بيئة | حماية مواردنا الطبيعية

28 تموز/يوليو 2009

رأي ورأي مضاد: دور الحكومة؟

خبيران يعبران عن وجهات نظرهما حول دور الحكومة في تشجيع "الأخضر"

 
طلاب يساهمون في برنامج لزرع الأشجار على مستوى البلاد رعته حكومة الفيليبين (الصورة للاسوشيتد برس).
طلاب يساهمون في برنامج لزرع الأشجار على مستوى البلاد رعته حكومة الفيليبين (الصورة للاسوشيتد برس).

نرحب بتعليقات القراء حول هذه المقالات لكي ننشرها لاحقاً على الإنترنت. يُرجى إرسال تعليقاتكم حول هذا الموضوع إلى eJournalUSA@state.gov. الحد الأقصى لعدد الكلمات هو 200 كلمة باللغة الإنجليزية. يرجى تحديد البلد الذي تنتمون إليه عند توقيع تعليقكم.

كما توضح مقالات أخرى في هذا العدد من المجلة الإلكترونية إي جورنال يو أس آيه، وعنوانه "تحول الشركات الأميركية إلى "الأخضر"، تُبادر الشركات الأميركية في تجربة طرق أكثر استدامة بيئياً عند تنفيذ أعمالها، وذلك لأسباب مختلفة. لكن بصورة تقليدية، كانت الأنظمة الحكومية في دول عديدة تُشكِّل قوة دافعة في تنظيف البيئة. ما هو الدور المناسب للحكومة في تعزيز تحول الشركات إلى الأخضر؟ 

طرحنا هذا السؤال على اثنين من الخبراء.

مارغو ثورننغ هي كبيرة نواب الرئيس وكبيرة الخبراء الاقتصاديين لدى المجلس الأميركي لتكوين رؤوس الأموال في واشنطن. نالت شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورجيا وعملت لدى وزارة الطاقة الأميركية، ووزارة التجارة الأميركية، وهيئة التجارة الفدرالية. مهمة المجلس تعزيز النمو الاقتصادي عبر اتباع سياسات ضريبية، وتجارية، وتنظيمية، وبيئية مناسبة.

بوب ويلارد هو خبير في قيمة استراتيجيات الاستدامة لأعمال الشركات. وهو مؤلف كتاب "أفضلية الاستدامة وموجة الاستدامة التالية." وقد نال شهادة الدكتوراه من جامعة تورونتو. يطبق ويلارد خبرته في تطوير الأعمال والقيادة التي اكتسبها من عمله لمدة 34 سنة لدى شركة آي بي ام كندا، في مجال انخراط مجتمع شركات الأعمال في تجنّب المخاطر واغتنام الفرص المترافقة مع مسائل الاستدامة.

في ما يلي مقالان متعارضان حول تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

الاستثمار في تحويل الأعمال إلى الأخضر: لماذا لا نقدّم جزرة (مكافأة)؟

بقلم مارغو ثورننغ

يُشكِّل تخفيض تنامي انبعاث غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة قضية بيئية مركزية، بينما يُشكِّل تعزيز النمو الاقتصادي أهدافاً مهمة لصنّاع السياسات عبر جميع أنحاء العالم. يوافق قطاع الأعمال الأميركي بمعظمه على الفكرة القائلة بأنه يتوجب على الشركات أن تؤدي حصتها في إبطاء نمو انبعاث غازات الاحتباس الحراري (GHG) في الولايات المتحدة. ألزمت إدارة بوش عام 2002 الولايات المتحدة بتخفيض كثافة انبعاث غازات الاحتباس الحراري (كمية الطاقة اللازمة لتوليد قيمة دولار واحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري) بنسبة 18 بالمئة بين عام 2002 وعام 2012 وتسير الولايات المتحدة قُدماً نحو تجاوز هذا الهدف.

مع ذلك سوف يتطلب تسريع معدل تخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري جهوداً أقوى من جانب قطاع الصناعة، والمرافق العامة الكهربائية، والمنازل، والحكومة. ومن المحتمل أن يؤدي تطبيق استراتيجية تخفيض الكلفة الرأسمالية للاستثمارات في الطاقة النظيفة، وفي الأبحاث والتطوير (R&D)، وفي إدارة جانب الطلب على الطاقة أرباحاً عالية لناحية زيادة النمو الاقتصادي الأميركي وخفض كثافة استخدام الطاقة، وذلك بدون إبطاء النمو الاقتصادي وزيادة  معدلات البطالة.

تأثير البرامج الإلزامية لتخفيض انبعاثات غاز الاحتباس الحراري

تعتمد مقترحات تشريعية عديدة حالية على منهج "وضع حدّ للتلوث والمتاجرة به" من أجل تخفيض الانبعاثات، في حين لا تدعو سوى مقترحات قليلة إلى فرض ضريبة على انبعاثات الكربون. من المحتمل أن تؤدي هذه المقترحات، في حال تشريعها، إلى إبطاء نمو الناتج القومي الإجمالي والتوظيف في الولايات المتحدة. وكما جاء ذكره في تقرير عام 2007 لمكتب الميزانية في الكونغرس، قضايا تغيّر المناخ: إن "الحصول على مخصصات، أو اتخاذ خطوات لتخفيض الانبعاثات من أجل تجنب ضرورة الحصول على مثل هذه المخصصات، قد يتحول إلى كلفة في تنفيذ الأعمال لشركات تخضع لتخفيض ثاني أكسيد الكربون. لكن قد لا تتحمل هذه الشركات في نهاية الأمر معظم نفقات هذه المخصصات. وبدلاً من ذلك تحول معظم هذه النفقات إلى عملائها (وعملاء عملائها) على شكل فرض أسعار أعلى."

يعتقد الكثير من المعلقين أن الاقتصاد الأميركي بات قريباً من الدخول في فترة ركود (أو ربما دخل فيها). وخلال محاولة صنّاع السياسات حشد قوى الاقتصاد الأميركي في هذه المرحلة الصعبة، قد يكون من الحكمة دراسة استعمال بعض "الجزرات" (المكافآت) لدفع الشركات إلى إجراء استثمارات خضراء في المعامل والمعدات وفي الأبحاث والتطوير التي ستؤدي ليس فقط إلى تخفيض النمو في انبعاث غازات الاحتباس الحراري، بل سوف تعزز أيضاً نمو الإنتاج والاقتصاد.

دور النمو الاقتصادي والتكنولوجيا في تخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري

أغفل العديدون من صنّاع السياسة الأثر الإيجابي الذي يمكن أن يولده النمو الاقتصادي على خفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري. ففي عام 2006، على سبيل المثال، وبينما نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 3.3 بالمئة، هبطت نسبة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 1.3 بالمئة. وبصورة إجمالية، انخفض استعمال الطاقة بنسبة 0.9 بالمئة فقط، مما يشير إلى أن الاقتصاد الأميركي بدأ يصبح أقل إنتاجا للكربون حتى بدون التخفيض الإلزامي للانبعاثات.

يوفّر تطوير ونشر التكنولوجيا أكثر الطرق فعالية لخفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري، ويميل الاقتصاد القوي إلى دفع الاستثمارات الرأسمالية بشكل أسرع. هناك طريقتان فقط لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادرة عن استعمال الوقود الأحفوري: استعمال كميات أقل من الوقود الأحفوري أو تطوير تكنولوجيات لاستعمال الطاقة بصورة أكثر كفاءة من أجل احتجاز الانبعاثات أو إيجاد بدائل للطاقة الأحفورية. هناك وفرة من الأبحاث الاقتصادية التي تبين العلاقة بين استعمال الطاقة والنمو الاقتصادي، كما التأثيرات السلبية لتخفيض استعمال الطاقة. تعد التكنولوجيات الجديدة، على المدى الطويل، بالتأثير على معدلات انبعاثات غاز الاحتباس الحراري ومستويات تركيزه في الجو. قد يُشكِّل تحسين المعالجة الضريبية لعمليات الأبحاث والتطوير في الولايات المتحدة خطوة إيجابية. فعلى سبيل المثال، فإن جعل الخصم الضريبي على الأبحاث والتطوير سياسة دائمة قد يعزز البرامج المستدامة ذات المدى الأطول، وهو الأمر الذي يستطيع أن يقود إلى تحقيق اختراقات تكنولوجية جديدة.

دور الشراكات الدولية

الأبحاث التي قام بها ديفيد مونتغومري، وسوغاندا تولادار، من مؤسسة سي آر أي انترناشونال، تطرقت إلى اتفاقية الشراكة بين الدول الآسيوية-مع الدول المطلة على المحيط الهادىء حول التنمية النظيفة والمناخ (AP6) التي وقعتها الهند، الصين، كوريا الجنوبية، اليابان، أستراليا والولايات المتحدة، والتي توفّر نهجا حول سياسة تغير المناخ تستطيع أن توفق بين أهداف النمو الاقتصادي  والتحسين البيئي في الدول النامية. تعيش في الدول المشاركة في هذه الاتفاقية نسبة 45 بالمئة من سكان العالم، وتُصدر هذه الدول نسبة 50 بالمئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من صنع الإنسان. التوقعات المستقبلية بحصول نمو قوي جداً لغازات الاحتباس الحراري في الدول النامية على مدى السنوات العشرين القادمة تعني وجود احتمال هائل لخفض الانبعاثات من خلال آليات نقل التكنولوجيا التي تستند إلى اقتصادات السوق.

لاحظ مونتغومري وتولدار أن هناك عدة عوامل حاسمة لتأمين نجاح اتفاقية دولية تعتمد بقوة لنجاحها على استثمارات القطاع الخاص. أظهر بحثهما أن الإصلاح المؤسساتي مسألة حاسمة بالنسبة للاتفاقية السابق ذكرها (AP6)، لأن غياب المناخ الاستثماري الموجه إلى السوق يُشكِّل عائقاً رئيسياً أمام تخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري في اقتصادات الصين والهند وغيرها من الاقتصادات الآسيوية. بدأت كل من الصين والهند في تنفيذ عملية إنشاء أنظمة اقتصادية تستند إلى السوق ظهرت معها فوائد واضحة على شكل ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي. لكن عملية الإصلاح كانت بطيئة وعرجاء وتركت عوائق مؤسساتية كبيرة قائمة بوجه التغيّر التكنولوجي، ونمو الإنتاجية، والتحسينات في الانبعاثات. قام البنك الدولي ومؤسسات أخرى باستقصاءات موسعة حول دور مؤسسات معينة في إيجاد مناخ استثماري إيجابي. تشمل هذه الاستقصاءات التخفيض إلى الحد من الفساد والأعباء التنظيمية، وإنشاء دور فعّال لحكم القانون، والاعتراف بحقوق الملكية الفكرية، وتقليص دور الحكومة في الاقتصاد، والقضاء على عيوب أسعار الطاقة، وتأمين بنية تحتية مناسبة وقوى عاملة مثقفة ومحفَّزة.

أهمية نقل التكنولوجيا لتخفيض الانبعاثات

وكما تمّ وصفه أعلاه، فالتكنولوجيا مهمة بشكل حاسم لأن الانبعاثات لكل دولار من الدخل هي أكبر بكثير في الدول النامية منها في الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى. يُشكِّل ذلك تحدياً وفرصة في نفس الوقت. إنه تحدٍ لأن الكثافة العالية للانبعاثات، والتحسينات البطيئة نسبياً أو غير الموجودة في كثافة الانبعاثات، هي التي تسبب المعدل العالي لنمو الانبعاثات في الدول النامية.

هناك فرص متوفرة الآن لأن تكنولوجيا استعمال الطاقة في الدول النامية تشمل انبعاثات أكبر بكثير لكل دولار من التكنولوجيا المستعملة في الولايات المتحدة وهذا صحيح بالنسبة للاستثمارات الجديدة في دول كالصين والهند كما بالنسبة لقاعدة إنتاجها. التكنولوجيا المشمولة في قاعدة المعدات الرأسمالية المركبة في الصين، مثلاُ، تنتج انبعاثات بمقدار أربعة أضعاف ما تنتجه التكنولوجيا المستعملة في الولايات المتحدة. تتحسن كثافة الانبعاثات بسرعة في الصين ولكن رغم ذلك، تشمل استثماراتها الجديدة تكنولوجيا ذات كثافة تبلغ ضعف كثافة الانبعاثات للاستثمارات الجديدة في الولايات المتحدة.

استراتيجيات لتعزيز التغيّر المؤسساتي

رغم وضوح وجود علاقة بين المؤسسات، والنمو الاقتصادي وانبعاث غازات الاحتباس الحراري، ليست هناك صيغة عامة يمكن تطبيقها لتحديد الفشل المؤسساتي المحدد المسؤول عن الانبعاثات العالية لكل وحدة إنتاج في دولة معينة. فإذا كان المطلوب تحقيق تقدم في الإصلاح المؤسساتي، يجب على الأقل أن تتفق الأطراف الرئيسية أو أصحاب المصلحة، مثل الشركات المعنية ومجموعات أخرى ذات نفوذ على الرأي العام والسياسة في الصين، والهند وغيرها من الدول النامية (تشمل الحكومات المحلية والإقليمية)، والحكومات القومية، على طبيعة ونطاق المشاكل وعلى الإصلاحات المطلوبة لمعالجة المشاكل، وعلى تحديد الأعمال الملموسة التي سوف تنفذها كل حكومة لتحقيق الإصلاحات المؤسساتية.

فعلى سبيل المثال، يمكن تسريع تحقيق التقدم في تطبيق الاتفاقية السابقة الذكر (AP6)، في حال قامت حكومات أستراليا، واليابان، والولايات المتحدة، بتمويل أبحاث حول مواضيع مثل مناخ الاستثمار، ومستوى التكنولوجيا المشمولة في استثمار جديد، ودور الاستثمار الأجنبي المباشر، والتوفير المحتمل في استهلاك الطاقة بفضل نقل التكنولوجيا، وطبيعة وتأثيرات تشوهات أسعار العرض والطلب على الطاقة، وانبعاثات غاز الاحتباس الحراري في الصين والهند. كما قد يساعد أيضاً دعم الحكومة للأبحاث من أجل توضيح التداعيات المباشرة للإصلاحات المقترحة لكفاءة الطاقة وفوائد مناخ استثمار يستند إلى اقتصاد السوق للعملية الإجمالية للنمو الاقتصادي.

توسيع الشراكة الدولية لتشمل كافة المتسببين الرئيسين في انبعاث غازات الاحتباس الحراري

خلال مؤتمر قمة الدول الثماني الكبرى الذي عقد في ألمانيا في السنة الماضية (2007)، وافق صُنّاع السياسة على تنفيذ سلسلة من الخطوات باتجاه تخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري. واعترافاً منهم بأن نسبة 85 بالمئة من كافة الانبعاثات تصدر من حوالي 15 دولة، وافق قادة الدول الثماني الكبرى على دعوة الدول الرئيسية المستهلكة للطاقة للاتفاق على إطار عمل دولي جديد بنهاية عام 2008. وافق القادة على العمل باتجاه تحقيق هدف عالمي للمدى الطويل لخفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري ولتسريع تطوير ونشوء تكنولوجيات الطاقة النظيفة، كما وافقوا أيضاً على العمل على تخفيض و/أو إلغاء العوائق التي تسببها التعريفات الجمركية وتلك التي لا تسببها التعريفات بوجه السلع والخدمات البيئية من خلال مفاوضات الدوحة لمنظمة التجارة العالمية. شملت نقاط الاتفاق الأخرى تطوير وتطبيق برامج قومية لكفاءة الطاقة ولتقدم التعاون الدولي حول كفاءة الطاقة، وكذلك متابعة جهود مشتركة في قطاعات رئيسية كالغابات المستدامة، توليد الطاقة، النقل، الصناعة، والمباني ووافقوا في النهاية على تعزيز التعاون مع الدول النامية للتكيف مع تغيُّر المناخ.

الاستنتاج

يجب أن تشمل سياسات تخفيض تنامي انبعاث غازات الاحتباس الحراري العالمي كلاّ من الدول المتقدمة والدول النامية لكي تكون فعّالة. من المحتمل أن تلقى السياسات الهادفة إلى تعزيز تطور التكنولوجيا ونقلها قبولاً أوسع من تلك التي تفرض تخفيضات حادة على المدى القريب في استعمال الطاقة للفرد الواحد. إن توسيع إطار عمل الشراكة بين الدول الآسيوية-والمطلة على المحيط الهادىء حول التنمية النظيفة والمناخ النظيف ليصل إلى الدول الباعثة الرئيسية لهذه الغازات، سوف يسمح للدول النامية بتركيز جهودها حيث تستطيع أن تحصل على أكبر عائدات، فيما يتعلق بتخفيضات الانبعاثات، بأقل كلفة.

المستشار الأسترالي المدافع عن البيئة، مايكل هوبز يقول إن الأنظمة الحكومية تعيق إنشاء المباني الخضراء (الصورة للأسوشيتد برس).
المستشار الأسترالي المدافع عن البيئة، مايكل هوبز يقول إن الأنظمة الحكومية تعيق إنشاء المباني الخضراء (الصورة للأسوشيتد برس).

وأخيراً، إذا تبنت الولايات المتحدة برنامجاً إلزامياً لتخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري، يجب إيلاء اهتمام جدي بفرض ضريبة على الكربون بدلاً من نظام "وضع حدّ للتلوث والمتاجرة به" وفق النمط المتبع في الاتحاد الأوروبي. يجب أن يُشكِّل السماح بزيادة الانبعاثات مع ازدياد النمو الاقتصادي وعدد السكان في الولايات المتحدة جزءاً رئيسياً من أي برنامج إلزامي تتبناه الولايات المتحدة.

دور القيادة الحكومية في السعي لتحقيق الاستدامة

بقلم بوب ويلارد

يقول تقرير العام 2007 الذي أعدته اللجنة الحكومية حول تغيّر المناخ إنه ليس لدينا سوى بضع سنوات لتأمين استقرار غازات الاحتباس الحراري قبل أن نواجه تغييراً مناخياً شديداً لا يمكن عكس مساره. يقول تقرير تقييم الألفية للنظام البيئي إن نسبة 60 بالمئة من الأنظمة البيئية الـ 24 التي نعتمد عليها بدأت تتردى أو تستعمل بصورة غير مستدامة، والنسبة الباقية منها أصبحت معرضة للخطر. استناداً إلى الشبكة العالمية للأثر الإنساني، أصبح الأثر الأيكولوجي الإنساني أكبر بنسبة 23 بالمئة عما يستطيع كوكبنا أن يتحمله، ويستمر هذا التجاوز في الازدياد. يقول تقرير الاستشراف العالمي للبيئة (Geo-4) التابع للبرنامج البيئي للأمم المتحدة  إن التهديدات المتواصلة الرئيسية لكوكبنا، مثل تغيّر المناخ، ومعدل انقراض الأنواع الحياتية، وتحدي توفير الغذاء لعدد متزايد من السكان، تبقى من دون حل وكلها تضع الإنسانية في خطر.

تتأرجح مشاكل الاستدامة على حافة التغيير بهذا الاتجاه أو ذاك. نحن في سباق لمعرفة ما إذا كانت الإنسانية تستطيع إنقاذ العالم الذي يغذينا. ولحسن الحظ، فإن الحلول معروفة وتقع ضمن نطاق قدراتنا. فلا يوجد لدينا نقص في الحلول.

ولكن لدينا نقص في الإرادة السياسية المستدامة. يجب علينا أن نتوقف عن اتباع ممارسات غير مستدامة تسارع في إحداث هذا الطارئ على كوكبنا. يجب أن نعلن الحرب في سبيل الاستدامة لكي نحشد تصميمنا الجماعي. يجب أن نوجه نفس مستوى الاستعجال والموارد إلى المناخ، والطاقة، والأزمات الأيكولوجية كالتي وجهناها إلى الحرب على الإرهاب. يجب على الحكومات أن تمسك بزمام القيادة لبلوغ مجتمع المستقبل المحصن.

فيما يلي سبعة أعمال جريئة تعالج التحديات البيئية والاجتماعية الهائلة التي نواجهها.

دمج التعليم للتنمية المستدامة مع أنظمة التعليم النظامية وغير النظامية وغير الرسمية:

يجب أن تطبق الحكومات على نهج النظام الكلي لناحية سياسات التعليم، وتدريب ال?علمين، وتشغيل المرافق العامة، والمناهج الدراسية.  الهدف من "عقد الأمم المتحدة للتعليم حول التنمية المستدامة، 2005-2014" هو دمج المبادئ، والقيم، والممارسات المرتبطة بالتنمية المستدامة مع كافة أوجه التعليم والمعرفة عبر العالم.

إن مثل هذا التعليم يُحسّن الموقف الذهني لدى الأطفال والراشدين حول الأهمية الشخصية للاستدامة، ومخاطر تغيّر المناخ، وغير ذلك من الأزمات الاجتماعية والبيئية، والحاجة الماسة للقيام بعمل. إن السكان المطلعين يوفرون لحكوماتهم التفويض اللازم للتغيير.

استبدال الناتج القومي الإجمالي بمؤشر التقدّم الحقيقي (GPI):

يدمج مؤشر التقدم الحقيقي العناية الصحية، السلامة، البيئة النظيفة ومؤشرات أخرى للرفاه مع المقاييس المالية والاقتصادية للناتج القومي الإجمالي من أجل تكوين تقييم جامع أفضل للتقدم القومي. قد يعطي تأييد الحكومة لهذا التقرير السنوي حول الثروة الحقيقية للبلاد قيمة مشروعة لهذه الثروة عدا المال. فامتلاك مثل هذا التقييم للكربون القومي أو للأثر البيئي قد يُنبّه الناس إلى ضرورة القيام بعمل عاجل حول تغيّر المناخ.

تطبيق تحول في الضريبة البيئية:

الشيء الكثير من نظامنا الضريبي مقلوب رأساً على عقب: إذ نحن نفرض الضريبة على "الجيدين" ونحفز "السيئين". بدلاً من ذلك، علينا أن نفرض ضريبة على التلوث، والكربون، والهدر. يجب أن نحفز التوظيف، المواد المتجددة، إعادة تجديد الموجودات الرأسمالية، الاستهلاك المسؤول، وكفاءة الطاقة.

تحويل الإيرادات المحايدة لعبء الضريبة من أشياء لا نريدها إلى أشياء نريدها بالفعل سوف يبعث بإشارات تغيير سلوكية قوية.

إلغاء الإعانات الخاطئة:

في يومنا الحاضر يُعاق استعمال خيارات الطاقة البديلة من خلال تقديم إعانات خاطئة إلى صناعات الوقود النووي والأحفوري. تدفع الدول الصناعية سنوياً إعانات مالية إلى صناعة الوقود الأحفوري تزيد قيمتها عن 200 مليار دولار. في عام 2005 تراوحت قيمة الإعانات المدفوعة إلى صناعة الوقود الأحفوري بين 29 و46 بليون دولار في الولايات المتحدة لوحدها. هذه الإعانات هي إعانات خاطئة لأنها تحمي السلوك المدمر للبيئة. يسدّد المواطنون قيمة هذه الإعانات مرتين، المرة الأولى عندما تسدد ضرائبهم مبالغ الإعانات والمرة الثانية عندما يتحملون النفقات المباشرة وغير المباشرة لإعادة ترميم البيئة وللعناية الصحية.

وكما هو الحال بالنسبة لتحويل الضريبة الأيكولوجية، يجب تحويل هذه الإعانات من صناعات الوقود الأحفوري والنووي إلى صناعات التكنولوجيا النظيفة.

فرض تخفيضات قصوى على انبعاثات الكربون/ضرائب على الكربون:

قد تحقق أسعار الكربون تخفيضاً ذا شأن لاحتمال تغير المناخ في كافة القطاعات. تشير معظم التقديرات إلى أن أسعار الكربون العالية (بين 20 و50 دولارا أميركيا للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون) التي تم تحملها أو زيادتها عبر العقود قد تقود إلى قطاع توليد للطاقة يولد انبعاثات منخفضة من غازات الاحتباس الحراري بحلول العام 2050، مما يجعل خيارات عديدة لتخفيف الانبعاثات في قطاعات المستخدمين النهائيين جذابة اقتصادياً. لذلك، يجب على الحكومة أن تضع حداً أعلى لكمية انبعاثات الكربون لدى أي شركة على أن يترافق ذلك مع إعطاء تراخيص للتلوث يمكن عرضها في المزاد العلني و/أو فرض ضريبة على الكربون.

يقترح صندوق المحافظة على الغلاف الجوي للأرض على الحكومات أن تخفض الانبعاثات العالمية وأن تعرض في المزاد العلني تراخيص التلوث وأن تقيّد الأرباح بصورة متساوية لكل مواطن على وجه الأرض للمساعدة في تخفيض مستوى الفقر. يقترح تقرير آخر، وهو الخيار 13، فرض ضريبة عالمية على الكربون، وكلاهما فكرتان جيدتان.

علاوة على ذلك، يجب أن تفرض الحكومات منعا مؤقتا على المصانع الجديدة التي تعمل بحرق الفحم الحجري وعلى التوسع في استخراج  الرمال النفطية إلى أن يتم التثبت من احتجاز الكربون ومن صحة تكنولوجيات التخزين.

القيادة عن طريق القدوة:

نحن بحاجة  إلى قيادة القطاع العام من خلال المشتريات الحكومية من أجل توسيع الطلب على المنتجات "الخضراء" أي الصديقة للبيئة من موردي المنتجات "الخضراء". يجب على الحكومة أن تقود بضرب المثل والقدوة من خلال شراء الأجهزة التي تلبي المعايير الصارمة لكفاءة الطاقة، والسيارات الكهربائية والهجينة المتطورة التي يتم تشغيلها ببطاريات أقوى وويمكن الاعتماد عليها بدرجة أكبر، ومنتجات تنظيف صديقة البيئة، والورق المصادق عليه من قبل مجلس الإشراف على الغابات مصنوع بنسبة 100 بالمئة من ألياف أعيد تدويرها بعد استعمال المستهلك لهاـ ومنتجات وخدمات خضراء مماثلة. يجب أن تعتمد كافة الأبنية الحكومية برنامج "القيادة في تصميم الطاقة والبيئة" (LEED) بمستواه الذهبي، أو أعلى من ذلك، مما سيمنح الحكومات حق تغيير قوانين البناء وبحيث تتم المطالبة بتطبيق نفس المعايير على المباني السكنية، والتجارية، والصناعية.

العمل على تخفيض مستوى الفقر:

بما أن العديد من تحديات الاستدامة تنشأ من الجهود اليائسة للفقراء في الدول المتطورة والدول النامية الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة أو تحسين أوضاعهم، يستطيع العمل المنسق بين الحكومات حول العالم لتحسين ظروفهم المعيشية، أن يساهم في تحسين البيئة.

الخلاصة

تقود هذه التحركات السبعة الجريئة إلى رؤية حكومية ملزمة لتأمين نوعية حياة أفضل لكافة المواطنين. وبدلاً من مجرد منع التلوث، يحتاج التقدم باتجاه الاستدامة إلى الدمج النظامي للاعتبارات البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية عند اتخاذ القرارات على كافة المستويات في المجتمع.

يجب على الحكومات أن تنشر مجموعة أكثر شمولاً بكثير من السياسات لتعزيز الكفاءة والإنتاجية، وتخفيض استعمال الموارد، ومنع التلوث، وحشد قوى المواطنين. يجب على الحكومات القيام بدور قيادي مهم لتأمين قيام قوى السوق بإرسال إشارات تشجع السلوك المستدام من جانب الشركات، والمؤسسات، والأفراد، ومعاقبة السلوك المناهض.

_______________

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية. 

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي