19 آذار/مارس 2009
أعمالها المنحوتة والمشكّلة والمصوّرة تتحرى الظواهر العضوية الحية
من لورين مونسين، المحررة في موقع أميركا دوت غوف
واشنطن،- هذه المقالة هي الثانية من سلسلة من أربع مقالات.
بداية النص
العناصر الخالدة خلود الزمن من ماء وحجر، عوامل تعبر بقوة ووضوح عن التغيّر الجيولوجي الأرضي، مواضيع تتكرر، وأفكار تتردد في تراكيب ونسيج الأعمال الجريئة التي تجسد ثراء المدارس الفنية المتعددة في فن أثينا تاكا. وتاكا فنانة نحّاتة قريبة من البيئة، تعبر عن الأفكار في فنها الذي تستخدم له مختلف الوسائل والوسائط. ولعل أكثر ما تشتهر به من أعمال، تلك التي تستحضر روعة الطبيعة وتصورها في أبعد الأماكن احتمالا عن التعبير الجمالي للمشاهد الطبيعية في المدن.
تحدثت الفنانة أثينا تاكا إلى موقع أميركا دوت غوف وقالت "إن كل أعمالي منتمية إلى الطبيعة وهي مستوحاة من الماء والتشكيلات الأرضية، على الأخص، أو من إيقاعات التناغم العضوي البيولوجي." وتاكا، بما لها من خبرة وتجارب طويلة تمتد عبر نحو 40 سنة في أعمال فنية عامة كلفت بخلقها في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، فنانة معطاء مكثرة تامة البراعة، مثقفة، من بين أشهر الفنانين الذين نحتوا أو شكلوا مواقع ونصبا بيئية في البلاد. ومن أشهر أعمالها ساحة "الفدادين الخضراء" التي أنجزتها في العام 1986 في مدينة ترنتون بولاية نيوجيرزي بتكليف من دائرة الولاية لحماية البيئة.
يتميز عملها "الفدادين الخضراء" بعدد من المظاهر اللافتة للنظر المثيرة للاهتمام، منها الدرجات المنحنية التي تقلّد أمواج المحيط وتوحي بتكسرها، وأصص المزروعات والأوعية التي تضم مجموعات متنوعة من النباتات المحلية، والبلاط الرخامي الأخضر اللماع المزيّن بالصور المنحوتة فيه بطريقة الحفر بالسّفع الرملي (استخدام تيار هوائي مركّز لقذف الرمل والحفر به). ومما يثير الانتباه أن الصور المنحوتة بالرمل وتمثل النباتات والحياة البرية المعرضة لخطر الزوال في نيوجيرزي تختفي فجأة عندما ينزل عليها المطر، ثم تعود إلى الظهور تدريجيا مع صحوة الجو. ويشكل اختفاء تلك الصور وظهورها، كما الأشباح، تذكرة بالأنواع التي يمكن أن تختفي وتنقرض سريعا إذا لم تولّ الحماية الكافية.
كان للفنانة تاكا دور بارز ورائد في استخدام السفع الرملي لنحت الصور التي توثّق البيئة وتسجّل الطبيعة في أوائل وأواسط الثمانينات عندما كان هذا الأسلوب لا يزال وليدا في القرن الماضي. وعمد الفنانون من بعدها إلى استخدام هذا الأسلوب في أعمال مألوفة لهم متمثلة في النصب التذكارية العامة والتي منها على الأخص نصب المحاربين القدماء في الحرب الكورية المقام في واشنطن والذي يعود الفضل في أسلوب نحته إلى أساليب تاكا المبتكرة.
جمال الطبيعة وقوتها موضوع لا يكاد يخلو من أي عمل من أعمال تاكا منذ السبعينات من القرن المنصرم. وكانت أثينا تاكا، اليونانية الأصل، قد بدأت حياتها الفنية كمؤرخة للفنون وقيّمة عليها في أحد المتاحف، ثم علّمت النحت في كلية أوبرلين بأوهايو حتى العام 1998. وفي غضون ذلك ذاعت شهرتها من خلال عرض منحوتاتها ومشاريعها الفنية المفاهيمية. ويحتفظ حاليا كل من متحف الفن الحديث في نيويورك، ومتحف هيرشهورن في واشنطن، ومتحف الفنون الجميلة في هيوستون بتكساس، وغيرها من المؤسسات بأعمال لتاكا ضمن مجموعات عرضها الدائمة.
وعلاوة على خلقها تشكيلات ومشاهد بارزة في الأمكنة والساحات العامة، أنتجت تاكا أعمالا شملت تماثيل ومنحوتات بينها شلالات ماء وأخاديد وبراكين وموجات بحرية عارمة وغيرها من الأعمال التي تمثل أدق تفاصيل الطبيعة وأعقدها على نطاق مصغّر وحميم. وتقول تاكا في ذلك "أردت أن أستخلص جوهر... كل أشكال الطبيعة التي تأسر نظري وتبعث في نفسي الطمأنينة والفرح، كالتشكيلات الصخرية والتلال الرملية وأمواج البحر وكتل الجليد المتدلية ولحاء الشجر وفقاعات الصابون وتدفق الحمم البركانية والجرف المرجانية ومجموعات السمك وغير ذلك مما لا يحصى من المظاهر الحية والجامدة."
الفن المفاهيمي صار أيضا يشكل جانبا هاما متمثلا في آثار تاكا الفنية. إذ يعبر بعض أعمالها التصويرية عن توجهات وميول اجتماعية في حين يتحرى بعض آخر دور الطبيعة المسيطر على دورة الحياة الإنسانية المتعاقبة على مدى الدهور والأزمان.
أقامت تاكا في العام 2008 معرضا ضم 216 صورة ذاتية لها بالأبيض والأسود سمّتها مجموعة 36 سنة من الكبر (1972-2007) أبرزت فيها تأثير الزمن في تقاطيع الوجه وتكوين الجسد. وكان معرض الصور بمثابة تأمل واقعي في عملية تقدم السن، إذ تعبر 36 سنة من الكبر عن تقبل الوتيرة البيولوجية التي ترسم علامات بارزة في مراحل حياة الفنانة. إلا أن تاكا تقول إن تقبل تلك العملية لا يكون سهلا وبسيطا في كل الأحيان، فهي تصف تقدم العمر والكهولة بأنه "تأثير الزمن الذي يسحرني ويأسرني بقدر ما يهدني وأثور عليه."
ومع أن تاكا تتخذ من واشنطن مقرا لإقامتها حيث تنفذ مشاريع النحت والفن المفاهيمي التي تكلّف بها، فقد قامت مؤخرا بتصميم النوافير والمسرح المدرّج في مجمع مركز محمد علي (بطل الملاكمة الشهير) المؤلف من ثلاثة طوابق في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي. ويضم التصميم الذي استوحته تاكا من الطبيعة 48 عمودا زجاجيا مختلفة الأطوال تنحدر فيها شلالات ماء مهوّاة. وهي عاكفة حاليا على وضع تصميم لمجمع (بلازا) سيجري بناؤه في واشنطن. وسيكون المجمع عندما يكتمل عبارة عن واحة خارجية في الهواء الطلق لأهل المدينة، وستضم نافورة وسقفا مضاء قائما على أعمدة وبرجا للإضاءة.
قالت تاكا: "من الطبيعي أنني أريد لتشكيلاتي وتماثيلي أن تتخذ صفة الديمومة كي تكون قادرة على التعبير عن رسالتها لمزيد من الناس عبر حضورهم. لكنني أريد منها أيضا أن تبقى وتتاح لها فرصة التقادم والاهتراء من الاستعمال والاكتساء بالأعشاب والإصابة بالخدوش ويعركها الزمن، ثم تستولي عليها الطبيعة وتدمجها فيها."
وقد التحقت تاكا بجامعة ماريلاند منذ العام 1998 ولا تزال منتمية لها. وتقوم حاليا بالتحضير لمعرض استذكاري يستعرض مجريات الماضي موضوعه "من العام إلى الخاص" سيفتتح في أثينا باليونان في 15 كانون الثاني/يناير، 2010.
طالع المقالة الأولى في هذه السلسلة: الفنانة جاكي بروكنر توحد بين النحت والتصميم المناسب للبيئة.
نهاية النص