30 أيار/مايو 2008
البيئة التنظيمية المصممة جيداً والبنية التحتية المالية الثابتة ضروريتان لدعم تطبيق تكنولوجيات الطاقة النظيفة على نطاق واسع. وتسعى المنظمات الدولية والحكومات ومُزوّدو الأموال الخاصة ومديرو المخاطر إلى التوصل إلى سبل للمشاركة في هذه المهمة الجبارة عبر آليات تمويل خلاقة وأدوات استثمار بديلة.
ستيفن بري شريك في شركة إن جي إي إن (NGEN)، وهي شركة رأسمال مغامر مقرها في سانتا باربرا بولاية كاليفورنيا، تستثمر في الطاقة النظيفة والتكنولوجيات المبتكرة الأخرى. مارك سيريلي ومارتن ويتاكر شركاء في شركة ميشين بوينت كابيتل بارتنرز المحدودة وهي شركة خاصة لامتلاك الأسهم مقرها في ساوث نورووك بولاية كونتكت.
على الرغم من فيض الروايات حول تغيّر المناخ والانتعاش التكنولوجي الكبير في قطاع الطاقة، لم يتطرق إلاّ القليل من التقارير إلى الطريقة التي سنموّل بها تطبيق التكنولوجيات الجديدة. وقد يجعل عظم هذه القضية واتساع نطاقها التحديات التكنولوجية تبدو صغيرة بالمقارنة بها، إذ تُقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الحاجة تقضي باستثمار 17 تريليون دولار لتمويل التوسع العالمي للطاقة، بما في ذلك مشاريع الطاقة النظيفة على مدى السنوات الخمس والعشرين القادمة. وسوف تدعو الحاجة إلى توظيف خمسة آلاف مليار دولار في البلدان النامية وحدها.
مصادر تمويل الطاقة
إن تمويل الطاقة المستديمة يرتبط إما بالشركات أو بالمشاريع. ويمكن توفيره في أي مرحلة من مراحل تطور المشروع، بدءاً من أبكر المراحل حيث تكون المخاطر وتوقعات الربح كبيرة، إلى المراحل اللاحقة للعملية الناضجة، حيث تكون المخاطر والعائدات أدنى نسبياً. يُصوّر الرسم البياني الأدوار التي تلعبها مصادر التمويل.
* المستثمرون الداعمون الأفراد وأصحاب رؤوس الأموال المغامرون عند أعلى درجات المخاطرة، خلال المرحلة المبكرة لإنشاء الشركة حيث تكون هناك ضرورة لا غنى عنها لتمويل الأبحاث والتطوير (R&D) ولرأس المال اللازم للبدء؛
* المستثمرون من القطاعين الخاص والعام في أسهم الشركة الذين يدخلون عادة الميدان بعد التأكد من العائدات لتوفير رأس المال اللازم للنمو والتوسع؛
* الديون المضمونة وسندات الشركات لمرحلة النمو المتأخرة والشركات الناضجة ذات التاريخ الثابت والميزانيات المنشورة.
على مستوى المشروع، يتم تمويل التنمية عبر ما يلي:
* المساهمة المباشرة في المشروع (امتلاك الأسهم) التي تتوفر باكراً في دورة المشروع لأجل تعيين الموقع، وجمع المعطيات، وتكوين المشروع، وتمنح هذه المساهمة مزايا الملكية للمستثمرين الذين يصبحون عندئذ حملة أسهم في المشروع.
* مزيج من الدين والمساهمة (سندات الدين وأسهم الملكية) التي تُعرف أيضاً "بالتمويل التجسيري أو المتوسط"، الذي يقدم عادة لإقامة إنشاءات أو تركيب المشروع.
* الديون الممتازة، التي تقدم لبناء المشاريع الكبرى ولتوسعة وتشغيل المشروع بشكل مستمر، والتي تتوفر عادة على شكل قروض تقليدية للمشاريع ويقدمها المقرضون المؤسساتيون الكبار الذين يفرضون فوائد تقليدية مع تسديد رأس المال الأصلي في فترات محددة.
ويؤثر حجم المشروع أيضاً على مصادر رؤوس الأموال. فتمويل المشاريع الكبرى القائمة على تكنولوجيات معروفة مثل الطاقة الكهرمائية أو طاقة الرياح على الشواطئ، يتم تقليدياً على يد كبريات المؤسسات المالية ويتطلب قروضاً تقدمها عدة جهات لهذا الغرض، وقروضاً تجسيرية (للمرحلة المتوسطة) وتمويل بالمساهمة المباشرة في رأس المال (امتلاك الأسهم) من مصادر متعددة. وتكون المخاطر، في تلك المشاريع، قابلة للقياس وبالإمكان شراء تأمين ضدها. وفي أحيان كثيرة، تُموّل هذه المشاريع "خارج الموازنة"، مما يعني أن مقدمي هذه الأموال المُقرضة للمشروع لا يمكنهم تعويض خسارتهم عن طريق مطالبة صاحب المشروع في حال فشل المشروع.
أما المشاريع ذات الحجم الأصغر، أو المشاريع التي تستخدم تكنولوجيات جديدة مثل الطاقة الشمسية والكتلة البيولوجية على نطاق صغير، فتختلف عن المشاريع الكبيرة. فهذه الأشكال من تكنولوجيا الطاقة تنطوي على مخاطر تقنية إضافة إلى المخاطر المرتبطة بجميع مشاريع الطاقة، ولذا فإن هذه المشاريع لا تجتذب عادة مصادر رؤوس الأموال التقليدية من الأسواق الخاصة. ويؤمن التمويل عادة في مثل هذه الحالات، على شكل مساهمة مباشرة في رأس المال (امتلاك الأسهم) لأن المقرضين يرون أن التدفق النقدي اللازم لتسديد الدين تعتريه مخاطر كبيرة، مما يدفعهم إلى التردد في تقديم القروض. ومن هنا كان حل مسألة التحدّي الذي تشكله المخاطر مسألة حاسمة الأهمية لزيادة حجم ما ينتج من الطاقة المستديمة بحيث يصبح ذا مغزى.
تقييم المخاطر |
إن تمويل تكنولوجيات الطاقة المستديمة ينطوي بالضرورة على المخاطرة. وبعض هذه المخاطر مألوف في قطاع الطاقة بوجه عام، في حين أن بعضها الآخر يقتصر على تكنولوجيا الطاقة المستديمة والقضايا العديدة جداً المتعلقة بالتقنية والأداء والأنظمة والعقود التي تحيط بتلك التكنولوجيا. وتشمل هذه المخاطر ما يلي:
* التسعير – عدم التيقن من وضع المشروع اقتصادياً بسبب إلغاء الضوابط التنظيمية/القانونية والميل إلى التحوّل من العقود الطويلة الأجل إلى العقود القصيرة الأجل، أو "التسعير الفوري" للطاقة حيث يكون التسعير والتسديد في نفس الوقت أو قريباً من ذلك؛
* أخطار سعر صرف العملات – التعرّض لأخطار تقلبات أسعار الصرف غير الملائمة بالنسبة للأصول المحددة بالنقد الأجنبي؛
* المخاطر السياسية /مخاطر البلدان – احتمال أن تتراجع الحكومات عن اتفاقيات شراء الطاقة (PPA) التي تؤمن العائدات على المدى الطويل لمشاريع الطاقة والتي يتم مقابلها تقديم التمويل من القروض أو التمويل التجسيري للمرحلة المتوسطة (سندات وأسهم)؛
* ضعف الضمانات– انعدام الخبرة في ضمان الديون وعدم توفر سجل من المعلومات يمتد فترة طويلة عن خسارة القروض، مما يجعل التأمين عليها مكلفاً ويحدّ من مدى التغطية لها؛
* الأداء الفني– عدم وجود معطيات حول الأداء التاريخي وندرة مشغلي الطاقة الذين أثبتوا حنكتهم؛
* حماية الملكية الفكرية (IP) – احتمال مخالفة قوانين حماية براءات الاختراع وسرقة الملكية الفكرية في الأسواق النامية؛
* الخدمات والصيانة – الافتقار إلى الخدمات الهندسية المتخصصة، واليد العاملة الماهرة ومعدات الغيار؛
* توافر الموارد الأولية – عدم التأكد من العناصر المتوفرة، مثلاً، أداء الرياح، ومصادر الكتلة البيولوجية، وتوافر المياه؛
* مخاطر البنية التحتية – مشاكل التوصيل إلى الشبكة وعدم وجود قدرة الوصول إلى أنظمة النقل والتوزيع؛
* مخاطر التسليفات- ضعف الضمانة المالية للقروض لدى الكثير من أصحاب المشاريع الصغيرة والملتزمين الآخرين بعقود الطاقة؛
* المخاطر التعاقدية – عدم نضوج البيئة القانونية المحيطة بالتكنولوجيا النظيفة؛
* الأنظمة والسياسة العامة – التغيّرات في المواقف السياسية فيما يخص الحوافز الضريبية المتعلقة بتكنولوجيات الطاقة النظيفة (مثلاً، عدم التيقن من تمديد فترة العمل بالحسومات الضريبية للاستثمارات والحسومات الضريبية للإنتاج في الولايات المتحدة).
تخفيف المخاطر المحيطة بالتمويل
يُساء اليوم فهم الكثير من هذه المخاطر أو أنها لا تعالج بطريقة كافية في الأسواق. ونتيجة لذلك، يشعر العديد من مقدمي التمويل العاديين بأنهم غير قادرين على دعم تكنولوجيات الطاقة المستديمة والتخلي عن الاستثمارات التقليدية. ويعتقد هؤلاء الممولون، أحياناً كثيرة عن خطأ، أن تمويل الطاقة المستديمة مسعى دافعه اجتماعي لا يتوافق مع واجباتهم المالية الائتمانية التي تسعى إلى إيجاد ترتيبات تؤمن أفضل مزيج من المغامرة/العائدات.
وقد برز أخيراً عدد من آليات التوظيف البديلة التي تستهدف تمويل الطاقة المستديمة، والتي لا تزعجها معادلة المخاطر المرتبطة بها. وقد أدى ذلك إلى ظهور مستويات معززة لا يستهان بها من الاستثمارات من أوساط أصحاب رؤوس الأموال المغامرة في فئة تكنولوجيا الطاقة النظيفة الأوسع، والتي تشمل الطاقة المستديمة. وقد أصبحت شركات رؤوس الأموال المغامرة توجّه الآن 10 بالمئة من إجمالي استثماراتها السنوية نحو التكنولوجيات النظيفة. وتعتمد شركات، مثل "صن إديسون المحدودة"، نموذج دفع الأجر مقابل الخدمات، أي تقديم رأس المال الأولي لمشاريع الطاقة الشمسية مقابل فواتير شهرية يدفعها الزبائن. وتتزامن هذه الزيادة الكبيرة في الابتكار التجاري مع اتجاهات أخرى، مثل التقلبات العالية القياسية في أسواق الوقود الأحفوري وتقدم التكنولوجيا والإصلاح التنظيمي لسوق الطاقة وتعمّق المخاوف بشأن البيئة، مما أدى إلى زيادة جاذبية الاستثمار في الطاقة المستديمة.
غير أن أغلبية المبادرات في الوقت الحاضر لا تزال تتطلب الجمع بين تعديل القوانين التنظيمية ومشاركة فريق ثالث في الاستثمار. ففي البلدان النامية وفي الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية، تشمل مقاربة اللاعبين الرئيسيين في هذه الشراكات شبه العامة-الخاصة منظمات متعددة الأطراف مثل البنك الدولي وذراعه المالي، المؤسسة المالية الدولية؛ ومنظمات ثنائية الأطراف مثل بنك التصدير والاستيراد الأميركي؛ وبرامج قومية أحادية. وفي الولايات المتحدة وكندا وآسيا وأوروبا، تسعى الحكومات إلى التخفيف من المخاطر عن طريق الدعم الضريبي والدعم المالي المباشر وغير المباشر، واستخدام آليات السوق. ومن الأمثلة المهمة على ذلك ما يلي:
* الوكالة الهندية لتنمية الطاقة المتجددة التي تقدم المساعدة المالية للمشاريع الشمسية؛
* البرنامج الآسيوي للطاقة البديلة التابع للبنك الدولي الذي ساهم بأكثر من 1،3 مليار دولار في برامج الطاقة المستديمة؛
* الحسومات الضريبية للاستثمارات والحسومات الضريبية للإنتاج في الولايات المتحدة، التي تقدم امتيازات ضريبية تعويضية لتقليص كلفة إنتاج وحدة الطاقة المستديمة؛
* شركة تراست الكربون، وهي شركة مستقلة أسستها وتُموّلها حكومة المملكة المتحدة لمساعدة البلاد في التحرك نحو اقتصاد تنبعث منه كمية ضئيلة فقط من غاز الكربون ؛
* تكنولوجيا التنمية المستديمة في كندا، وهي مؤسسة تقدر بعدة ملايين من الدولارات أسستها الحكومة الكندية سنة 2001 لتنمية تطوير وعرض التكنولوجيات النظيفة.
وتتضمن الفرص المتوفرة للبرامج في المستقبل، وخاصة للمشاريع صغيرة الحجم، تطوير أشكال جديدة من التأمينات، مثل برامج حماية الأسعار وحزمة شراء مشتقات الطاقة التي توفر لمشتري وبائعي الطاقة قدراً أكبر من التيقن بالنسبة للأسعار، وابتكارات في التمويل، وأخيراً، ضمانات ضد مخاطر الاستثمار في الطاقة النظيفة. كما أن البرامج الموضوعة على المستوى القومي بحيث تساعد مستخدمي مشاريع الطاقة المستديمة النهائيين قد بدأت هي أيضاً بالظهور إلى حيز الوجود.
ولكن أياً من هذه البرامج لن ينجح في نهاية المطاف دون وجود بيئة تنظيمية/قانونية مؤاتية ومصمّمة بشكل جيد. ولن تنجح الدول إلا عندما تتوفر فيها الأنظمة الثابتة طويلة الأمد، وتكون حماية الملكية الفكرية مضمونة فيها، ويتم احترام العقود وتطبيق القوانين، ويتضمن الدعم المالي لمشاريع الطاقة المستديمة فيها وضوحاً في التسعير على المدى الطويل.
تمويل بديل من الكربون
بدأت آليات السوق البيئية التي تضع قيمة مالية على الفوائد البيئية التي توفرها مشاريع الطاقة النظيفة بإثبات كونها وسيلة فعالة لحفز تمويلات إضافية. وبوجه خاص، أدت أسواق الانبعاثات من "نوع تحديد سقف والمتاجرة" أي حيث يتم وضع حد أعلى لمجمل كمية الغازات المنبعثة من عدد من الكيانات التي ينطبق النظام عليها، لكن تترك للكيانات الفردية حرية المتاجرة فيما بينها، وذلك لبلوغ الأهداف المحددة لها بأدنى كلفة اقتصادية، أدت إلى تحويل مئات ملايين الدولارات إلى مشاريع الطاقة النظيفة وأدّت إلى ظهور صناعات كاملة مُكرسّة لتحديد القيمة النقدية لما يُقترض من كمية انبعاث الغازات المحددة. كما أن البرامج القائمة على مشاريع مُعيّنة، أي حيث يمنح رصيد انبعاثات لمشاريع تعادل قيمتها حجم كمية الغازات التي تم تجنب انبعاثها مقارنة بالانبعاث المعتاد في طريقة العمل المألوفة، قد أثبتت أيضاً أنها فعالة في تحويل الرساميل نحو مشاريع الطاقة النظيفة.
وبين البرامج الناجحة في هذا المجال برنامج الولايات المتحدة لمِنح تحديد السقف والمتاجرة بالنسبة لغاز ثاني أوكسيد الكبريت، وبرنامج الاتحاد الأوروبي للمتاجرة بالانبعاثات، وبروتوكول كيوتو لآلية التنمية النظيفة، وبرامج التطبيق المشتركة. وتنطوي هذه الأسواق، مع مرور الزمن، على القدرة على إحداث تغيير مادي في اقتصاد توليد الطاقة لصالح الطاقة النظيفة وتقنيات خفض تقليص كمية الغازات المنبعثة. والتداول بشهادات الطاقة المتجددة (RECs) أو ما يعادلها ("البطاقات الخضراء") تُشكِّل سوقاً مماثلة تنتج إيراداً نقدياً إضافياً لمشاريع الطاقة النظيفة المؤهلة القائمة على بيع وحدات من الطاقة المتجددة (عملياً، كل شهادة للطاقة المتجددة تساوي ميغاواط/ساعة واحدة من الكهرباء على قاعدة الطاقة المتجددة) إلى منتجي الطاقة بالجملة، الخاضعين لنظام معايير المحفظة المتجددة (RPS). ففي الولايات المتحدة، تبنت عدة ولايات، من بينها تكساس، ونيو جيرزي، وولايات نيو إنغلاند، أو أنها بصدد تبني، برامج التداول بشهادات الطاقة المتجددة. كما سُمح للمرافق الخاضعة لهذه الأنظمة في كل من ولايات كونتكت وماين ومساتشوستس، ورود آيلاند بالوفاء بمعايير المحفظة المتجددة (PRS) المفروضة عليها عن طريق شراء شهادات الطاقة المتجددة (RECs) من مولدات الطاقة المتجددة في أي مكان داخل مجمع الطاقة في منطقة نيو إنغلاند.
الانتقال إلى عصر جديد
تخفض التحسينات التكنولوجية حالياً بسرعة تكاليف تكنولوجيات الطاقة المستديمة باتجاه تحقيق تعادل بين سعرها وسعر مصادر الطاقة التقليدية. ويبقى السؤال قائماً عما إذا كانت البنية التحتية المالية ستكون جاهزة لدعم إنتاج لا يستهان به من التكنولوجيا الحديثة أثناء حدوث ذلك. ويسعى مزوّدو الأموال ومديرو المخاطر بنشاط إلى التوصل إلى طرق للمشاركة في المهمة الجبارة لدعم هذه التكنولوجيات الجديدة، ولكنهم لن يقوموا بذلك إلا عندما تكون القوانين واضحة، وعندما يؤمّن صنّاع السياسة التزامات طويلة الأجل، وعندما تكون المخاطر متوازنة مع المكافآت. وستكون البلدان التي تحقق النجاح هي تلك البلدان التي وفرت هذا الوضوح مع بيئات تنظيمية مراعية لحقوق الجميع وطويلة الأمد وأسواق مستقرة ذات مخاطر مالية مُخففة.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية.