انتخابات سنة 2008 | دليل الانتخابات الأميركية للعام 2008

15 ايلول/سبتمبر 2008

الهيئة الانتخابية: وجهة نظر فرنسية

 
مرشحو الحزب الاشتراكي الفرنسي: دومينيك ستراوس- كان، لوران فابيوس، وسيغولين روَيال، يشاركون في مناظرة في الانتخابات التمهيدية.

إن النظام المتَّبع في الولايات المتحدة في انتخاب الرئيس يبقى لغزاً بالنسبة إلى الفرنسيين، إلا أنه يبدو في الواقع أن بعض عناصر النظامين السياسيين في البلدين قد أخذت في التقارب.

أندريه كاسبي، هو أستاذ تاريخ أميركا الشمالية في جامعة بانتيون-السوربون باريس 1. وقد كتبت هذه المقالة أصلاً باللغة الفرنسية ثم ترجمت إلى الإنجليزية قبل ترجمتها إلى العربية.

بقلم أندريه كاسبي

هل يستطيع الفرنسيون فهم كيفية عمل نظام الهيئة الانتخابية الأميركي؟ هذا هو الأمر غير المؤكد إطلاقا!

درج الناس، في كل من فرنسا، منذ العام 1962، كما في الولايات المتحدة، على انتخاب رئيس جمهوريتهم، ويقوم كلا النظامين الديمقراطيين بذلك عبر مشاركة جميع الناس في التصويت. إلا أن الفرنسيين يفضلون الاقتراع المباشر، وهم يعتمدون، في الواقع، عملية انتخاب تجري على جولتين، بحيث يمكن لأي فرنسي أن يرشح نفسه/نفسها طالما استطاع جمع ألف توقيع يؤيد ترشيحه. وتتيح جولة الاقتراع الأولى للمرشح بالاشتراك في المنافسة، إلا أنه لا يحق سوى للمرشحين الحائزين على أعلى عددٍ من الأصوات في جولة الاقتراع الأولى الاستمرار والتنافس في الجولة الثانية، والتي تأخذ مجراها بعد الجولة الأولى بأسبوعين.

وما يعنيه هذا، في نهاية المطاف، هو أن الفائز يحصل على الغالبية المطلقة لأصوات الناخبين. ويعتقد الفرنسيون أن نظامهم هذا هو نظام بسيط تماماً. وهو نظام منفتح بشكل كاف بحيث أنه لا يستبعد أحداً، لكنه نظام مضبوط بما يكفي لكي لا يسمح إلا للمرشحين الجديين والمتوطدين في الحياة السياسية، بالتنافس لتولي سدّة الرئاسة.

أمّا الأميركيون فيفعلون الأشياء بطريقة مختلفة، إذ أن كلاً من الولايات الخمسين، ومقاطعة كولومبيا، تُجري انتخابات خاصة بها، حتى وإن كانت جميع هذه الولايات في نهاية المطاف تقوم بتطبيق قواعد وإجراءات متطابقة من الناحية الجوهرية. وتقوم كل ولاية باختيار قائمة من أعضاء الهيئة الانتخابية بالتصويت الشعبي، يمثل كل منهم مرشحاً واحداً. وعدد الأسماء على كل قائمة يماثل العدد الإجمالي لممثلي هذه الولاية في مجلس الشيوخ (وهذا العدد هو دائماً اثنان)، وفي مجلس النواب (وهذا العدد يعتمد على عدد سكان كل ولاية). وتفوز القائمة المرتهنة إلى المرشح الذي يفوز بالأكثرية البسيطة أو الأكثرية المطلقة للأصوات بجميع مقاعد الهيئة الانتخابية للولاية (وفقاً لمبدأ: الفائز  يربح كل شيء)، وذلك في جميع الولايات في ما عدا ولايتين فقط.

والانتخابات الرئاسية، وهي حدث يجري كل أربع سنوات، تأخذ مجراها في يوم الثلاثاء الذي يلي أول يوم اثنين في شهر تشرين الثاني/نوفمبر. وفي شهر كانون الأول/ديسمبر تقوم الهيئة الانتخابية المؤلفة من الناخبين الذين انتخبتهم كل ولاية بانتخاب رئيس الولايات المتحدة ونائبه بالأكثرية المطلقة.

وهذه العملية الانتخابية، المنفذة على مرحلتين، تأخذ بعين الاعتبار كلاً من الديموغرافية الأميركية ومبدأ المساواة السياسية بين ولايات الاتحاد، وهي تثير استغراب الفرنسيين بشكل واضح.

من غير المرجح أن يختفي دور أعضاء الهيئة الانتخابية للرئاسة مثل هؤلاء الذين يظهرون في الصورة خلال انتخابات 2004 في ولاية أوهايو

فدرالية، لا مركزية

كثيراً ما ننسى أن الولايات المتحدة ليست جمهورية مركزية مثل فرنسا. فالولايات التي يتألف منها الاتحاد لها تاريخها الخاص وحياتها الدستورية والاجتماعية الخاصة. كما أن هذه الولايات تُصرّ على المحافظة على نفوذها المستقل. وبعض هذه الولايات ولايات صغيرة أو ذات كثافة سكانية ضئيلة، في حين يقطن البعض الآخر عدد كبير من السكان.

ورغم أن هذه الولايات تتمتع بالمساواة بشكل ما، إلا أنه من الجليّ، أن لبعض الولايات ثقلاً  أكبر، وذلك لأسباب ديموغرافية واقتصادية. وهذا هو السبب الكامن وراء التعقيد الذي يشوب النظام الأميركي. كما أن هذا هو ما يفسّر المفارقة المتمثلة في أنه يمكن لمرشح ما أن يفوز بعدد أكبر من الأصوات الشعبية مما حصل عليه منافسه، ولكن بعدد أقل من أصوات الهيئة الانتخابية، مما يؤدي إلى فوز المنافس بمنصب الرئاسة. وفي العام 2000، انتخب جورج دبليو. بوش رئيساً للولايات المتحدة رغم أن منافسه آل غور كان قد تفوق عليه بحوالي نصف مليون صوت من الأصوات الشعبية. وقد دُهش الناس في فرنسا كثيراً لهذه النتيجة، إن لم نقل إنهم استاؤوا من ذلك.

إلاّ أنه لا يبدو أن غالبية الأميركيين ترغب في تغيير النظام الانتخابي بشكل يجعله مشابهاً للنظام الفرنسي، رغم بروز أفكار بين الآونة والأخرى لإصلاح النظام. ويدعو بعض علماء السياسة إلى تبني نظام انتخابي أشبه بالنظام الفرنسي رغم أن مطالباتهم لا تلقى كثيراً من التقبل لدى مواطنيهم، لأن كل ولاية ترغب في الحفاظ على نفوذها السياسي. كما أن الأقليات الإثنية والعرقية والدينية في كل ولاية تريد أن يكون لها رأي وتأثير في نتائج الانتخابات ولا شك في أنها ستخسر القدرة على ذلك فيما لو ضاعت أصواتها في بوتقة نظام انتخابي قومي واحد.

وعلاوة على ذلك، فإن كلاً من الولايات المتحدة وفرنسا تُعرِّف كلمة المواطنية بطريقة مختلفة عن تعريف الأخرى لها. فالديمقراطية الأميركية ديموقراطية متعددة الثقافات، والتصويت على أساس الكتل الثقافية يحتل مكانة مهمة في الحياة السياسية الأميركية ولا يمكن أن يتمتع بالتأثير سوى في سياق الولايات المنفردة. وبناءً على ذلك، ورغم أن هذا النظام قد أُنشئ للمرة الأولى في القرن الثامن عشر، وأن البعض لا يزال يحلم في تعديل الدستور الفدرالي، فإن استمرار وجود الهيئة الانتخابية لا يواجه أي خطر. فلهذه المؤسسة تاريخها الخاص الذي يمكنها الاعتماد عليه وهي ليست مؤسسة لا مستقبل لها.

تضييق بعض الفجوات

وعلى الرغم من ذلك، فإن الانتخابات التمهيدية الأميركية بدأت تبدو بشكل متزايد عملية أكثر شبهاً بجولة الاقتراع الأولى في فرنسا، مع قيام الجمهوريين والديمقراطيين بالتصويت لاستبعاد المرشحين الذين لن يكونوا قادرين على الوصول إلى نهاية الشوط. وهكذا نجد أنه، بحلول يوم عيد العمال الأميركي في أيلول/سبتمبر، لا يبقى في الميدان سوى مرشح واحد من كل من الحزبين الرئيسيين. وبذلك يكون جميع المرشحين الآخرين ما عداهما قد أزيحوا جانباً ولم تبق لهم سوى أدوار لا تذكر، إلا إذا كان بإمكانهم التأثير على النتائج في الولايات التي تشتد فيها حدة المنافسة وتكون النتيجة غير مضمونة لتقارب عدد مؤيدي كل من المرشحين الجمهوري والديمقراطي فيها. 

وقد بدأ الفرنسيون من جانبهم في تنظيم انتخابات تمهيدية، ولكن على شيء من التردد. ورغم أن هذه الانتخابات لم تصبح بعد منظمة بشكل منهجي، إلا أنها مع ذلك تساعد، بطريقة أو بأخرى، على إجراء عملية التصفية بين مرشحي كل من الأحزاب السياسية. فخلال العام 2006، على سبيل المثال، رشح الحزب الاشتراكي ثلاثة أشخاص، واختار نشطاء الحزب من بين الثلاثة سيغولين روَيال لتمثيلهم. وبطريقة مماثلة، ورغم كون حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية (يو بي إم) اختار نهجاً آخر، كان على أعضائه هم أيضاً اختيار واحدٍ من بين مرشحيْن رئيسيين. وليس من المستبعد أن نرى نفس العملية وقد تمت توسعتها ثم تبنيها واعتمادها في الانتخابات الرئاسية التالية في المستقبل.

إن أسلوب اختيار الرئيس، سواء في فرنسا أو في الولايات المتحدة، يجسد أعمق الجذور الثقافية للبلاد. وليس هناك ما هو أكثر تكلفاًً، وبالتالي أكثر مدعاة للأسف، من فرض نظام ناجح في بلد ما على بلد آخر.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي