03 حزيران/يونيو 2008

بقلم بول كوليير
بول كوليير هو أستاذ الاقتصاد ومدير مركز الاقتصادات الإفريقية في جامعة أُكسفورد، ومؤلف كتاب: حصيلة المليار: لماذا تفشل البلدان الأكثر فقراً وما يمكن عمله تجاهها، الذي صدر مؤخراً (مطبعة جامعة أُكسفورد، 2007).
كانت المساعدات بسيطة في ما مضى. فقبل ثلاثين سنة، كانت معظم المساعدات تُقدّم عن طريق المشاريع، وكان أكثر هذه المشاريع يذهب للبنية التحتية. لقد تغيّرت الأمور جزئياً لأن وكالات المساعدات أصبحت تدرك إمكانية استبدال طريقة استعمال المساعدات: فالمساعدات لم تكن، في الحقيقة، تموّل المشاريع التي كانت مُرتبطة بها ظاهرياً، لأن الحكومات المتلقية كثيراً ما كانت ستنفذ المشروع المحدد للمساعدات على أي حال مستخدمة مواردها من الضرائب. لذا، فإن الذي كانت تموله المساعدات في الحقيقة كان أي شيء آخر كانت تُقرر الحكومات أنه يمكنها تحمل كلفة تنفيذه عن طريق الأموال المُفرج عنها نتيجة تمويل المانح لمشروع ما. ولم يكن للمانح أي تأثير على قرار الحكومات هذه حول طريقة استعمال المساعدات.
والمانحون أصبحوا يدركون أيضاً أن إمكانية نجاح مشاريعهم أو فشلها، يتوقف إلى حد كبير على سياق السياسة الأوسع: كيف تختار الحكومات إدارة اقتصادها. وهكذا، جاءت المرحلة التالية للمساعدات لتستند إلى السياسة: فالمساعدات سوف تُقدّم مقابل التزام الحكومات تغيير بعض السياسات المعيّنة. إلاّ أن ذلك لم يصب الكثير من النجاح. فهو أربك المسألة الأساسية التي تقول أن على الحكومة أن تكون مسؤولة بوضوح أمام مواطنيها. فلو كان المانحون هم الذين يضعون السياسة، لما أمكن اعتبار الحكومة منطقياً مسؤولة في نظر مواطنيها إذا ما اتخذت الأمور منحى خاطئاً. فحكومة كينيا مثلاُ، تمكنت من "إقناع" البنك الدولي بنفس الإصلاحات خمس مرات خلال 15 سنة! ولا يكون لدى المانحين، بكل بساطة، الكثير من الحوافز لفرض شروطهم لأن الموظفين لديهم يتعرضون لضغوط قوية لصرف أموال المساعدات.
مقاربات جديدة للمساعدات
إلاّ أن هذه الشرطية في سياسة المساعدات لم تختفِ تماماً، لأن تغيّرات كبيرة حصلت خلال العقود الأخيرة. فإحدى هذه السياسات تربط تقديم "الدعم المالي للموازنات" بما يتحقق من تغييرات في السياسات، بدلاً من مجرد الوعود بتغييرها. هذه هي الطريقة التي تتبعها هيئة التنمية الدولية، التي هي جزء من البنك الدولي التي تساعد البلدان الأكثر فقراً، في تخصيص تدفق مساعداتها. دعم الموازنة هو المال الذي يمكن ان تستخدمه الحكومة التي تتلّقيه لأي غرض كان، ويُعتبر ببساطة كأحد مصادر واردات الموازنة. إن دعم الموازنة هذا يفترض مسبقاً أن تكون الحكومة والمانح على توافق وثيق حول ما يفضلونه: لهذا السبب تصبح شروط المساعدات أفضل إذا تقرر بان السياسات المطلوبة قد سبق ان كانت مُرضية.
جاء التحوّل الكبير بهذا الصدد، عن طريق مبدأ "امتلاك البلد" و "مشاركة المواطنين". يتطلب نمط المساعدات هذا، كما هو مذكور في ورقة إستراتيجية خفض الفقر (PRSP)، أن تنخرط الحكومات مع مواطنيها في عملية تشاركية تساعد في وضع وثيقة (ورقة استراتيجية خفض الفقر) تحدّد فيها ما الذي تقترح الحكومات القيام به. عندئذٍ، يقرر المانحون ما إذا كانوا سيقدمون المساعدات استناداً إلى هذه الوثيقة بدلاً من التفاوض حول سياسات مُعيّنة. تعمل مؤسسة تحدّي الألفية (MCC) التابعة للحكومة الأميركية بطريقة مشابهة إلى حدّ ما، حيث يقوم المانح بتقدير النفقات المقترحة على أساس مستوى التحسن المحقق في الحكم.
هذا يعني ان هناك تقدم تدرجي نحو شرطية نظام الحكم بدلاً من شرطية السياسة المتبعة. ففي حين تقول شرطية السياسة للحكومات أي سياسات يجب أن تتبنّاها، تحاول شرطية الحكم تحفيز مسؤولية الحكومات إزاء مواطنيها. مثلاً، يمكن أن تطالب بان تكون الموازنة شفافة بحيث يستطيع المواطنون معرفة ليس كيفية إنفاق أموال المساعدات، بل أيضاً كيفية إنفاق عائدات الضرائب. وقد لا يكون لهذه المقاربة أثر تحفيزي كبير بالنسبة لتحسين الحكم، لكن غرضها الرئيسي يكون الانتقاء بين الحكومات المختلفة، وتحويل المساعدات إلى تلك الحكومات التي سبق ان كان نظام حكمها رشيداً.
وفي حين تعتبر مقاربات دعم الموازنة، ومؤسسة تحدّي الألفية، وامتلاك البلد كلها مقاربات جيدة عندما تكون الأفضليات لدى المانح والحكومة متوافقة بشكل وثيق، فانها تبدو غير مناسبة عندما تختلف هذه الافضليات. فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد المانح أن أولويات الإنفاق لدى الحكومة تعطي الأفضلية للنخب أو لموظفي القطاع العام على حساب عامة الناس، فانه سيكون من الحماقة تسليم الأموال إلى الحكومة لاستخدامها كما تشاء. ليس هناك، في الوقت الحاضر من هيكلية مُرضية لتسليم مبالغ كبيرة من المساعدات في مثل هذه الظروف الصعبة. فنموذجيا، عندما يكون نظام الحكم وسياسته سيئة للغاية، تكون احتياجات المواطنين العاديين كبيرة جداً، ويكون هناك بالتالي تفاوت شديد بين ما هو مطلوب، وما يمكن تحقيقه واقعياً عن طريق تدفقات كبيرة من المساعدات عبر الحكومة. هذه المُعضلة كثيراً ما تصبح على أشدها بعد النزاعات المسلحة، حيث تكون هيئات الخدمات المدنية قد انهارت مُخلّفة وراءها أنظمة فاسدة وغير مجدية لكي تقوم بتقديم المساعدات إلى المواطنين.
تمثلت إحدى المقاربات الأخيرة في تخصيص التمويلات لأغراض محددة، والتي تكون مخصصة في العادة للصحة، واستبدال ذلك باستخدام الأموال لتمويل برامج مؤقتة قصيرة تتعلق بشؤون معنية تصممها الحكومات التي تتلقى المساعدات بنفسها. يأمل المانح في فرض الاستخدام الفعال للأموال عن طريق التهديد بعدم تجديد التمويل للمشروع إذا لم يتم تحقيق الأهداف. وهكذا، فإن فرص تطبيق هذا الشرط يصبح قائماً حول تحقيق نتائج مُعيّنة بدلاً من سياسات عامة مُحددة. إحدى المشاكل التي تعتري هذه المقاربة يكمن في أن الحكومات الأضعف المتلقية للتمويل تفتقر إلى أنظمة التنفيذ الحكومية القوية الكفيلة بتحقيق النتائج المرجوّة، كما أن التقديمات الفجائية القصيرة الأجل للأموال لا تحقق أي شيء لبناء أنظمة الحكم. المشكلة الثانية هي أن الحكومات، أو الموظفين الحكوميين في بيئة من أنظمة الحكم الضعيفة، قد يكونون معتادين على انتهاز الفرص القصيرة الأمد كلما سنحت بحيث لا يكون للتهديد بخسارة التمويل مستقبلاً أي أثر فعّال. وهكذا، قد تواجه مقاربة الأموال المخصصة لأغراض محددة عقبات مماثلة لمقاربة دعم تمويل الموازنة، إذ أنها تكون مثالية بالنسبة للبيئات القوية ولكن ليس لبعض الذين هم بحاجة أكثر.
الوصول إلى المحتاجين
المقاربة البديلة التي تعتزم أن تجربها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد فُصّلت على وجه التحديد على قياس البيئات التي تواجه التحديات الأكبر. تقترح المقاربة استخدام المساعدات لتمويل آليات لتقديم خدمات بديلة غير حكومية. مثلاً، يمكن تمويل مساعدات التعليم إلى الكنائس التي تدير مدارس الإرساليات الناجحة بحيث تستطيع هذه الأخيرة رفع مستويات تعليمها. ويتم ذلك، إلى حدّ ما، عبر برنامج المساعدات الاجتماعية التابع للبنك الدولي. غير أن الصناديق الاجتماعية لا تموّل عادة إلاّ الكلفة الأساسية للمشروع، أي إنشاء المدرسة وليس تكاليف إدارتها. كما ان هذه المساعدات غالباً ما تكون صغيرة.
الفكرة الأساسية هنا تكمن في أنه من اللازم أن يكون العديد من مقدمي الخدمات غير الحكوميين مؤهلين لتلقي تمويل المساعدات، بما فيهم المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، والشركات التي لا تبغى الربح مثل "فيلق تنمية المواطنين"، و"وكلاء التاج"، والشركات الأخرى التي تبغي الربح. لقد اقترحت نموذجاً لهذه المقاربة يدعى "هيئات الخدمة المستقلة" (ISAs). تكون الهيئة هذه وكالة حكومية خارج الخدمة العامة، شبيهة قليلاً بسلطة مستقلة للإيرادات. ويمكن أن تتعاقد مع منظمات غير حكومية ومع شركات تقدم الخدمات، لكنها هي بحد ذاتها لا تقدم خدمات مباشرة. بدلاً من ذلك، يمكنها مراقبة الأداء. ومع أن الهيئة سوف تكون جزءاً من الحكومة، إلا انها سوف تكون ذات صفة تشاركية بما في ذلك الحصول على بعض التمثيل من جانب المجتمع المدني والمانحين. وهكذا، سوف يتمكن المواطنون، ومن ضمنهم وسائل الإعلام المحلية، والمانحون من مشاهدة عمليات تقييم أداء الخدمات. وبذلك سوف تصبح الحكومة مسؤولة أكثر إزاء مواطنيها، كما سيكون المانحون قادرون على تحويل تدفقات مالية أكثر إلى البيئات الأكثر حاجة مع بعض الثقة بأن الأموال تستخدم كما كان مقصودا منها.
هناك أيضاً أنماط متغيرة في الأولويات القطاعية. قبل ثلاثين سنة، كان يُنظر إلى الأولوية على أنها البنية التحتية. خلال العقد الماضي، تحوّل النمط بقوة إلى القطاعات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم، وضمن هذين القطاعين أيضاً إلى أنظمة تقديم الخدمات الأولية، أي العيادات الريفية والمدارس الابتدائية. حدث ذلك جزئياً بسبب اعتقاد، جاء في غير مكانه، بأن البنية التحتية سوف يموّلها القطاع الخاص، وجزئياً لأن المنظمات غير الحكومية، التي تعتمد على جهودها الخاصة في جمع الأموال، تبنّت مقاربة أكثر انفعالية عززت الوعي الشعبي لدى مواطني البلدان المتطورة. وهكذا، فإن الجوانب الأكثر جاذبيه للتنمية، وبنوع خاص أي شيء له علاقة مباشرة بالأطفال الصغار، أصبح يبرز في الواجهة أكثر. عن غير قصد، وكنتيجة لهذه الضغوط، أصبحت المساعدات، على الأرجح، تركز أقل على آجندة التنمية الإستراتيجية: فقد أنشئت أعداد أكبر من المدارس الابتدائية ولكن عدد أقل من محطات الطاقة الكهربائية. وكما تتغير موضة الأزياء، أصبح هناك الآن تحوّل من الصحة والتعليم الأساسيين نحو الزراعة المرتبطة عموماً بالهواجس حول امدادات الغذاء. وفي حين أن الإرتفاع الأخير في الأسعار العالمية للمواد الغذائية يشكل إضافة إلى الأساس المنطقي لهذا التحول، فان هذا الأخير قد يثبت أنه أكثر فعالية في تلبية الأهداف الإنسانية القصيرة الأجل بدلاً من الأهداف الإستراتيجية الطويلة الأجل.
أبعد من الصورة الجذابة
المجموعة الأخيرة من القضايا تتعلق بالتنسيق بين المانحين. فمع تحول مزيد من البلدان إلى بلدان متطورة، أخذ عدد برامج المساعدات في التكاثر الواسع. وحتى داخل تلك البلدان المتقدمة، كثيراً ما يكون هناك العديد من المنظمات التي تقدم المساعدات: الحكومة الأميركية وحدها لديها حوالي 19 وكالة تقدم المساعدات بصورة أو شكل ما. وهناك أيضا تكاثر أكبر من المنظمات غير الحكومية التي كثيراً ما تمرّر مبالغ كبيرة من الأموال الحكومية ومن الهبات الخاصة، دون أن يكون لديها أنظمة محاسبة ومساءلة قوية.
يبدي جميع هؤلاء المانحين بصورة دورية اهتماماً بالتنسيق، أو على الأقل بالتجانس، بين جهودهم المختلفة. تكون أحيانا الحكومة التي تتلقى المساعدات متأرجحة في رأيها. فهي تعارض عبء التعامل مع عدة وكالات مانحة مختلفة لكنها تقاوم الحلول التي قد تسمح للوكالات المتعددة بأن تتحالف ضد الحكومة. يَكمن قسم من المشكلة في أن كل جهة من الجهات المانحة للحكومة تكون مسؤولة إزاء نظامها القومي الخاص بالنسبة للتدقيق المالي العام، وعليها بالتالي أن تتقيد بمعايير مختلفة. ويعود السبب جزئياً إلى أن أي من الوكالات المانحة لا ترغب في تسلّم زمام القيادة من وكالة أخرى. وجزئياً، لأن الحكومات كثيراً ما تكون مُتردّدة أصلاً بالنسبة لأولوياتها الخاصة، أو انها تترك أولوياتها الحقيقية غير شفافة لأنها تعلم أن المانحين لن يوافقوا عليها.
الحل الأكثر منطقية قد يكمن، على الأرجح، في تمرير المزيد من الأموال عبر عدد قليل من الوكالات المتعددة الأطراف: أفضل هذه الوكالات لديها كفاءات أكثر من الوكالات الثنائية والمنظمات غير الحكومية، كما انها تكون أبعد عن الضغوط السياسية. غير أن الميل في المساعدات المالية يسير بقوة في الاتجاه المعاكس: مزيد من البرامج الثنائية ومزيد من المنظمات غير الحكومية. من هنا، كان الأمل الأفضل في أن يتحرك مواطنو البلدان النامية ويعملوا بسرعة على الأولويات الحقيقية لبلدانهم، وبالتالي تمكين المنظمات غير الحكومية والوكالات الحكومية من التحرك إلى أبعد من مجرد أخذ الصورة الجذابة. لهذا السبب كتبتُ كتاب "حصيلة المليار ".¡
_______________
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.