15 ايلول/سبتمبر 2008
إن النظامين الانتخابيين البريطاني والأميركي مختلفان جداً، لكنهما ينتجان أحياناً نتائج متشابهة بشكل غريب.
فيليب جون ديفيس هو أستاذ الدراسات الأميركية في جامعة دو مونتفورت، في ليستر، ومدير مركز إكلز للدراسات الأميركية في المكتبة البريطانية، في لندن، بإنجلترا.
بقلم فيليب جون ديفيس
إن غرف التدريس الواقعة على ضفتي المحيط الأطلسي توفر فرصاً مميزة لتحصيل العلم. ويفاجأ الطلبة البريطانيون قليلاً أحياناً عندما يسمعون أن المشرعين في الولايات المتحدة كثيراً ما يخوضون حملات انتخابية يرجحون فيها برامجهم الشخصية على الرسائل السياسية الحزبية المركزية.
كما يتملكهم العجب عندما تقدم لهم البراهين والإثباتات على أن الرؤساء، وحتى الرؤساء من الأحزاب السياسية ذاتها، قد يضطرون لإجراء قدر كبير من المفاوضات والمساومات مع الهيئة التشريعية لتحقيق أي نجاح في تحويل البرنامج السياسي الذي قدموه إلى جمهور الناخبين إلى سياسات عملية.
ويزمون شفاههم أحياناً امتعاضاً لدى مواجهة الهيكلية المبهمة للهيئة الانتخابية بما تملكه من قدرة أثبتتها مؤخراً على وضع المرشح الفائز بالعدد الأكبر من مجمل أصوات الناخبين في المرتبة الثانية بعد من تقوم باختياره.
"لا يستطيع الناخبون أن يضمنوا حصولهم على السياسات التي أيدوها، حتى ولو فاز حزبهم في الانتخابات! ولا يستطيعون الوثوق من أنهم سيحصلون على الزعيم الذي صوت له معظمهم في الانتخابات! هل هذا ديمقراطي حقا؟"
أما على الضفة المقابلة من الأطلسي، فيجد الطلبة في الولايات المتحدة بدورهم أن شكوكهم تزداد حول النظام الانتخابي البريطاني الذي تهيمن عليه بيانات الأحزاب السياسية إلى درجة لا يبقى معها لخصائص المرشح الفرد سوى تأثير هامشي على نتيجة الاقتراع. ويتملكهم القلق من درجة السيطرة على السياسات التي يبديها مسؤول تنفيذي يعمل ضمن الجسم التشريعي.
وعندما يتعلق الأمر بتعيين رئيس الوزراء، فإنهم قد يندهشون جداً من العلاقة الواهية جداً بين الناخبين وعملية الاختيار.
"ليس لأي ناخب تقريباً أي علاقة باختيار رئيس الوزراء! وتسيطر الأحزاب سيطرة هائلة على البرنامج السياسي! هل هذا ديمقراطي حقا؟"
آراء متباينة حول الديموقراطية

في المعجم السياسي، تعتبر كلمة الديمقراطية كلمة تحظى بالاستحسان المؤكد. وترغب الدول، بوجه عام، بأن يُشار إليها على أنها ديموقراطية، رغم أن ذلك قد يبدو أقرب إلى العلاقات العامة مما هو إلى واقع الحال. فخلال العقود الخمسة التي كانت خلالها ألمانيا مقسمة، كان الجزء الشرقي الشيوعي منها هو الذي استطاع أن يطلق اسم "الجمهورية الديموقراطية" على نفسه.
ولكن حتى مجموعة الدول التي تقر باعتماد أعضائها النظام الديمقراطي قد تصمم أنظمتها السياسية بطرق متباينة جدا. وإذا نظرنا إلى المؤسسات الديموقراطية عبر الثقافات قد تبدو لنا تلك المؤسسات الديمقراطية وقواعدها التاريخية والثقافية المختلفة مربكة مثيرة للحيرة والتشوش، وقد تفوتنا رؤية الأمور المتماثلة بين الثقافات المختلفة.
فنظام المملكة المتحدة يبقى مرتبطاً بمركزية المنافسة السياسية الحزبية. وقد تضمنت التعديلات التي أدخلت على عملية اختيار القيادة الحزبية في الأعوام الأخيرة اعتماد هيكليات دُعيت هيئات انتخابية. والقصد من هذه الهيئات هو ضمان وجود توازن في التمثيل بين المجموعات داخل الحزب الواحد، وهي مدينة إلى حد ما دون أي شك إلى الدروس التي تم تعلمها من الدولة الواقعة على ضفة المحيط الأطلسي المقابلة، ولكنها ليست مبنية بأي حالٍ على المبادئ الفدرالية التي تشكل جوهر نظام الهيئة الانتخابية في الولايات المتحدة.
وبصرف النظر عن هذه الفوارق، فإن عمليات اختيار رئيس الوزراء البريطاني المبنية على أساس حزبي، لا تقل إبهاماً بأي شكل من الأشكال عن تلك المعتمدة في اختيار الرئيس في الولايات المتحدة.
لكن بعض التشابهات تبرز في النتائج الانتخابية. فالهيئة الانتخابية الأميركية توفر فوزاً محتملاً لمرشح لم يحصل على غالبية الأصوات الشعبية على مستوى البلاد ككل. ويجب ألا يشكل ذلك لغزاً محيراً بالنسبة إلى المراقبين البريطانيين، حيث أن الحزب الفائز لم يحصل ولا لمرة واحدة على غالبية الأصوات الشعبية خلال الانتخابات العامة الـ 17 التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وحصل حزب المحافظين في عام 1955 على النتيجة الأقرب إلى تلك الأغلبية، إذ فاز آنذاك بنسبة 49.7% من الأصوات الشعبية. إلا أن الحزب الفائز لم يحصل، في 7 انتخابات تلت تلك الحرب، إلا على نسبة من الأصوات كانت أقل من نسبة 45%، ونال الحزب الفائز في ثلاثة من هذه الانتخابات أقل من 40% من الأصوات الشعبية، بينما تدنت هذه النسبة إلى 35.2% في انتخابات العام 2005.
أهمية الأعداد القليلة
مع أن الفائز بغالبية أصوات الهيئة الانتخابية في الولايات المتحدة يمكن أن يكون قد نال أصواتاً أقل من تلك التي نالها منافسه من مجموع الأصوات الشعبية، لكن انتخابات العام 2000 أبرزت هذا الأمر إلى حد بعيد.
والشيء نفسه يمكن أن يحصل في الانتخابات العامة في المملكة المتحدة. ففي العام 1951 نال حزب العمال نسبة من مجموع أصوات الناخبين تفوق 1% تقريباً مجمل ما ناله حزب المحافظين وحلفاؤه، لكن الأمر ما لبث أن انتهى إلى حصول حزب العمال على عدد من المقاعد يقل بنسبة 4% من مقاعد منافسيه. وفي شهر شباط/فبراير من العام 1974، كان حزب المحافظين هو الذي تفوق بفارق بسيط في مجموع الأصوات الشعبية، بينما فاز حزب العمال بعدد أكبر من المقاعد. وفي حين كانت الأحزاب الأخرى تحتل مقاعد كافية على مستوى البلد لكي تتمكن من الإمساك بزمام توازن السلطة، شكل حزب العمال حكومة أقلية.
وأظهرت الانتخابات التي جرت في الولايات المتحدة خلال العام 2000 ما للأعداد الضئيلة من الأصوات في الولايات الأساسية من أهمية، حينما بقيت النتائج النهائية متأرجحة لبضعة أسابيع على نقطة ارتكاز حرجة لم تكن سوى نتيجة الاقتراع في ولاية فلوريدا.
ومرة أخرى يمكن أن نجد أحداثاًً مشابهة في المملكة المتحدة. ففي العام 1964، فاز حزب العمال بـ 317 مقعداً من أصل 630، محققاً بذلك أكثرية مطلقة على سائر الأحزاب الأخرى تبلغ أربعة مقاعد. وقد فاز حزب العمال بفارق سبعة أصوات فقط في إحدى الدوائر، كما أن ثلاث منافسات متقاربة جداً في تلك الانتخابات حُسمت بعدد قليل جداً من الأصوات بلغ على التوالي: 10و11 و14 صوتاً.
وما من شكٍ في أن المراقبين في الكثير من الدول سيواصلون ملاحظة توسع أفق نظرتهم إلى الديموقراطية عندما ينظرون إليها في الدول الأخرى خارج حدود دولتهم. فالفوارق حقيقية، ويمكن أن تكون مدهشة، وهي توفر خلفية تنبثق من خلالها مفاهيم جديدة. وينبغي ألا يتوقف استمتاع المرء بملاحظة الأمور الغريبة في الثقافات السياسية الأخرى، والتوصل من خلال ذلك إلى ملاحظة الأمور الغريبة في نظام بلده السياسي.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية