14 تشرين الأول/أكتوبر 2009

بقلم ريتشارد أودنغو
ريتشارد أودنغو، نائب رئيس اللجنة الدولية بين الحكومية حول تغير المناخ (IPCC) التي فازت بجائزة نوبل، هو خبير كيني في علوم المناخ. وهو أستاذ في دائرة الجغرافيا في جامعة نيروبي.
في كينيا، كما في العديد من البلدان الإفريقية الأخرى، تتوقف قدرة البقاء الاقتصادية على إجراءات نشطة لمعالجة الظروف البيئية المرتبطة بالمناخ، والتي تتراوح بين الجفاف الحاد والفيضانات. يبحث أودنغو في هذا المقال بعض المشاكل ويقترح بعض العلاجات.
على غرار العديد من البلدان الإفريقية، تتعرض كينيا لآثار التباينات المناخية على المدى القصير وللتغير المناخي على المدى الطويل. جميع قطاعات الاقتصاد الكيني تقريباً معرضة لتغير المناخ. قطاع الطاقة يعتمد بصورة زائدة عن الحد على الطاقة الهيدرولية اللازمة للقطاع الاقتصادي الحديث وعلى الكتلة البيولوجية للقطاع الريفي. تبتلي الزراعة كما إنتاج الغذاء بأزمات الأمن الغذائي المتكررة المرتبطة بالمناخ، كما ان قطاع المياه يواجه حالات نقص خطيرة في المناطق الريفية والحضرية. هناك أنظمة إنذار مبكر قائمة، لكن الافتقار إلى الردّ في الوقت المناسب قاد إلى مشاكل متكررة: أزمات في إمدادات الطاقة يعكسها تقنين الكهرباء، مجاعات تقود إلى نداءات دولية للمساعدات الغذائية، وانعدام الأمن الريفي بسبب عدم كفاية المياه والمراعي لمواشي السكان الرحّل. نتيجة لذلك، تلجأ الحكومة دائماً إلى إدارة الأزمات استجابة للتهديدات المناخية في تلك القطاعات الحيوية. كثيراً ما يؤدي الجفاف الشديد والعجز الغذائي جراء غزارة الأمطار المرتبطة بإعصار النينيو الذي رافقته الفيضانات، كما حصل سنة 1997-1998، إلى هبوط في الناتج المحلي الإجمالي لغاية 20 بالمئة في السنوات التي تتأثر بذلك. مثل هذا الانكشاف الواضح يدعو إلى جهود جدّية في التخطيط لأجل استباق حدوث الجفاف والكوارث التي تسببها الفيضانات، لكن هذا الأمر لم يحصل.
الهاجس الأكبر هو انه مع مرور الزمن، وعلى الرغم من توفر المعلومات حول المناخ، بما في ذلك نظام الإنذار المبكر (FEWSNET) الذي وفرته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، فإن المخططين الاقتصاديين كانوا بطيئين في إدراك الأخطار المطروحة وبالحاجة إلى التحوّل عن الطرق التقليدية في إدارة الأزمات. الدليل الأكثر وضوحاً حول التقاعس في التخطيط المتعلق بتغير المناخ يظهر في ورقة تخطيط التنمية الاقتصادية، رؤيا 2030، حيث لم يعطِ تغير المناخ فيها إلا إشارة قصيرة بل تم تجاهله تقريباً. وعلى نفس المنوال، لا يزال على المخططين الزراعيين ان يتقدموا إلى أبعد من مجرّد الاستجابة للمعلومات حول التفاوتات في نسبة هطول الأمطار السنوية، وان يبدأوا التفكير في الآثار التي تتقدم ببطء لتغير المناخ. تغير المناخ والاحتباس الحراري العالمي مذكوران كتحديين مستقبليين للاقتصاد، لكنهما لم يذكرا كعاملين مهمين في سيناريوهات ورقة تخطيط العام 2030.
لكن، وفقاً لتقرير التقييم الرابع الصادر عن اللجنة بين الحكومية حول تغيّر المناخ (IPCC) سنة 2007، فإنه سيتم البدء باستشعار أول آثار الاحتباس الحراري العالمي، بحلول 2030، في معظم الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى. كينيا، كما معظم بلدان القرن الإفريقي، شديدة التأثر بتغير المناخ.

في ظل الدمار الذي تحدثه التفاوتات المناخية وتغير المناخ، سيكون من المستحيل تقريباً الحفاظ على نمو اقتصادي مستدام بنسبة 10 بالمئة في السنة على مدى 25 سنة، كما هو مقدّر في رؤيا 2030 الكينية. فكينيا تعتمد على الطاقة المائية لتوليد الكهرباء، غير ان الطاقة المائية تتعرض بشدة للتقلبات المناخية. وفي الحين الذي تجف فيه الأنهار بسبب الجفاف، وتزول الأنهار الجليدية على جبل كينيا، لن تبقى إمدادات المياه بعد الآن مضمونة لإنتاج الطاقة الكهربائية. الهاجس الرئيسي الآخر هو الهبوط في إنتاج المحاصيل الزراعية بسبب الجفاف. ومع تسارع الاحتباس الحراري، سوف تظهر الظروف المثيرة للأزمات، وسوف يتفاقم الشح في المياه بنسبة كبيرة جدا في معظم المناطق القاحلة وشبه القاحلة.
الحكومة ليست جدّية بما فيه الكفاية في التعامل مع عواقب تغيّر المناخ، أو، في الواقع، في أخذ آثار تغير المناخ في الحسبان بمثابة عوامل ضمن عملية التنمية. لذلك، فإن الأمن الغذائي يبقى مُهدّداً كما هي مُهدّدة إمكانيات تحقيق الكفاية الذاتية في إنتاج الغذاء. يعاني الاقتصاد دائماً بسبب الاعتبارات المناخية كما ان الدولة لا يزال عليها النهوض لوضع خطط عمل مدروسة بعناية للتكيف الاحتياطي. فقد تمّ إهمال الاكتفاء الذاتي في المحاصيل المتعلقة بالغذاء وفي تربية المواشي.
الجفاف الحالي في كينيا، وهو الثاني خلال سنتين، مجرد عارض صغير لما هو بوضوح أحد أسوأ العوارض المسجلة. ان كون أكثر من 4 ملايين إنسان يواجهون مخاطر العجز الغذائي، مؤشر على مدى تعرض نظام الإنتاج الغذائي للأخطار . وقد تضاعف الجفاف مع العجز الحاد في المياه الخاصة بالزراعة ولسكان المدن والمواشي، والتي علاوة على ذلك أصبحت دون مراعٍ. وبلغت الوفيات بين المواشي أعلى درجاتها خلال السنوات العشرين الماضية كما ان النمو الاقتصادي مرشح لأن يتراجع بنسبة 2 بالمئة سنوياً أو أكثر.
كينيا بحاجة لمساعدة العالم المتطور بالترافق مع تخطيط زراعي مُحسّن وتطوير للطاقة يعتمد أقل على الطاقة المائية وأكثر على الموارد المتجددة. كما تحتاج إلى تخطيط اقتصادي أكثر جدية وإلى تمويل كافٍ لمساعدة المجتمعات الزراعية والرعوية على مواجهة الجفاف الشديد. يجب تعزيز شبكات الأمن للغذاء، والزراعة، والمواشي. وتنبغي الإشارة إلى أن التطلع إلى استيراد الغذاء كحل هو قرار غير حكيم. الأهمية الاقتصادية لتغير المناخ يجب أخذها في الحسبان كعنصر في كافة التخطيطات التنموية والمالية.
المياه تتطلب اهتماماً مستعجلاً. فالاستثمار في المياه على كل المستويات يمكن ان يوفر إدارة بيئية أفضل لوقف إزالة الأحراج والنباتات، الأمر الذي سيبطئ تقدم تغير المناخ. بإمكان كينيا، على الساحة الدولية، الاستفادة من العمل مع البلدان الأخرى. إن عملية نقل التكنولوجيا وإيجاد التمويل الكافي على المستويين القومي والدولي للمساعدة في الحد من التعرض لتغير المناخ يمكن ان يجعلا من التكيّف واقعاً ناجحاً. كما ان جعل المناطق الرعوية أكثر إنتاجية، ودمج السكان الرعويين أكثر في الاقتصاد القومي سوف يعزز الاكتفاء الذاتي. في السنوات الجيدة، تكون لدى كينيا القدرة على إنتاج ما يكفي من الغذاء لسكانها البالغ عددهم الآن أكثر من 35 مليون نسمة. غير أنه مع مرور الزمن، سيكون تحمل التحديات التي يمثلها تغير المناخ أكثر صعوبة. ليس هناك طرق مختصرة للعثور على حلول لكافة تلك المشاكل سوى التخطيط الاقتصادي السليم الذي يوفر للحكومات طرقاً بديلة للاستجابة للأزمات المناخية.
____________
الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية.