24 تموز/يوليو 2009
تريسي بوردوم

أصبح العديد من المستهلكين يدركون أن استهلاكهم يؤثر في البيئة، لذلك فهم يضغطون على الشركات لخفض الآثار السلبية لعملياتها.
تريسي بوردوم هي رئيسة تحرير مجلة إتش في أيه سي آر (HVACR) بيزنس، المجلة الشهرية لإدارة الأعمال التي تتناول مواضيع تتعلق بمقاولي التدفئة، والتهوية، وتكييف الهواء، والتبريد.
في وظيفتي كصحافية أميركية متخصصة في الأعمال والتجارة، يَفرض عليّ عملي أن أكون على معرفة بالاتجاهات الاستهلاكية. بغض النظر عن نوع الصناعة التي أكتب لها، فإن المستهلك النهائي هو الذي يصنع أو يكسر السوق الحرة.
ولسوء الحظ، فإن بعض المستهلكين كثيرو التقلّب. فالأداة التي يتوقون بشدة للحصول عليها اليوم تصبح في سلّة المهملات غداً، وذلك إمّا بسبب المسار الطبيعي لسرعة تلاشي البدع الطارئة أو في كثير من الأحيان عبر الظاهرة الجنونية للتهالك السريع للسلع.
لكن يبدو بصورة متزايدة أن المستهلكين بدأوا يدركون ما هو أثر استهلاكهم على البيئة. هؤلاء المستهلكون أذكياء، ويريدون من الشركات التي يتعاملون معها أن تكون ذكية أيضاً. لا يعني ذلك مجرد أن تصنع منتجات تساعد المستهلكين على تنظيم شؤون حياتهم، و النجاح الشخصي والتجاري، والظهور بأفضل شكل، والإحساس بأفضل شعور، وجعلهم يثيرون حسد الجيران فحسب، بل وأيضاً أن تساعدهم في تخفيض الأثر الكربوني الذي يتركونه وراءهم.
هذه السنة يتم إحياء الذكرى السنوية الثامنة والثلاثين ليوم الأرض التي جاءت من بنات أفكار سناتور أميركي هدف إلى إدخال الاهتمامات البيئية إلى التيار السائد في أميركا.
وكما أشير إليه على موقع الإنترنت لشبكة يوم الأرض، خلال أول احتفال بيوم الأرض، "كان الأميركيون يتنشقون الغاز الحاوي على الرصاص الناشئ عن السيارات الكبيرة ذات الأسطوانات الثماني للمحرك (V8). كانت الصناعات تصدر الدخان والحمأة دون أن تخشى العواقب القانونية والتعليقات الصحفية المُسيئة. وكان تلوّث الهواء مقبولا بصورة شائعة لكونه رائحة الازدهار. كانت البيئة كلمة تظهر في أحيان كثيرة في مباريات التهجئة أكثر مما تظهر في نشرات الأخبار المسائية."
وفي حين كانت هذه الرسالة بطيئة في إيجاد أثر لها خلال السبعينات من القرن العشرين، من الصعب في يومنا هذا أن لا ندرك، أو على الأقل أن لا نكون فضوليين، حول الأثر الذي نتركه على مواردنا المحدودة. وهذا الاهتمام بالذات هو الذي جعل الشركات التي تلبي رغبات المستهلكين تتصرف بدرجة أقل إساءة للبيئة.
البناء الأخضر
أصبحت كلمة "اخضر" بالفعل الكلمة الجديدة الأكثر شيوعاً التي تشق طريقها إلى التيار السائد عبر الأفلام الدعائية، والعروض التلفزيونية، وملفات الشركات، والمؤتمرات.
وللتأكد من ذلك، اشترَكت في نهاية عام 2007 بالمؤتمر الدولي للبناء الأخضر ومعرضه اللذين أقامهما المجلس الأميركي للبناء الأخضر في شيكاغو. جذب هذا الحدث ما يزيد عن 20 ألف بنّاء، ومهندس معماري، وطالب، ووسيلة إعلام من ذوي الاهتمامات البيئية، وقد جاؤوا جميعاً لمشاهدة مدى التغيير الهائل الحاصل في صناعة البناء.
لإطلاق المؤتمر، أعلن الرئيس السابق بيل كلينتون إلى الجمهور العالمي عن تشكيل عدة شراكات جديدة لتحسين كفاءة الطاقة في مئات الملايين من الأمتار المربعة من العقارات العامة والخاصة عبر الولايات المتحدة.
وقد شقت المبادرة البيئية طريقها إلى صناعة سيئة السمعة بسبب استنزافها للغابات والتهامها للمساحات الخضراء. لماذا؟ لأن المستهلكين يفرضون ذلك.
التصنيع الأخضر
وما يريده المستهلكون يحصلون عليه. وبالفعل، يقوم أصحاب المصانع بطرح تصاميم ودية للبيئة لكي تستحوذ على دولارات المستهلكين.

فعلى سبيل المثال، نفّذت شركة جنرال إلكتريك حملة للتصور الأيكولوجي البيئي من أجل تسليط الأضواء على تركيز الشركة على البيئة الأكثر نظافة. وأطلقت شركة نايكي فريق نايكي للعمل البيئي للتركيز على برامج إعادة التدوير، والتثقيف، والابتكار، مثل برنامج "أعِد استعمال الحذاء"، الذي يعيد تدوير الأحذية وتحويلها إلى منتجات جديدة. تدرك هذه الشركات قوة الأخضر وما تعنيه لأرباحها النهائية. وأصبح كون الشركة هي الأخيرة التي تصل إلى السوق بمنتجاتها التي تعالج القلق حول الموارد يعبر عن عدم مسؤوليتها في أفضل الأحوال.
ولكن ليس المهم مجرد أن تكون صديقاً للبيئة. تعرف الشركات أن قوة تسويق المنتجات الخضراء تساوي أكثر بالنسبة لأرباحها النهائية من تخفيض أثرها الكربوني.
قام مؤخراً ستيف جوبز، المدير التنفيذي لشركة أبل انك، بكتابة رسالة إلى عملاء شركته يروج فيها لشعار "أبل أكثر خضرة"، ويشير فيها إلى "ان شركته تعرضت لانتقاد بعض المنظمات البيئية لأنها ليست رائدة في مجال إزالة المواد الكيميائية السامة الصادرة عن منتجاتها الجديدة ولأنها لا تقوم بإعادة تدوير منتجاتها القديمة بصورة فعالة أو صحيحة. وعند التحري عن الممارسات الحالية لشركة أبل وتقدمها نحو تحقيق هذه الأهداف، دهشت عندما علمت انه في حالات عديدة كانت شركة أبل متقدمة، أو أنها سوف تسبق بسرعة، معظم منافسيها في هذه المجالات. مهما كانت التحسينات الأخرى التي يجب علينا أن نُنفّذها، من الواضح بالتأكيد أننا فشلنا في إيصال أخبار الأشياء التي نُنفّذها بصورة جيدة."
يلاحظ بعض الخبراء المعروفين في صناعة الإلكترونيات أن أقصى ما تستطيع أقوى الشركات ودية تجاه كوكب الأرض ان تصنعه هو إطالة الفترة الزمنية بين مشتريات المعدات الجديدة. في المستقبل، سوف يتمتع المستهلكون بثمار المعركة الدائرة بين مصنّعي الإلكترونيات الذين يتوقون للحصول على دولاراتهم من خلال تحديث ورفع مستويات منتجاتهم بدلاً من قيامهم بمشتريات جديدة ومكلفة.
السفر الأخضر
بصورة مثيرة للاهتمام لا يتركز قلق المستهلكين على المنتجات فحسب، بل وأيضاً على كيفية أن سفرهم ومكان إقامتهم لمزاولة أعمالهم أو للتمتع بالعطل، قد يحددها أيضاً الأثر البيئي.
السفر الأخضر، ومواقع الفنادق الخضراء أصبحت تظهر فجأة حول العالم وتجذب أكثر الجوالين حول العالم الذين يعشقون الشجر. حتى المسافرين الذين لا يسافرون إلاّ أحياناً قد تمّ تعريفهم بالمبادرات الخضراء على نحو يكاد لا يُدرك مباشرة. فمن اللافتات في غرف الفنادق التي تحثّ الضيوف على إعادة استعمال مناشف الحمام ورفض تغيير شراشف السرير يومياً من أجل المحافظة على الماء، إلى حسابات مغادرة الفندق دون استعمال الورق، أصبحت صناعة السفر والسياحة تستفيد من كونها سليمة بيئياً. وهكذا يصبح لدى المستهلكين شعور بالرضى نحو إقامتهم في فندق أخضر وتستطيع الفنادق ان تبطئ عدّادات المياه والكهرباء وأن تستفيد من فواتير أقل لاستعمال مرافق المياه والكهرباء.
لكن ماذا بشأن السفر الجوي؟ التلوث الذي تولده الطائرات على شكل استنزاف النيتروجين وثاني اكسيد الكربون لطبقة الأوزون بدأ يجعل المستهلكÝن يفكرون مرتين بطريقة تنقلهم. كيف يدوسون على طبيعة الأرض بخفة ويستمتعون في نفس الوقت براحة السفر بالطائرات.
هناك اتجاه حديث يتمثل في برامج التعويض عن الأثر الكربوني. تستهدف هذه البرامج المستهلكين الذين يشعرون بالذنب والذين يريدون محو أخطائهم البيئية.
فعلى سبيل المثال، أطلقت مؤخراً شركة كونتننتال ايرلاينز برنامجا للتعويض عن الأثر الكربوني طورته بالشراكة مع المنظمة التي لا تبغي الربح، سستينابل ترافل انترناشونال. يسمح هذا البرنامج الطوعي للزبائن عبر العالم بأن يشاهدوا الأثر الكربوني الذي تتركه رحلتهم، والذي تحتسبه منظمة سستينابل ترافل انترناشونال استناداً إلى استهلاك الوقود من جانب طائراتها. يستطيع بعد ذلك المسافرون ان يقدموا مساهمة إلى منظمة سستينابل ترافل انترناشونال عبر محافظ استثمارية في مشاريع أربعة:
· مشاريع تخفيض الانبعاثات، غولد ستاندرد، التي تديرها منظمة ماي كلايميت، وهي مشاريع للطاقة المتجددة ولكفاءة الطاقة، مصادق عليها، ومسجلة، ومدققة وفق مبادئ آلية التنمية النظيفة بموجب بروتوكول كيوتو.
· المشاريع الدولية لإعادة التشجير التي تنشئ وتحافظ على الغابات المعرضة للأخطار، وهي مصممة عن طريق استعمال المعايير الموضوعة من جانب اتحاد المناخ والمجتمع الأهلي والتنوع البيولوجي.
· المشاريع الأميركية للطاقة المتجددة المُصادق عليها من جانب برنامج "الأخضر- إي" (الأيكولوجيا الخضراء)، مثل مزارع الرياح.
· أو مجموعة مؤتلفة من هذه المشاريع.
النتيجة النهائية الخضراء
ما بدأ كأحلام سيطرت على عقول أسلافنا، كالطيران مثل الطيور، وتشييد المباني التي تصل إلى السماء، وتعبيد المسارات عبر الكرة الأرضية، تطور الآن إلى صناعات ضخمة، أهملت في بداية نشأتها تأثيرها على البيئة، وكل ذلك باسم التقدم. والآن كما طائر الفينيق الذي ينبعث إلى الحياة من رماد دورة حياته السابقة، بدأت الصناعات تأخذ دورها من البيئة وتحاول ان تولّد من جديد، وكل ذلك باسم ما يطلبه المستهلك.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.