العطاء الأميركي | تقوية المجتمعات عبر السخاء

02 حزيران/يونيو 2008

المشهد الجديد للمساعدات

 

بقلم كارول سي آدلمان

يلعب الرأسمال الخاص دوراً هاماً في مُساعدة فقراء العالم وفي تحفيز التنمية.

كارول آدلمان هي زميلة أولى ومُديرة مركز معهد هدسون للإزدهار العالمي المتخصص في التنمية الدولية والسياسة العامة، والإعانات الخاصة إلى البلدان النامية، والمساعدات الخارجية، وسياسة الصحة العالمية.

على الرغم من تشديد نجوم الروك وقادة البلدان الصناعية الثمانية الكبرى على أن المساعدات الحكومية المتزايدة تُشكِّل المفتاح لمساعدة فقراء العالم، فإن مدى أهمية هذه المساعدات تستمر في التراجع بالنسبة للعالم النامي. فتدفقات الرأسمال الخاص والإعانات الخيرية الخاصة، بما فيها التحويلات المالية التي تُرسل من المهاجرين إلى بلدانهم الأم، والتي تتصدى للحاجات التقليدية مثل التعليم، والإسكان، والعناية الصحية أصبحت الآن أكبر شأناً بكثير من المساعدات الحكومية الرسمية. علاوة على ذلك، فإن الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والنمو الدراماتيكي للإعانات المُقدمة عبر الإنترنت، واعتماد التكنولوجيات الجديدة، ساهمت كلها في رسم مشهد جديد من المساعدات. بات على الحكومات اليوم أن تفهم هذا الواقع وأن تُفصّل مساهماتها على هذا الأساس لكي تتمكن من مساعدة الفقراء بصورة أكثر فعالية.

إن مؤشر الأعمال الخيرية العالمية لسنة 2007، الذي أعدّه مركز معهد هدسون للازدهار العالمي، يُظهر (حسب آخر المعطيات الكاملة المتوفرة) أن الأميركيين أعطوا في العام 2005، 95 مليار دولار إلى العالم النامي عبر القطاع الخاص، بما فيه المؤسسات الخيرية والشركات الكبرى، والمنظمات الخاصة، ومنظمات المتطوعين، والكليات والجامعات، والمؤسسات الدينية، وكذلك عبر الأوقات التي يقدمها المتطوعون والتحويلات المالية. [http://gpr.hudson.org/files/publications/IndexGlobalPhilanthropy2000.pdf]

يُمثل كل هذا حوالي ثلاثة أضعاف ونصف ضعف حجم المساعدات الأميركية الرسمية. كما ان الشركات الأميركية استثمرت وأقرضت مبلغ 69 مليار دولار إضافي من الرساميل الخاصة. شكلت كل هذه الجهود الخاصة حوالي 86 بالمئة من إجمالي التدفقات الاقتصادية إلى البلدان النامية.

حجم هذه المشاركة من القطاع الخاص، والنجاح الموّثق لمقاربات القطاع الخاص، والشراكات الابتكارية المعقودة بين القطاعين الخاص والعام، توحي بأن نماذج المساعدات الخارجية التقليدية باتت بحاجة إلى نظرة جديدة. فبرامج حقبة خطة مشروع مارشال التي كانت تقوم على تقديم المساعدات عبر الدفع للحكومات المُضيفة بالدرجة الأولى، وأحياناً كثيرة عبر مستشارين مرتفعي الكلفة وبنى تحتية إدارية متثاقلة، قد عفى عنها الزمن وأصبحت غير فعّالة في كثير من الأحيان. وكان قد جرى استنباط برامج المساعدات الخارجية التقليدية هذه لعالم كانت فيه الاستثمارات الخاصة والأعمال الخيرية الدولية الخاصة في العالم النامي لا تكاد تُذكر.

إن قياس المساعدات الأميركية الدولية على أساس المساعدات الحكومية لوحدها يُشوّه كمية وفعالية السخاء الأميركي إزاء الدول الفقيرة. فعندما نُضيف عطاءنا الخاص إلى المساعدات الخارجية الرسمية لحكومتنا، يصبح بإمكاننا فهم المدى الحقيقي للمساعدات الأميركية بشكل أفضل. ولكن، عندما ندرس طبيعة وجوهر مساعدات القطاع الخاص، فإننا نشاهد مقاربات تنجح أكثر، من خلال الاستفادة  من الأسواق العالمية، واستخدام التكنولوجيا التي تربط مباشرة بين المانحين الدوليين والناس المحتاجين، وخفض تكاليف توصيل المساعدات وتحسين نوعية ما يتم تسليمه.

مقاربة التنفيذ المُباشر

تكشف دراسات حالات جهود القطاع الخاص هذه وجهود "النموذج الجديد" من المساعدات عن تعابير عملية تصف المُثل العليا الأميركية المتعلقة بالمسؤولية الشخصية، وباعتماد الحلول ذات الصفة المحلية والبديهية، والاعتماد على الفرد بمثابة كونه هو عامل التغيير. فالمانحون يعملون اليوم بأسلوب الإدارة المباشرة للبرامج وعلى أساس النتائج التي تولدها. فنهم يرغبون برؤية نتائج قابلة للقياس تتحقق بالترافق مع شركاء محليين، وهم يضيقون ذرعاً بالمعايير المُلتبسة التي تُعيق المساعدة الحقيقية للناس. فقيام "جمعيات الموطن الأصلي" حيث يجمع المهاجرون أموالهم من بعضهم البعض لتقديم مساعدات مُباشرة إلى أعضاء مجتمعاتهم السابقة، يكون لها أثر مُباشر ودراماتيكي أكبر. كما تقدم الكليات والجامعات عبر الولايات المتحدة مساعدات على شكل مِنَح دراسية أكبر شأناً بكثير من البرامج الممولة من الحكومة. وكذلك الأمر بالنسبة لكليات الأعمال التي تُدرِّس نماذج المساعدات الخيرية المشتركة التي تُساعد على أساسها المنظمات التي لا تبغي الربح الناس في البلدان النامية في مجالات إنشاء شركات الأعمال، وخلق الوظائف، وجني الأرباح. فشركات الأدوية والمنتجات الصيدلانية والطبية تقدم سنوياً المليارات عن طريق برنامج التدريب الطبي والمساعدات العينية للعالم النامي. وهناك مؤسسات وجمعيات خيرية جديدة باشرت في إعادة النظر في بنيتها التحتية الإدارية، وطريقة صناعة القرار، وتقييم نتائج المساعدات.

تؤكد مراجعة مؤشر الأعمال الخيرية العالمية المتعلقة بالقطاع الخاص الأميركي، أن الأميركيين ما زالوا مبتكرين وعمليين في أساليب مساعداتهم للشعوب الفقيرة، إن كان ذلك عبر الجهود الفردية والجماعية، أو عبر المنظمات التي لا تبغي الربح والشركات التي تبغي الربح، أو عبر طيف واسع من الوسائل والعلاقات الجديدة.

تقدم مؤسسة بيل وميليندا غيتس مثالاً جيداً حول هذه المقاربة الجديدة. ففي سنة 2005، رفعت هذه المؤسسة، وهي أكبر مؤسسة خيرية في العالم، إعاناتها إلى الصحة العالمية بحيث تضمنت أكثر من 436 مليون دولار من الهبات عبر مبادراتها المسماة: التحديات الكبرى في الصحة العالمية. تدعم هذه الشراكة الخاصة – العامة مشاريع أبحاث يشترك فيها علماء في 33 بلداً بغية خلق تكنولوجيات يمكن تقديمها للعالم النامي: تكنولوجيا الصحة التي يَسهل نقلها، ويَسهل استعمالها، وتكون فعّالة. أما مبادرة التحديات الكبرى فهي عبارة عن شراكة بين مؤسسة غيتس والمعاهد القومية للصحة التابعة للحكومة الأميركية. علاوة على ذلك، فقد قدم صندوق شركة أدوية ويلكام البريطاني 27 مليون دولار وقدمت المعاهد الكندية للأبحاث الصحية 4.5 مليون دولار لهذه المبادرة. وهكذا، فإن مبادرة التحديات الكبرى تُبيّن عن نموذج من الشراكة الدولية المثالية بين القطاعين العام والخاص: فهي تزيد بكثير من قدرات صناديق التمويل العامة والخاصة، وتجمع المواهب والمهارات الفريدة لكل قطاع من القطاعين، وتطبقها في الاحتياجات الأساسية للتنمية العالمية.

ولتحقيق هدفها المُتمثّل في "... التوفير لكل الناس، بصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، فرصة عيش حياة صحية ومنتجة"، فقد تَبنّت مؤسسة غيتس الخيرية مُقاربة التنفيذ المباشر العملي". وفي حين فشلت جهود الحكومات التي اعتمدت المبدأ الذي يقول ان قياس واحد يناسب الجميع، فإن هذه المؤسسة تجمع، بدلاً من ذلك، الشركاء المناسبين والخبرات المحددة المطلوبة لحل كل مشكلة بعينها. فوفقاً للمسألة المعنية، قد تعمل المؤسسة مع الحكومات أو المنظمات التي لا تبغي الربح، أو مع شركات الأعمال أو الأفراد، ومع أي شيء آخر يكون ضرورياً لتنفيذ العمل. خلقت هذه الجهود حوافز جديدة لانخراط الشركات الكبرى، وإعادة رسم الحدود التقليدية بين القطاع العام والخاص، وكل هذا بإسم هدف تحقيق "أكبر الأثر لمعظم الناس." [http://www.gatesfoundation.org/AboutUs/Announcements/Announce-070109.htm]

إزالة الحدود

خلال العقدين الماضيين، برزت أنواع جديدة من العلاقات الدولية والمؤسساتية لمساعدة المحتاجين في العالم النامي، مُزيلة بذلك الحدود بين البلدان المانحة والمٌتلقية للمساعدات، وبين المؤسسات التي لا تبغي الربح والشركات التي تبغي الربح. ففي أرياف أفريقيا، مثلاً، قد يُشكِّل نقل المرضى إلى المرافق الطبية المناسبة مُشكلة بحد ذاتها. وقد أنفقت برامج المساعدات الرسمية مبالغ طائلة لشراء سيارات الإسعاف لهذا الغرض، لكن بقي هناك نقص في السائقين المُدرّبين، كما أن هذه الآليات لم يُنتفع منها بالقدر الممكن، أو أنها تعطلّت لغياب الصيانة اللازمة لها.

يدخل هنا راندي مامولا، أصله من كاليفورنيا، نجم سباقات الدراجات النارية الحائز على الجائزة الكبرى فيها (الغراند بري) مع زملاؤه أندريا وباري كولمان. فبعد أن درس الثلاثة بعناية الحاجات والظروف المحلية وبعد أن عملوا أحياناً كثيرة مع المسؤولين المحليين في الصحة العامة والحكومات القومية، أنشأ هذا الثلاثي منظمة "رايدرز فور هلث" (درّاجين من أجل الصحة)، ومركزها في المملكة المتحدة. جمعت المنظمة الهبات الخاصة لتمويل تدريب السائقين وغيرهم من الخبراء اللازمين في يوغندا، وغامبيا، وليزوتو. اليوم، تتم إدارة منظمة "رايدرز فور هلث" بالكامل على أيدي فِرَق أفريقية، وهي تملك سيارات ثنائية ورباعية الدفع بحيث تؤمن تسليم خدمات العناية الصحية لحوالي 11 مليون إنسان في أفريقيا.

يشرح مريض مصاب بالايدز من مقاطعة ماكوني في زمبابوي كيف ان دراجة الأوهورو (وتعني الحرية)، وهي دراجة نارية خاصة طورتها منظمة "رايدرز فور هلث" للعمل في كل أنواع الأراضي خارج الطرق العامة، جعلت الحياة أسهل بالنسبة له ولعائلته: "قبل دراجة الأوهورو، كان الذهاب إلى المستشفى عبارة عن كابوس. كان على عائلتي أن تخرج لاستئجار سيارة لتأخذني من البيت وتنقلني إلى المستشفى..."

سمحت دراجة الأوهورو هذه للفِرَق الطبية بتسليم المساعدات الأساسية لمعالجة الأمراض الممكن الوقاية منها. لقد وثّقت دراسة أجرتها منظمة "رايدرز فور هلث" ومسؤولون محليون في الصحة العامة في زمبابوي تراجعاً بنسبة  20 بالمئة في حالات الملاريا الجديدة في مقاطعة بينغا، حيث كانت تنشط المنظمة. أما المقاطعات المجاورة لبينغا فقد ظلت تعاني من معدلات مرتفعة من الإصابات.

حسنة التكنولوجيا

التكنولوجيا التطبيقية هي مجال آخر تحقق فيه المقاربات والشراكات الجديدة أثراً عميقاً في المساعدات للعالم النامي، بما في ذلك تسليم واستخدام التحويلات المالية. هذه الدفعات المرسلة من المهاجرين إلى عائلاتهم في بلادهم الأم تساعد كثيراً في انتشال الناس في العالم النامي من مُستنقع الفقر. أصبحت التكنولوجيات الجديدة تسمح، عن طريق خفض تكاليف التحويل، لكل دولار مُحّول الوصول إلى المستلم المقصود، وتوجيه المزيد من التحويلات المالية نحو الاستثمارات، وكذلك فتح حسابات مصرفية لمن ليس لهم حسابات، ودمج الناس الفقراء في القطاع المالي عبر حسابات الادخار وحسابات التسليف.

إن أنظمة التحويلات المالية الإلكترونية العابرة لحدود الدول هي من بين العدد المتزايد من الخيارات المُتاحة لتجنّب التكاليف المرتفعة نسبياً لتحويل الأموال. فمصرف الاحتياط الفدرالي الأميركي، مثلاً، يربط الآن نظام التحويل الآلي لديه مع نظيره المكسيكي بموجب مُبادرة شراكة الازدهار الأميركية – المكسيكية. وقد انخفضت رسوم التحويلات المالية الإلكترونية بين الولايات المتحدة والمكسيك إلى 0.67 دولار لكل عملية تحويل. تشجع خدمات التحويلات المالية كل من المرسلين والمستلمين للإنتقال من التعامل النقدي إلى معاملات التحويل من حساب إلى حساب، فتسمح بذلك للمرسلين وللمستلمين بمراكمة رساميلهم، وكسب الفوائد، والحصول على قروض لتوظيفها في الأعمال.

كثيراً ما يشدّد الأميركيون على المُبادرة الفردية، والاستقلالية، والمسؤولية الشخصية بمثابة قيم جوهرية لديهم. إننا نشاهد هذه القيم تعمل بنجاح عندما يستخدم الأميركيون الانترنت لإعادة ابتداع أساليب الأعمال الخيرية العالمية. فالمانحون المحتملون والمتلقون للمساعدات يجدون بعضهم البعض عبر المدونات الإلكترونية والشبكات الاجتماعية على الانترنت، التي تنتشر بسرعة عبر شبكة الانترنت العالمية الواسعة، حيث الكلفة المتدنية، وغياب كلفة الوصلات المباشرة المجانية أصبحت متوفرة بكثرة، وحيث الدعايات تنتشر بسرعة "كالعدوى" على الشبكة العالمية. فالمتطوعون الافتراضيون للترويج والإعلان عن الاحتياجات المطلوبة أصبحوا يتواصلون بعيداً بغية جذب المانحين الجدد. ومن خلال الوسائل الآمنة في استخدام بطاقات الائتمان، أصبح بإمكان المانحين إعطاء المال مباشرة لدعم قضاياهم المفضلة. وبإمكان المانحين، والمتطوعين المحتملين، والمنظمات التي تتلقى الأموال، تصفّح مواقع الإنترنت مثل change.org و dosomething.org وfirstgiving.com لتحديد القضايا الجديرة بهباتهم أو لتعيين فرص العمل التطوعي المتاحة، أو لتقديم قائمة بمشاريعهم للمانحين المحتملين.

شراكة أوثق

هذه هي بعض الأمثلة القليلة حول الطريقة التي تساعد فيها فعالية القطاع الخاص في خلق الإزدهار في العالم النامي. على المساعدات الخارجية الحكومية أن تندمج، إلى أكبر حدّ ممكن، مع المشاريع الخاصة والمؤسسات المحلية، وخاصة مع العدد المتزايد من المؤسسات الخيرية للمجتمعات الأهلية  في العالم النامي. فقد ازداد عدد هذه المؤسسات بنسبة تزيد عن 25 بالمئة بين العام 2000 و2005. يقول فاجيرايا بواساري، رئيس منظمة خيرية محلية في تايلاندا، أن منظمته تستطيع معالجة المشاكل بنجاح "لأننا منظمة غير حكومية، نتخذ الخطوات بسرعة، ونُنفق بحكمة، ونخضع للمحاسبة."

بإقامة شراكات مباشرة أكثر مع المؤسسات المحلية في العالم النامي، تُخضع الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات المانحة جهودها لاختبارات السوق الحرجة. فالمشاريع المُموّلة علانية التي تجذب الأموال الخاصة والمتطوعين الفرديين من المُرجّح لها أكثر أن تعطي نتائج ملموسة وتُثبت أنها قابلة للاستدامة. فمثل هذه الشراكات يمكنها أن تقدم مساعدات تصل إلى الناس مباشرة، وتبني علاقات من الند إلى الند، وتخلق مؤسسات دائمة تملك أعظم قدر من الإمكانيات لمعالجة التحديات المثبطة للهمة مثل الفقر، والصحة، والبيئة، والحقوق الفردية.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي