرأيتم، لا يمكن أن تصدقوا ما تقرأونه". وهكذا، فإن هذا النوع من الإستجابة للإستقلالية يُقوّض مصداقية ودور الوسائل كمصدر صادق للأخبار غير المنحازة والضرورية للديمقراطية وللمجتمع المدني.
عندما استلم رئيس وزراء منغوليا الحالي منصبه، قال انه لا يريد أن يرى صحفاً تتعمد الإثارة حيث تنشر صور الأجسام المقطوعة الرأس وقصص الجنس على الصفحات الأولى.
أما بالنسبة للإستقلالية الاقتصادية للوسائل الإعلامية، فيجب أن تكون هناك نماذج وأمثلة لكي يدرك الصحفيون أن بالإمكان القيام بأعمال مربحة ، بحيث يكونوا مسؤولين على استقلاليتهم دون السعي إلى الإثارة.
سايمنسون: أو اللجوء إلى أساليب مشينة.
سؤال: ماذا عن الوضع الذي يضع فيه فرد ثري أو مجموعة اليد على وسيلة إعلام كانت تُموّل سابقاً من قبل الحكومة لاستخدامها لغايات خاصة؟
سايمنسون: لا يجب أن يفاجئنا هذا. ففي تاريخ وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، خلال التسعينات من القرن التاسع عشر وأوائل سنوات القرن العشرين، هذا ما فعله الأثرياء. لكن الضغط الشعبي ونضوج المجتمع غيّرا الأُمور. في نهاية المطاف، يقرر السوق الحر ما إذا كنت ستستخدم جريدتك كأداة خاصة بك. فإذا لم يشترِ الناس جريدتك لأنها لا تلبي حاجاتكم، فلن يكون لديك قراء، ولن يكون لك صوت.
ثمة شيء أود قوله زيادة على ما قاله بيل: إننا نميل إلى تعريف الصحافة الحرة بأنها توفر لنا الحق بقول ما نريد. ويمكنك القيام بذلك حتى في البلدان التي يحتاج فيها الصحفيون إلى ترخيص، لكن هذا ليس هو مفهوم الحرية. للصحافة الحرة حرية جمع المعلومات دونما تدخل، وحرية نشر هذه المعلومات. إن وجهات النظر التحريرية في صحيفة ما ليست بنفس أهمية السماح للناس بالتعرف على الوقائع وثم اتخاذ القرار المناسب.
سؤال: هل يمكن للسوق الحرة أن تطالب المؤسسات الإعلامية أن تكون مسؤولة؟
سايمنسون: السوق تطالب بذلك، لكن لكسب القراء، يحاول المحررون شيئاً آخر. الصحف اليوغوسلافية تنشر صور العراة في الصفحة الأولى التي لا علاقة لها بالأخبار ولا بمسؤولية صحفية مشروعة. قال لي الناشر مرة: "لهذا السبب يشترون جريدتنا، وهكذا نصل إليهم". كان من الصعب أن أقول له ان ذلك لا يفيد وان فيه إهانة للنساء.
جاء هذا الناشر لاحقاً إلى الأمم المتحدة لتغطية زيارة رئيس وزراء بلده، وأخذ معه أعداداً من الصحيفة. نظرت دائرة الصحافة التابعة للأمم المتحدة إلى الصور العارية على الصفحة الأولى وقالت له ان ليست لديه مطبوعة مسؤولة. كانت هذه أول مرة أدرك فيها عمق المشكلة. أما عندما حاولت أنا أن أُحدثه حول الموضوع فظهرت كأني متزمت جداً.
أظن أن هناك أمرا غير مفهوم جيداً في البلدان النامية: فالناس الذين لهم صوت، أو الذين يريدون قول شيء ما، يقومون فعلاً بقوله، لكن ما لا يدركونه هو أن لا أحد سيقرأ ما يقولون إلا متى أدركت الصحيفة ما يريده القراء ومتى لبت حاجتهم. هنا تكمن أهمية المحررين. فالصحفي الأفضل - في الإذاعة، أو التلفزيون، أو الإنترنت، أو الصحف - هو ذاك الذي يستطيع اكتساب شريحة من القراء أو المشاهدين أو المستمعين، وليس الذي يخلق أموراً لإرضاء غروره الذاتي.
سيمرينغ: ذهبت لأول مرة إلى جنوب إفريقيا سنة 1993 قبل الإنتخابات. كانت الإذاعات الأهلية المحلية جزءاً من النضال من أجل التحرر، أي بمثابة إعطاء صوت للذين لا صوت لهم. وانطلاقاً من قناعة الحكومة بأن هذه الإذاعات الأهلية سوف تخدم الديمقراطية بصورة أفضل، فقد أعطت تراخيص فقط إلى محطات الإذاعة الأهلية ابتداء من سنة 1994، وهي السنة التي مُنحت فيها التراخيص لأول مرة، ولغاية 1995.
ذهبت إلى أول ورشة عمل بينما كان الناس يتحدثون عن الإذاعة الأهلية قبل أن تباشر البث. كانوا يقولون: "الآن يحق لأي كان أن يكون في الإذاعة." وذهبت إحدى هذه المحطات إلى درجة أنها وضعت ميكروفونات في الشوارع وتركت أيا كان يقول ما يشاء.
وعندما بدأت المحطات البث، كان المستمعون يقولون، "كان هذا مُقدّم برامج جيد". أو، "نريد مزيداً من البرامج بلغتنا"، أو إقتراحات مختلفة أخرى. كانوا صريحين جداً في إبلاغهم المحطات عما يريدون الإستماع إليه، كمثال عن كيفية توجيه السوق الحر للبرامج.
أصبحت هذه المحطات بسرعة شديدة التحسس لهذه القضايا وحاولت تحسين النوعية بدلاً من ترك الناس يواصلون الكلام إلى ما لا نهاية.
سؤال: ديفيد سايمنسون، ألم تشهد أنت أيضاً بعض الأحوال الإنتقالية المضطربة نحو الخصخصة خلال عملك كمستشار في بلدان أوروبا الشيوعية سابقاً؟
سايمنسون: أجل، في سلوفينيا، تمّت خصخصة مطبوعة كنت أعمل كمستشار فيها، وأعطي جميع المحررين والمراسلين فيها اُسهماً (في الشركة). أصبح يجتمع هؤلاء ويقيلون رئيس التحرير كل أسبوع لمجرد أنهم أصبحوا أصحاب المطبوعة لذلك. وبدلاً من أن أعلمهم فن التسويق، أمضيت ثلاثة أسابيع لتشكيل مجلس إدارة ولوضع بعض السياسات التشغيلية. فالخصخصة كانت مشابهة في هذا الوضع للفوضى ولا يمكنك أن تضع خطة عمل أو أية خطة أخرى مع الفوضى.
سؤال: لنعد لبعض الوقت إلى مسألة إرساء قابلية الاستدامة مالياً . بيل سيمرينغ، كنت تستعد لإعطائنا الأمثلة عن بعض هذه الأساليب التي لاقيتها بينما كنت تعمل كمستشار لمحطات إذاعة تصارع لتصمد في أنحاء مختلفة من العالم.
سيمرينغ: ذكر ديفيد انه رأى سيارات المرسيدس في كرواتيا كدليل على وجود المال اللازم في ذلك المجتمع لمساندة الإعلان في وسائل الإعلام. طبعاً، ليس في صحراء غوبي (بمنغوليا) أي سيارة مرسيدس؛ هناك فقط رعاة، وحيوانات، وبعض سيارات الجيب. لكن هناك أعمالا صغيرة في المراكز الإقليمية. عندما ذهبت إلى هناك لأول مرة قبل سنتين لزيارة محطة إذاعية، اعتقدت أن ما من سبيل لها لجمع المال من خلال الإعلانات. لكن عندما عدت هناك في أيلول/سبتمبر كان لديهم إعلانات في الإذاعة يقول فيها أحدهم: "لدي لبن فرس بـ 15 سنتا لليتر الواحد. اتصلوا بي على العنوان التالي". أو، "أود القيام بنزهة على ظهر جواد في أولان باتار". أو، "لقد فقدت عدداً من خيولي".
سايمنسون: مثل الإعلانات المبوّبة على الراديو.
سيمرينغ: تماماً. يحصلون على ثلث دخلهم من مثل تلك الإعلانات. لديهم شخص بائع في السوق يجمع هذه الإعلانات من التجار أو أي شخص يلتقيه. صحيح أن هذه الإعلانات صغيرة لكن نطاقها الصغير يفيدهم.
سؤال: هل تعني أن قسماً كبيراً من إعلاناتهم لا يأتي من الشركات التجارية وقطاع الأعمال كما نفكر نحن في الغرب، بل من الأفراد الذين يبيعون حليب الفرس، أو يريدون القيام بنزهة على ظهر جواد؟
سيمرينغ: أجل، هذا صحيح، لكن هناك معلنين من رجال الأعمال كما نعرفهم نحن أيضاً. واحدة من بين أنجح الشركات التجارية هي شركة تنتج البوظة – اسمها: سيمبا آيس كريم كومباني. يضعون قطعة نقدية في أحد أكواز البوظة حتى إذا ما وجد أحدهم القطعة، يذهب بها صاحب الحظ هذا إلى محطة الإذاعة ويحصل على جائزة. قد تكون هذه الجائزة ملابس رياضية، أو كرة السلة، أو مسحوق تجميل للمرأة. ثم يعيدون استخدام القطعة النقدية، كان هذا العمل ناجحاً لدرجة أن شركة البوظة المنافسة جاءت إلى المحطة لتشتكي. "لم يعد أحد يشتري البوظة التي نبيعها". كان الإعلان فعلاً ناجحاً جداً.
لننتقل إلى محطة أخرى تعمل في الشمال في درخان، في منغوليا، بموازنة تبلغ ألف دولار أميركي في السنة، انهم يعملون كثيراً على أساس المقايضة. يقع مركزهم في أحد المباني السكنية العالية التي تعود إلى العهد السوفياتي السابق. لقد قايضوا بضائع أخرى للحصول على التيار الكهربائي والهاتف. ولديهم إتفاق مع المستشفى لتأمين العناية الصحية لموظفيهم. لقد تحدثت إليهم حول التمويل عن طريق إصدار الأسهم أو السندات، كما هي الحال عندنا بالنسبة للإذاعات العامة في الولايات المتحدة، فقالوا "لدينا هكذا إتفاق مع جمعية المستأجرين في شقق البناية". فسألت، "ماذا تحصل جمعية المستأجرين"؟ فأجابوا، "نذيع أسماء المستأجرين الذين لا يسددون بدلات الإيجار."
تومبسون: كنت أعمل مع وكالة أنباء محلية في مولدوفا، إلى الشمال من شيسيناو، قرب مدينة بالتي. من ناحية عامة، الأخبار الاقتصادية - أخبار قطاع الأعمال – هناك سلعة ذات قيمة كبيرة، وقد أدركت هذه الوكالة ذلك. لكن بما أن الوكالة كانت موجودة خارج العاصمة، لم تكن تتمتع بموقع مناسب جغرافياً لتلقط الأخبار حول ما يجري في الحكومة، وفي المصارف الرئيسية، وهلمّ جرا.
كانت في مدينة بالتي نسبة متنامية من النشاط الاقتصادي، لكنه كان من الصعب على المراسلين جمع المعلومات ووضعها ضمن سياق مفيد لرجال الأعمال في المنطقة. وكما تبيّن لوكالة الأنباء أن الرسميين الحكوميين ورجال الأعمال أنفسهم، لم تكن لديهم إلاّ معلومات قليلة جداً. فلم تكن هناك تقليد بالنسبة لتبادل المعلومات حول النشاط الاقتصادي، كما أن قطاع الأعمال الصغير الحجم لم يكن قد أدرك بعد كيف يمكنه استخدام الأخبار المتعلقة بالنشاط الاقتصادي لمصلحته.
كانت الوكالة جريئة ومقدامة، وبدأت تعمل مع جمعية التجار المحلية لتدريب صغار رجال الأعمال في العمل مع العاملين في حقل العلاقات العامة ليعلّموهم كيفية عقد مؤتمر صحفي أو ما شابه. كانوا يتوجهوا خارج نطاق العمل الصحفي لتعليم قرائهم ولخلق سوق حر لمنتجاتهم.
اعتبرت أن هذا عمل جريء للغاية، لكنه أثار أيضاً بعض دواعي القلق. ففي البيئة المثالية للعمل الصحفي، يتجاوز المرء المؤتمر الصحفي. فيذهب إلى أبعد منه ويجد معلومات أخرى. فالإنخراط في العلاقات العامة حمل معه إمكانيات الوصول إلى طاقات كامنة بحيث يتوجه الصحفي إلى أبعد من عمله الرئيسي، إلى أبعد من تركيزه على نقل الأخبار.
سايمنسون : إذا أردت أن تنجح إقتصادياً، عليك أن تفي بحاجات الناس، حاجات القراء والمشاهدين. هذا صحيح بغض النظر عن أي نوع من الوسائل التي تعمل فيها. ما حصل في أحيان كثيرة في البلدان الشيوعية السابقةً في أوروبا هو أن عمليات وسائل الإعلام كانت قد بدأت كأصوات مضادة للحكومات. وكانت أحياناً سلبية للغاية. فخلال عملي مع الصحف في كرواتيا سنة 1999، طرحت عليهم السؤال التالي: "ماذا سيحدث بعد أن يرحل (الرئيس السابق فرانجو) تودجمان" ؟ كان من المعروف انه يعاني آنذاك من مرض السرطان. أجابوا، "ماذا تقصد؟" لم يكن لأحد أن فكر في الموقف الذي ستتخذه الصحيفة، أو من ستدعم أو تعارض، عندما يموت.
في سلوفينيا، في الصحيفة التي ذكرت حيث سادت الفوضى، هبط التوزيع من 100,000 إلى 27,000 نسخة خلال سنتين لأنهم كانوا لا يزالون يدعون إلى الإستقلال الذي كان قد حصل قبل سنتين. رفضوا التركيز على حاجات البلاد بعد سنتين، كما أن هذه الحاجات كانت قد تغيّرت. لم يبق لهم علاقة بالأحداث الجارية كما كانوا في السابق.
غالباً، ما يتجاهل القائمون على الوسائل الإعلامية ضرورة التعرف على ما هو مفيد لقرائهم أو مشاهديهم. وهذا هو الفرق بين العمل للنجاح في السوق والكتابة لمجرد اللذة الذاتية.
سيمرينغ : عليك أيضاً أن تفكر في كيفية أن يكون لسلعتك دور في مساعدة المجتمع الأهلي والاقتصاد. ففي سوويتو، الضاحية السوداء غرب مدينة جوهانسبيرغ في جنوب إفريقيا، كان لدى الإذاعة الأهلية المحلية في سووتيو محل بيتزا يقوم بدور الراعي لها. كان هذا المحل ناجحاً جداً وذلك نتيجة للإعلانات في الإذاعة التي مكنته من فتح محل ثان له.
ثمة طريقة أخرى لجمع المال أردت ذكرها: ساند برنامج شبكة وسائل الإعلام التابع لمعهد المجتمع المنفتح، جمعية الصحف الإقليمية في مولدوفا لتمكين تلك الصحف من تقديم عروض بيع جماعية للمعلنين، وقد مكّنهم ذلك من زيادة المبالغ المالية الواردة من الإعلانات بنسبة كبيرة لهم جميعاً، بالمقارنة مع بيع الصحف في الشوارع. بعدها، ساعدهم معهد المجتمع المنفتح على دفع أجور ملاحق الصحف التي تقدم التقارير التحقيقية التي كانت تنشرها الصحف مرة كل شهر.
مع تطور الجمعية، التي كانت مسؤولة عن تقديم المساعدة على الصعيدين الإقتصادي والصحفي، إستفادت أيضاً جميع الصحف. لكن غالباً، ما تكون بعض هذه الجمعيات غير فعّالة. وهم بحاجة إلى رؤيا جديدة وإلى قيادة جديدة.
تومبسون : خلال عملي في كييف، رأيت الإتصالات المناطقية تنمو، ورأيت الناس العاملين في الصحف ومواقع الإنترنت يعملون معاً لتعليم المعلنين، ولتبادل الخبرة حول وضع أسعار الإعلانات، وحول أفضل الطرق لذلك. وكلما حصل المزيد من ذلك يعتبر جيد، لأنه يساعد ربما في بناء الإقتصاد في المناطق. إنه قيّم جداً.
سؤال : الذي يدهشني عندما أسمع هذه النوادر من هذا العدد الكبير من البلدان حيث سبق لكم أن عملتم هو الإبداع. لقد لاقيتم بعض الحلول الإبداعية الرائعة التي لا وجود لها في أي مكان في النموذج الغربي. هل لا تزال وسائل الإعلام في تلك البلدان تجد طرقاً جديدة تماماً للقيام بعملها؟
سايمنسون : أجل، لكن من الضروري القول إن جميع تلك الأشياء الرائعة التي نتحدث عنها لا يمكن أن تنجح إذا كانت هناك تدخلات حكومية. انه جزء هام من الرسالة. فالحاجة إلى وسائل إعلام حرة دون أي تدخلات حكومية مهمة جداً . ففي كل مرة تريد الحكومة وضع قوانين تنظيمية على أي شيء، يصبح الأمر خطيراً.
عندما كان فلاديمير ميسيار رئيساً للوزراء في سلوفاكيا، كانت الحكومة تقرر أين تطبع الجرائد. فإذا كانت الجريدة تعارض ميسيار، كانت الحكومة تسحب الجريدة من مطبعة أوفسيت حديثة وترسلها إلى مطبعة قديمة يعود تاريخها إلى سنة 1909. فجأة تخسر الجريدة إعلاناتها من شركات السيارات كما تخسر جميع الشركات التي كانت تتطلب إخراجاً جيداً لإعلاناتها. وكانت الحكومة تنكر أية مسؤولية بالنسبة لانخفاض دخل تلك الجريدة المعارضة.
في مثل هذا النوع من الجو، تتعرض وسائل الإعلام الحرة للخطر.
سيمرينغ : لكن إذا حاولنا التشديد على ملاحظاتك حول الإبتكار، فثمة إبتكار هناك، كما أن على الذين يذهبون منا إلى هناك كمستشارين لمؤسسات وسائل الإعلام في الدول التي تمرّ بطور إنتقالي أن يعترفوا بذلك، وأن لا يحاولوا فرض النموذج الغربي. فهو لا يناسب. فإذا نحن أعطيناهم مبادئ التغطية المنصفة، والدقيقة، والمتزّنة للأخبار، ولممارسات العمل السليمة، فانهم سوف يبتكرون مبادئ عملانية تناسبهم أكثر.
إننا نعطيهم الأدوات لبناء هيكلية، ونبين لهم المواد التي تصلح والتي لا تصلح للنشر. أنا أبدأ دائماً بتصريح عن المهمة المعهودة إلي، لأنه يجب أن تكون لدينا رؤيا معينة عما تستخدم وسائل الإعلام من لأجله. قد تنجح في تحقيق أرباح، لكنك بحاجة إلى خدمة مصالح بلدك ومجتمعاتك.
سايمنسون: أعتقد أن رسالة وسائل الإعلام هي إحدى أقل الأمور فهماً في الأسواق الناشئة. أتذكر مرة كنت أنظر إلى بيان عن الأرباح والخسائر في مؤسسة نشر ناجحة جداً وسألت عن رسالة المؤسسة. أجابوا: "أن تكون مربحة". قلت لهم: "انظروا، سوف تربحوا لو توقفتم عن إصدار المجلة الملحقة، فالجريدة هي التي توفر لكم الأرباح". قالوا انه لا يُمكنهم أن يفعلوا ذلك، وكان علي أن أجيب: "إذن، فالربح ليس رسالتكم."
سيمرينغ : سأقول فقط إن الإنسان بحاجة لأن تكون لديه رسالة واضحة، وشعور عميق بأهمية المعلومات في مجتمع حرّ. فالتزام الدقة والحقيقة يجب أن يكون شبيها بالثقة المقدسة التي لدى الطبيب. إن تزويد القراء والمشاهدين بالمعلومات التي يمكنهم الوثوق بها هو واجب مهني.
فالبقاء على صلة وثيقة بالقراء والمشاهدين هو أيضاً ضروري، لأن عليك أن تحصل منهم على الاستجابة وأن تبقى على اتصال معهم. فهم يغذّون ويُعلمون رسالتك.
فالتحدّي هو أن نقدم المعلومات بطريقة جذّابة بحيث ترغب الناس في سماع وقراءة ما يحتاجون لمعرفته.
سيمرينغ، وسايمنسون، وتومبسون شاركوا في النقاش هذا في مكتب برامج الإعلام الدخارجي في واشنطن، العاصمة.