انتخابات سنة 2008 | دليل الانتخابات الأميركية للعام 2008

15 ايلول/سبتمبر 2008

إصلاح الهيئة الانتخابية؟ ولكنه ليس بالأمر السهل

 
أوقفت المحكمة العليا إعادة فرز الأصوات في ولاية فلوريدا، مقررة بشكل أساسي نتيجة الانتخابات التي تنافس فيها بوش وآل غور في العام 2000

يتطلب إصلاح نظام الهيئة الانتخابية لانتخاب رئيس الولايات المتحدة الأميركية جهداً هائلاً وإجماعاً ليس متوفراً الآن.

ديفيد لوبلين، هو أستاذ أنظمة الحكم في كلية الشؤون العامة في الجامعة الأميركية، واشنطن.

بلقم ديفيد لوبلين

ليس من الصعب الإشارة إلى الأسباب التي تجعل المرء راغباً في إلغاء الهيئة الانتخابية في انتخابات رئيس الولايات المتحدة، خاصة لأن النظام ينتخب أحياناً مرشحاً حاز على عدد أصوات شعبية في مجمل أنحاء البلد تقل عما حصل عليه المرشح الآخر.  ولكن التوصل إلى بديل لهذا النظام ليس بالأمر السهل.

وأحد الأسباب التي تجعل من بقاء الهيئة الانتخابية أمراً مرجحاً هو أن تعديل الدستور الأميركي أمر صعب. فهو يتطلب أولاً مصادقة الكونغرس الأميركي على اقتراح التعديل بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي النواب والشيوخ، ومن ثم يشترط أن يقره ثلاثة أرباع الولايات. ولم يتم تعديل الدستور سوى سبعاً وعشرين مرة منذ إقراره في العام 1787. وهذا يتضمن التعديلات الـ10 الأولى للدستور، المعروفة مجتمعة بوثيقة الحقوق، والتي أُقرت بعد فترة قصيرة من المصادقة على الدستور الأصلي.

إن الدعم الساحق، إن لم يكن الإجماع، ضروري بوجه عام لتخطى الحواجز التي تقف في طريق المصادقة. ولا يوجد حالياً الإجماع أو التوافق اللازم لإلغاء الهيئة الانتخابية. ويعتقد الكثير من الديمقراطيين أن خسارة مرشحهم في الانتخابات الرئاسية للعام 2000 تُظهر الحاجة الماسّة إلى الإصلاح، إلاّ أن بعض الجمهوريين يعتبرون، على هذا الأساس، الجهود المبذولة لتغيير النظام جهوداً للتشكيك في انتصار مرشحهم. وبالرغم من بعض الدعم المتوفر في كل من الحزبين، إلا أنه لا يوجد إجماع حول الإصلاح.

علاوة على ذلك، لدى عدد من الولايات المختلفة مجموعة هامة من الأسباب الداعية لمعارضة المصادقة على التعديل. فالولايات الصغيرة تحصل على حصص غير متكافئة، إلى حد ما، من الأصوات الانتخابية لأن عدد الأصوات الانتخابية المخصصة لكل ولاية يساوي عدد الشيوخ (اثنان دائماً)، مضافاً إليه عدد النواب المنتخبين للولاية (وهو واحد على الأقل) بغض النظر عن عدد السكان. وتستحوذ الولايات التي تشتد فيها حدة المنافسة أكثر من غيرها، مثل فلوريدا وأوهايو في انتخابات الأعوام 2000 و2004 و2008، على قدر أكبر من اهتمام مرشحي الرئاسة لأن الأصوات الانتخابية توزع وفق طريقة الرابح يأخذ كل شيء في كل الولايات ما عدا اثنتين، هما ماين ونبراسكا. ويعتبر معارضو نظام الهيئة الانتخابية هذه الناحية من النظام الحالي بمثابة شائبة، لكن الولايات التي لا تتمتع بثقل كبير قد لا تسارع إلى التخلي عن الاهتمام المسرف المغدق عليها من مرشحي الرئاسة. وكثير من الناس تعجبه حقيقة أن الهيئة الانتخابية تعكس الطبيعة الفدرالية للولايات المتحدة ويقاوم لذلك الجهود الرامية إلى إلغائها معتبراً ذلك بمثابة هجوم على الفدرالية وعلى سلطات الولايات.

اتفاق التصويت الشعبي على المستوى القومي

صورة أكبر
محللو الكومبيوتر يعيدون فرز الأصوات في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، 2000، في فلوريدا، ضمن الانتخابات الرئاسية الأميركية.

يقترح بعض الداعين إلى إصلاح الهيئة الانتخابية ومناصريه أن يتفادى البلد عملية التعديل من خلال ميثاق أو اتفاق بين الولايات يضمن أن يصبح المرشح الذي ينال أغلبية الأصوات الشعبية على المستوى القومي هو الرئيس. ويرى مؤيدو فكرة هذا الاتفاق أن على الولايات التي تملك أغلبية أصوات الهيئة الانتخابية الموافقة على الإدلاء بأصواتها لصالح المرشح الرئاسي الذي فاز بأكبر عدد من أصوات الناخبين على الصعيد القومي، سواء كان هذا المرشح قد فاز أو خسر في تلك الولايات. وسيكون تبني الإصلاح عبر اتفاق بين الولايات أسهل بكثير منه عبر التعديل الدستوري. ذلك أن التعديل الدستوري يتطلب موافقة 38 ولاية، في حين أن ما لا يزيد على 11 ولاية فقط من أكثر الولايات سكاناً يمكنه أن يضع هذا الاتفاق بين الولايات في حيز التنفيذ.

وفي حين يبدو وكأن هذا الحل حل ذكي، إلا أنه قد يغرس بذور مشاكل جديدة. ففي الولايات المتحدة، لا تشكل الانتخابات الرئاسية في الحقيقة انتخاباً قومياً واحداًً، بل هي عبارة عن 51 منافسة منفصلة تجري في خمسين ولاية، بالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا (العاصمة القومية-واشنطن). ولأن كل ولاية تقرر أيّاً من المرشحين للرئاسة ولنيابة الرئاسة سيظهر على لائحتها الانتخابية، فان مجموعات مختلفة من المرشحين تظهر على لوائح الاقتراع في الولايات المختلفة. وهكذا فإن الأميركيين، حتى في ظل هذا الاتفاق المقترح، لن يحصلوا على انتخابات قومية حقيقية تتوفر فيها لكل ناخب نفس الخيارات في انتقاء المرشح.

كما أنه يمكن أن يكون للمرشحين للرئاسة مرشحون مختلفون لنيابة الرئاسة في الولايات المختلفة. ويقتضي الاتفاق المقترح بأن تحتسب جميع الأصوات، التي أدلي بها في أي ولاية لانتخاب الرئيس أو نائب الرئيس، كجزء من مجموع أصوات لائحة المرشحين، بغض النظر عمّا إذا كان نفس المرشح لنائب الرئيس قد ظهر على جميع أوراق الاقتراع. وعلى سبيل المثال، لم يكن المرشح لمنصب نائب الرئيس في لائحة مرشح الحزب الثالث للرئاسة، رالف نادر، مسجلاً على أوراق الاقتراع في ولاية كاليفورنيا في العام   2004. ورغم ذلك، فإن كل الأصوات التي فاز بها  رالف نادر في كاليفورنيا كانت ستُحتسب، في حال تطبيق الاتفاق المقترح، ليس فقط  في مجموع الأصوات الشعبية لنادر وإنما أيضاً للمرشح الذي اختاره نائباً للرئيس، رغم أن اسم ذلك الشخص لم يدرج على لائحة الاقتراع، وهو حلّ غير مرضٍ في هذه الحالة.

أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات

أدت المنافسة الحادة متقاربة النتيجة في الانتخابات الرئاسية بين الجمهوري جورج دبليو. بوش والديمقراطي آل غور في فلوريدا عام 2000 ، وما كان لها من تأثير على النتيجة، إلى ارتفاع أصوات تدعو إلى إصلاح الهيئة الانتخابية. إلا أن المفارقة هي أنه من المرجح أن يؤدي نظام انتخابات شعبية عامة إلى تفاقم المشاكل في أي انتخابات متقاربة النتيجة.

فلا توجد حالياً آلية معمول بها لتحديد الفائز في منافسة حادة متقاربة النتيجة على الصعيد القومي، كما أن الاتفاق المقترح باعتماد حصيلة التصويت الشعبي على الصعيد القومي لا يوجد مثل هذه الآلية. وكل القوانين الحالية المتعلقة بإعادة فرز الأصوات تحكم الانتخابات متقاربة النتائج ضمن الولاية الواحدة، ولكنها لا تفرض إعادة فرز الأصوات إذا كانت نتائج الانتخابات متقاربة على المستوى القومي. وعلاوة على ذلك، فإن ممثلي وسائل الإعلام والحزبين السياسيين الرئيسيين الذين تمكنوا من التدقيق جيداً في عملية إعادة الفرز في ولاية وحيدة في العام 2000، سيجدون القيام بذلك التدقيق أصعب بكثير على صعيد البلاد بأكملها. وفي حين أن إمكانية ظهور نتيجة متقاربة تتقلص في المنافسة القومية، إلا أن المعايير التي تقرر متى تكون الانتخابات متقاربة النتائج سوف تتدنى أيضاً. 

كما أن إمكانية فرض تطبيق الاتفاق بين الولايات الذي يحكم كيفية تصويت الهيئة الانتخابية ما زالت مسألة عالقة لم يبت فيها. فالدستور الأميركي ينص بوضوح على تمتع الهيئات التشريعية للولايات بحق تحديد كيفية الإدلاء بالأصوات الانتخابية. وفي حين أن الاتفاق أو الميثاق المقترح يحظر الانسحاب في الأشهر الستة السابقة لموعد الانتخابات، إلا أنه من غير المؤكد أنه يمكن تطبيق ذلك قانونيا. ولا يتضمن الاتفاق المقترح أحكاماً بديلة في حال انسحبت منه الولايات بالفعل ورفضت المحاكم منعها من ذلك.

ورغم أن هذه المخاوف قد تبدو ضئيلة ومفرطة في تفاصيلها التقنية، إلا أن انتخابات العام 2000 أظهرت أهمية التفاصيل القانونية وضرورة الجهوزية في حال حصلت انتخابات بنتائج متقاربة غير متوقعة. وقد تصبح عملية انتخاب الرئيس عن طريق التصويت الشعبي العام قابلة للتطبيق في نهاية المطاف، لكنها ستقتضي القيام بتخطيط دقيق مسبق على المستوى الفدرالي كي يكتب لها النجاح وتوفر قدر أكبر من الإجماع أو التوافق مما هو متوفر حالياً لتحقيق ذلك.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي