بيئة | حماية مواردنا الطبيعية

15 أيار/مايو 2009

ثورة في الطاقة يقوم بها الناس

بقلم إليزا وود

 
جون بيترسون (إلى اليسار) يعمل مع الطلاب على متابعة استخدام الحرم الجامعي للطاقة كما يسجلها إنرجي أورب، أسفل إلى اليمين.
جون بيترسون (إلى اليسار) يعمل مع الطلاب على متابعة استخدام الحرم الجامعي للطاقة كما يسجلها إنرجي أورب، أسفل إلى اليمين.

السياسات الحكومية تستطيع تحقيق قدر معين فقط من زيادة كفاءة الطاقة. أما المكاسب الحقيقية، فيجب تحقيقها على أيدي المستهلكين، كل واحد منهم بمفرده. وقد أدى الوعي المتنامي للاستخدام المُسرف للطاقة إلى تحفيز المواطنين للبحث عن تدابير خلاقة لتحقيق الكفاءة في مجالات مختلفة من الحياة الأميركية.

إليزا وود كاتبة مقيمة في الولايات المتحدة متخصصة في قضايا الطاقة ومقالاتها متوفرة على موقع الإنترنت http://www.realenergywriters.com.

الأسعار المرتفعة للطاقة هي التي تدفع المستهلكين إلى التخفيف من استخدام الطاقة أكثر من أي عامل آخر. ولكن كيف يمكننا أن ننصحهم بالتوفير عندما لا يكونوا هم المسؤولين عن دفع فاتورة الطاقة؟

جون بيترسون، مدير برنامج الدراسات البيئية في كلية أوبرلين، واجه هذه المعضلة عندما باشر بتنفيذ مشروع يهدف إلى خفض استهلاك الطاقة في منامات الطلبة في كلية أوهايو. وقد عثر بيترسون على الجواب في كرة العرّافين البلوّرية.

فقد بدأ بيترسون مسابقة لمعرفة أي من المنامات الطلابية يمكنها خفض استهلاك الطاقة أكثر من غيرها. في البداية، قدمت له الكلية موقعاً على شبكة الإنترنت حيث كان الطلاب يراقبون استخدام الطاقة في مهاجعهم عن طريق تحليل جداول ورسوم بيانية مُلوّنة. لكن بيترسون أدرك أن المقاربة كانت "للبارعين في التكنولوجيا فقط" ولا تناسب جميع الطلاب. لذلك، قام بتصميم "مدار للطاقة" على شكل كرة بلورية تتوهج بالألوان المختلفة لتظهر مدى استخدام الطاقة في المبنى في أي وقت معين، ووضع تلك الكرة الدوارة في مداخل المنامات. وبات بإمكان الطلاب، بمجرد إلقاء نظرة خاطفة على الكرة هذه، معرفة أن مناماتهم تستهلك الكثير من الطاقة عندما تكون الكرة حمراء، وكمية أقل عندما تكون خضراء.

يقول بيترسون، "شكلت هذه الكرات بكل تأكيد مجالاً لفتح النقاش.  فالناس كانوا يتجمعون حول المدار ويتحدثون عنه". علاوة على ذلك، فقد سعى الطلاب جدّياً إلى تحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة، واستطاع الفائزون منهم خفض الاستهلاك بنسبة تزيد على خمسين بالمئة.

قال بيترسون إن "الطلاب في المنامات الفائزة كانوا يقومون بأشياء مثل نزع قوابس ماكنات بيع السلع الخفيفة في مناماتهم من مصادر إمداد الكهرباء". "كان هناك طلاب يمرّون أمام ماكنات البيع هذه كل يوم، وعلى الأرجح عدة مرات في اليوم. قبل هذه المسابقة، أراهن أن أحداً من هؤلاء الطلاب لم يتوقف مرة ليفكر في الاستهلاك الطفيلي للطاقة لهذه الماكنات في مناماتهم."

وأضاف أن الطلاب أصبحوا واعين "بأنهم يسيرون في عالم من الأجهزة المستهلكة للطاقة". هذا ما آمِل أننا نقوم به، أي جعل الطلاب أكثر وعياً لتدفّق الموارد اللازمة لدعم حياتهم."

من خلال القيام بهذا العمل، يُنشئ بيترسون، العالم البيئي، إدراكاً متنامياً لدى الأميركيين بأن المحافظة على الموارد هو عمل يَنمّ عن مسؤولية شخصية. ومن خلال استبدال الأضواء الساطعة، وإحكام سّد شقوق النوافذ، وتركيب عدادّات ذكية، يستطيع الأميركيون الذين يفهمون معنى المحافظة على الطاقة المساعدة في إيقاد طفرة في زيادة كفاءة استخدام الطاقة في الولايات المتحدة تبلغ قيمتها تريليون (ألف بليون) دولار وتولّد أكثر من 8.6 مليون وظيفة حسب الجمعية الأميركية للطاقة الشمسية.

بالروحية المناسبة

بالنسبة إلى سارة سبونهايم، فإن كفاءة الطاقة تتعدّى الإنجازات الفنية، بل  إنها عمل روحي. وسبونهايم هي نائبة مدير مؤسسة فايث إن بلايس، وهي منظمة تعتقد أن هناك مسؤوليتين كبيرتين تتشاطرهما  جميع الديانات وهي: محبة الناس لبعضهم البعض، والاهتمام بالخليقة. تساعد المنظمة، التي تتخذ من شيكاغو بولاية إلينوي مقرا لها، الطوائف المسيحية واليهودية والإسلامية والهندوسية والبوذية والسيخ والزرادشت والبهائيين وأبرشيات كنائس يونيتاريان في تحسين استخدامها للطاقة.

يسعى البرنامج المُموّل من منح المؤسسات الخيرية والمجموعات الدينية والأفراد إلى تحقيق الكفاءة المجدية اقتصادياً بالنسبة للمؤسسات الدينية التي تعاني دوماً من العجز المالي. ولهذا الغرض، ساعدت سارة سبونهايم في إطلاق متجر قومي على خط الإنترنت ShopIPL.org  http://www.shopipl.org،  حيث يمكن للكنائس شراء منتجات ذات كفاءة عالية في استخدام الطاقة مع تقديم حسومات عليها. تقوم برعاية هذا المتجر مؤسسة تسمى "إنترفيث باور أند لايت"، وهي منظمة تعمل في عدة ولايات ومنتسبة إلى منظمة "فيث إن بليس"، وتشجع المجتمعات الدينية على اتخاذ الإجراءات ضد ظاهرة ارتفاع درجات حرارة الكون.

يساعد آخر مشروع لسبونهايم، في فيث إن بليس، الكنائس اللوثرية في محاولتها لخفض ما تنتجه من الكربون. وهي تساعد الكنائس، عبر برنامج يُدعى "الأبرشيات الواعية"، في استبدال الأجهزة التي تستهلك الكثير من الطاقة، وتركيب مصابيح دايودية (تسمى مصابيح ليد المقتصدة في الطاقة والتي تعمر طويلا) عند المخارج، واتخاذ ترتيبات أخرى لخفض استهلاك الطاقة. قالت سبونهايم "لقد قبلت هذه الأبرشيات أن تكون حقلاً للتجارب، وتركتنا نقوم بالتجارب عليها لرؤية ما قد تحتاج إليه الكنائس."

تطرح دور العبادة تحديات فريدة بالنسبة لكفاءة الطاقة. ذلك أن هذه الدور تُستََخدم عادةً مرة في الأسبوع، وقد تحتوي على آلات موسيقية لا يمكن تعريضها لدرجات قصوى من درجات الحرارة أو الرطوبة. تُركز سبونهايم جهود كفاءة الطاقة على أجزاء المباني التي تستخدم بصورة متكررة، مثل أماكن إيواء المشردين، ومطابخ الحساء (مواقع توزيع وجبات مجانية على المحتاجين)، والمدارس، حيث يكون لإجراءات كفاءة الطاقة الأثر الأكبر.

ترى منظمة فيث إن بليسس، "أن هذا العمل أساسي بالنسبة للجهود الأكثر تقليدية التي تقوم بها المنظمات الدينية: تقديم الغذاء والملبس والمأوى. تقول المنظمة، "حتى ولو قمنا بكل هذه الأشياء، وأحببنا إخوتنا وأخواتنا من كل قلوبنا، لن يكون لذلك أهمية إن نحن أهملنا الظروف الأيكولوجية لكوكبنا الجميل الهش."

سيارة تقود منزلاً

كاثي كلايتس المدافعة عن كفاءة المجتمع في باتون روج بلويزيانا تتسوق لشراء المصابيح (اللمبات) ذات كفاءة الطاقة العالية.
كاثي كلايتس المدافعة عن كفاءة المجتمع في باتون روج بلويزيانا تتسوق لشراء المصابيح (اللمبات) ذات كفاءة الطاقة العالية.

عندما ضربت عاصفة ثلجية محطة الكهرباء في هارفرد بولاية مساتسوشتس على مدى أربعة أيام في كانون الأول/ديسمبر 2008، قدّم المهندس الكهربائي جون سويني معنى جديدا لعبارة "استقلالية الطاقة".

ففيما كان الناس يحتشدون سوية في المنازل الباردة، كان سويني وأفراد عائلته يجلسون في منزلهم المدفأ، إذ أنه حوّل سيارته الهجين إلى مُولّد كهربائي للطوارئ.

يقول سويني إن إنجاز هذا لم يكن يشكل عملاً خارقاً. فهو يُحب العمل بالأجهزة الكهربائية، ويتذكر الأيام التي كان فيها في الجامعة، في السبعينات من القرن الماضي، حيث قام برسم مخططات لصنع سيارة هجين كمشروعه الخاص به للتخرج من الجامعة.

اليوم، يمضي سويني عطلته الصيفية على متن مركب شراعي مُجهّز بدولابين هوائيين يشحنان بطاريات كبيرة لتشغيل برّاد المركب والأنوار والكمبيوتر وأجهزة الملاحة الإلكترونية. وفي المنزل، قام بتركيب عدّاد للكهرباء للمنزل بكامله على طاولة المطبخ. كما أن هناك عدة عدّادات أصغر لديه تقيس استهلاك الأجهزة المنزلية للطاقة كل ساعة. مراقبة العدّادات دفعت أفراد عائلته إلى خفض فاتورة الكهرباء بحوالي 50 دولاراً في الشهر.

وهكذا، عندما أسقطت العواصف الثلجية الأميال من خطوط نقل الكهرباء في منطقة نيو إنغلاند، بدأ سويني يجري تجارب منزلية على الأجهزة. فأدرك أنه عثر على حلّ "بسيط ومجدٍ اقتصادياً" لانقطاع التيار، وأنه موجود مباشرة أمام منزله.

كان يعلم، عبر الندوات على شبكة الإنترنت، أن سيارة تويوتا برايوس قادرة على توليد كمية من التيار الكهربائي أكثر مما تحتاج إليه. ولاستخدام هذا الفائض، كان سويني بحاجة إلى مُقوّم عكسي، وصدف أنه كان لديه مقوم في الطابق السفلي من المنزل. ربط سويني سلكاً بين المُقوّم العكسي وبطارية السيارة، ومدّ وصلة طويلة من السيارة إلى البيت. ووصل البراد والثلاجة ومروحة موقد الحطب والتلفزيون، وعدة مصابيح بالسيارة.

ولما كانت السيارة من النوع الهجين، فقد صرفت 18 ليتراً من البنزين فقط على مدى أربعة أيام. ولو تمّ ربط السلك بسيارة تقليدية بنفس الطريقة، لاستهلكت أكثر من 150 لترا من البنزين.

يقول سويني، "مثل هذا الاستخدام للسيارة سوف يبدو طبيعياً بعد خمس أو عشر سنوات، عندما تصبح لدينا سيارات هجين يمكن شحن بطارياتها وسيارات كهربائية بالكامل، تكون متوفرة للبيع للجمهور."

تقييدات الوقت ليست عذراً

تعتذر كاتي كلايتس لأنها كانت تقوم بتنظيف أرضية المطبخ بينما كانت تُجري مقابلة على الهاتف. وكاتي أم وجدّة من ولاية لويزيانا وعليها الاستفادة من كل دقيقة من وقتها لأنها المسؤولة الرئيسية عن إعالة أفراد عائلتها التسعة، بمن فيهم زوجها، تشارلي، المقعد الذي يستعمل كرسي المقعدين، والذي لم يعد قادراً على إعالة عائلته بعد أن أصيب بجلطة دماغية قبل ست سنوات.

فبين القيام بالطبخ وغسل الأطباق والثياب والتسوّق، تجد السيدة كلايتس الوقت لأن تكون من المناصرين لكفاءة الطاقة. تقول، "إن المسألة تتلخص في مُجرّد أن يكون الإنسان مواطناً صالحاً في أيامنا هذه. إنها كياسة. إننا نفكر بما سوف يبقى منها عندما سيحتاج أولادنا وأحفادنا إلى الطاقة."

تعرفت كلايتس لأول مرة على كفاءة الطاقة عندما فازت في مسابقة لإعادة تجهيز المنزل بأجهزة تتميز بالكفاءة في استخدام الطاقة قدمتها قناة "ساي فاي" (SCI FI)، التي تقدم برامج الخيال العلمي، التابعة لمحطة إن بي سي يونيفيرسال، بالاشتراك مع منظمة "تحالف توفير الطاقة"(ASE) .

فيما كانت تشاهد المقاول يُركّب الأجهزة الجديدة، والإنارة، والعزل، ثم رأت فاتورة الطاقة تنخفض، تعلقت كلايتس بكفاءة الطاقة، وقررت أن تقنع غيرها من الناس بالفكرة. قالت منظمة تحالف توفير الطاقة إن كلايتس  "أصبحت سفيرة لكفاءة الطاقة على المستوى الشعبي"، بحيث خلقت دعماً مدوياً لهذا التحالف. إنها تتحدث عن المسألة مع الجيران والأصدقاء والأسرة وأعضاء الكنيسة. وعندما أعلن رئيس بلدية باتون روج عن يوم كفاءة الطاقة في المدينة، شاركت كلايتس في مؤتمر صحفي لحشد المدينة حول هذه القضية. فجاءت بمراسلين إلى منزلها ليشاهدوا التغييرات والأجهزة الجديدة. وهي تمضي الوقت في تصميم بطاقات لوضعها بين صفحات الكتب تتضمن تعليمات حول توفير الطاقة، توزعها على كل من يهمه الأمر. في المساء، عند الانتهاء من الواجبات المنزلية، وعندما يصبح المنزل هادئاً، تدور في أرجائه لنزع مصاصات الكهرباء، أي الأجهزة والأدوات الكهربائية غير المستعملة والتي لا تزال تمتص الكهرباء لأنها لم تُسحب من مآخذها الكهربائية.

تقول، "في عالم اليوم، علينا جميعاً أن نفتش عن طرق تجعل منا بخلاء نهتم بقيمة الفلس. وهذه طريقة سهلة لتحقيق الأمر. آمل أن يحاول الآخرون ذلك أيضاً لأنهم سوف يشعرون بأنهم فازوا بشيء ما."

هذه القصص حول مدار أوبرلين ومهمة فيث إن بليس الروحية وتجارب سويني على الأجهزة الكهربائية، والعمل التطوعي لكلايتس ما هي إلا أمثلة قليلة عن العمل الشاق الذي بذله الأميركيون لخفض استهلاك الطاقة. هل سيتواصل هذا التفاني؟ بعض المحللين يخشون أنه في حال تدّنت أسعار الطاقة، سوف ينسى الأميركيون الكفاءة. ويقول آخرون إن صدمات الأسعار كانت هائلة خلال السنوات الأخيرة، ولذلك فإن البلاد لن تتراجع عن التوفير. علاوة على ذلك، فإن العدادات المتطورة، ومدارات أوبرلين وغيرها من تكنولوجيات القياس سوف تكون بمثابة حوافز لتوفير الطاقة.

كتب سويني في مقال نشر في صحيفة محلية يقول: "الثورة الإلكترونية التي أوجدت الكمبيوتر الشخصي والإنترنت سوف تُغيّر، على الأرجح، الطريقة التي نولّد ونخزّن ونستخدم بها الطاقة". وأضاف، "أرجو منكم دعم هذه التغييرات عبر النظام السياسي، وشجعوا أطفالكم على دراسة العلوم والهندسة. هذه البلاد بحاجة للبدء بالتفكير "خارج الأطر المألوفة"، وسوف نحتاج إلى جميع المواهب الفنية التي يمكننا حشدها لحل قضايانا الحالية المتعلقة بالطاقة بطريقة ودية تجاه البيئة."

________________________

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي