28 تشرين الثاني/نوفمبر 2008
ولكن هل سيمكن لذوي الدخل المحدود التمتع بمدينة بورتلاند مع غلاء الأسعار؟
من أندريه تسفانيكي، المحرر في موقع أمريكا دوت غوف
بورتلاند، أوريغون- هذا المقال هو الأول في سلسلة حول سياسات النمو الذكية التي تعتمدها مدينة بورتلاند، بولاية أوريغون.
بداية النص
من السهل إدراك سبب احتلال مدينة بورتلاند، بولاية أوريغون، منزلة مرموقة بين المدن الأميركية، بما فيها اللوائح التي تضم أسماء المدن الصديقة للبيئة أكثر من غيرها والمدن الأفضل لنشوء الأحداث فيها.
فمدينة بورتلاند تحتوي على وسط تجاري وثقافي نشط ولكنه لا يبدو محموماً حتى في ساعات الازدحام. ويمكن للناس فيها عدم استخدام السيارة والتنقل بالترام (الترومواي) الذي ينقلهم مجاناً في المدينة سائراً على خط واحد لا يتغير ويشكل دائرة تلتف حول بورتلاند. وتكثر على مسار هذا الخط المباني التي يستخدم كل منها لأغراض متعددة كأن توجد فيه المكاتب والشقق السكنية والمخازن. وتفخر المدينة، التي لم تكن تعتبر مدينة عالمية جداً قبل 30 عاما، بحياة ثقافية نشطة وبالكثير من المطاعم الممتازة (غير الباهظة السعر). ويحتوي وسط المدينة على الكثير من المساحات الخضراء الصغيرة التي يمكن للسكان التنزه وتناول طعامهم فيها، كما أن هناك الكثير من الممرات والطرق الوعرة التي يمكن الوصول إليها في أقل من نصف ساعة بالسيارة والمخصصة للنزهات الطويلة سيراً على القدمين. والكثير من مباني بورتلاند يستخدم الطاقة بفعالية، في حين أن الكثير من طرقها تحتوي على ممرات مخصصة للدراجات الهوائية.
وقد حظيت بورتلاند نتيجة لكل ذلك بالشهرة محلياً وعالميا. ويعزو المسؤولون في بلدية المدينة وفي المنطقة، نجاحها إلى القيم الجوهرية المعتمدة في تنميتها: المحافظة على البيئة الطبيعية والاهتمام بنوعية معيشة حضرية ممتازة.
ويسارع المسؤولون، لدى سؤالهم عن "النمو الذكي"، الذي يعني وجود التجمعات السكانية في أماكن ملتزة يمكن الانتقال فيها سيراً على الأقدام أو في وسائل النقل العامة التي اشتهرت بها المدينة، إلى الإشارة إلى أنهم لا يستخدمون هذا التعبير. وكانت ولاية أوريغون ومدينة بورتلاند نفسها قد استهلتا السياسات الرامية إلى وقف تمدد الضواحي وما ينجم عنه من عواقب، كتلوث الهواء من السيارات وخسارة الأراضي الزراعية والمساحات الخالية من المباني، قبل عقدين من استنباط مصطلح "النمو الذكي" في التسعينات من القرن الماضي.
فقد أصدر مجلس أوريغون التشريعي في العام 1973 قانوناً فرض على جميع البلديات في الولاية رسم حدود معينة للمدن وتقييد التعمير خارجها. وبعد ذلك بست سنوات، وضعت مدينة بورتلاند حدوداً لا يمكن لامتداد المدينة وتوسعها تجاوزها. ومع استمرار نمو عدد السكان في العقد التالي، ازدادت كثافة بورتلاند السكانية- أي عدد السكان الذين يعيشون ضمن الكيلومتر المربع الواحد- بنسبة أكثر من 50 بالمئة.
وتقلصت منذ ذلك الحين كمية ما ينبعث من ثاني أكسيد الكربون، التي بدأت المدينة ترصدها في أوائل التسعينات من القرن العشرين، بنسبة 2,5 بالمئة.
وقال ريكس بيركهولدر، وهو عضو في مجلس الحكومة الإقليمية، حول ذلك: "إننا نفي بمعايير اتفاقية كيوتو نتيجة التغير الذي حدث في استخدام الأراضي ونتيجة المبادرات الخاصة بالطاقة."
وتتضمن مبادرات الطاقة تلك التشجيع على تشييد المباني الخضراء؛ وطرح الولاية مباشرة من قاعدة الضريبة المبلغ المستخدم للاستثمار في وسيلة نقل أنظف أو وسائل زيادة الاقتصاد والفعالية في استخدام الطاقة أو استعمال الطاقة المستخرجة من مصادر متجددة؛ والرسوم والحسومات التي تعتمدها المدينة لتقليص ما ينبعث من بورتلاند من غاز الكربون.
وقد أكدت سياسة المدينة الشاملة على رسم المناطق على أساس المتطلبات الدنيا للكثافة السكانية وتنمية وتطوير نظام النقل العام لا تشييد الطرق العامة السريعة. وتقوم المدينة بالثني عن استخدام السيارات الخاصة وتدعم إقامة أحياء سكنية تلائم المشاة ووسائل النقل العام وتوفر فرص العمل.
وقال بيركهولدر لموقع أميركا دوت غوف: "إن أكبر نجاح لسياساتنا الخاصة بكيفية استخدام الأرض هي إقامة تجمعات سكانية يمكن للناس الحصول فيها على معظم احتياجاتهم محلياً دون الخروج من منطقتهم."
وفي الوقت الذي كانت فيه معظم المدن الأميركية تتوسع وتدفع بالمزارع إلى مناطق أبعد عنها وتلتهم المساحات المتوفرة لتشييد مناطق الضواحي، تحولت بورتلاند إلى منطقة تجتذب الأميركيين الذين تعجبهم طريقة الحياة المستدامة أكثر مما تعجبهم النسخة الشعبية الواحدة من "الحلم الأميركي،" المتلخصة بمنزل واحد للعائلة الواحدة تمتد أمامه ساحة مزروعة بالحشيش وساحة أخرى خلفه وتملك العائلة التي تعيش فيه سيارة أو سيارتين للذهاب إلى العمل أو مجمع من مجمعات التسوق.
وقالت إيرن فلين، مديرة التنمية الاقتصادية في لجنة تنمية بورتلاند، "إن الروح المميزة لهذه المدينة هي إيمانها الحقيقي بفكرة العيش بطريقة مستدامة والاهتمام بالبيئة (الطبيعية)."
وما زال تدفق الشباب والمغامرين من أصحاب المشاريع على بورتلاند مستمراً دون توقف منذ سنوات. وقد ازداد عدد سكانها في الفترة الممتدة من العام 1990 إلى العام 2003 بنسبة حوالى 25 بالمئة، حتى أصبح حوالى 2 مليون نسمة. ورغم أنه تباطأ في الأعوام الأخيرة، إلا أن اللجنة تتكهن بأن عدد السكان سيصل إلى 2,3 مليون نسمة بحلول العام 2010، أي بزيادة قدرها 50 بالمئة عما كان عليه في العام 1990.
ولكن أحد العواقب غير المقصودة التي نجمت عن نجاح المدينة كان بروز طبقة مبدعة مرتاحة مادياً رفعت أسعار العقارات بشكل كبير وجعلت العيش في المدينة مكلفاً جداً بحيث لم يعد سكان بورتلاند من ذوي الدخل المحدود يستطيعون تحمله.
وقالت فلين لأميركا دوت غوف إن بورتلاند ليست مستعدة للتعايش مع ذلك.
ثم خلصت إلى القول: "من حق كل شخص الحصول على فرصة العيش وفقا لقيمه."
ولهذا السبب بالذات تسعى بورتلاند حالياً إلى العثور على حلول، وستكون على الأرجح على شكل مساعدات رسمية تقدم لمشيدي المباني ومطوري المناطق السكنية وعلى شكل خيارات تمويل مبتكرة، لتشييد مساكن غير باهظة الثمن في وسط المدينة كي تتحول فرصة عيش كل شخص وفقاً لقيمه إلى حقيقة واقعة بالنسبة للسكان من جميع مستويات الدخل في مدينة بورتلاند.
نهاية النص