21 ايلول/سبتمبر 2008
بقلم بول إس ديغريغوريو
كما هو الحال في العديد من الديمقراطيات الأخرى، فإن جهود الولايات المتحدة تنصب اليوم على مواجهة الحاجة إلى تحسين العملية الانتخابية كي يتمكن جميع المواطنين من الإدلاء بأصواتهم بحرية، وسهولة، وأمان. وهنا يصف خبير بشؤون الانتخابات التدابير التي اتخذتها الحكومة الأميركية لتسهيل عملية الإدلاء بالأصوات عبر البلاد، كما يناقش الآمال المرتقبة والعثرات الممكنة في أنظمة الاقتراع الإلكتروني، فيما تنتقل هذه التكنولوجيا لتصبح هي المسار السائد في إدارة الانتخابات. بول إس ديغريغوريو هو الرئيس السابق لوكالة المساعدة الانتخابية الأميركية، وقد عمل طيلة 22 سنة كخبير انتخابي في اكثر من عشرين بلداً.
خلال العقد الماضي، شهد العالم تركيزاً بارزاً على عمليات الاقتراع. وتقوم دول عديدة، غنية وفقيرة، نامية وغير مكتملة النمو، باستعمال التقنيات الجديدة لانتقاء قادتها. فالمقترعون في الهند، وهي أكبر ديمقراطيات العالم، يدلون بأصواتهم عن طريق استعمال تكنولوجيا كبس الأزرار الإلكترونية، بينما المقترعون في هاييتي، وهي أفقر الديمقراطيات في النصف الغربي من الكرة الأرضية، يبرزون بطاقات تعريف شخصية حديثة تحمل صورتهم ويبصمون عند الإدلاء بأصواتهم. وبالفعل، ففي استونيا يستطيع الناخبون اليوم ان يستعملوا البطاقة الذكية من أجل الإدلاء بأصواتهم عبر شبكة الإنترنت من أي مكان في العالم.
وفي الولايات المتحدة، يجري الإدلاء بالأصوات أو يتم إحصاؤها، في 90% من الحالات، إلكترونياً. ويشترط الآن على كل مركز اقتراع، وفقاً للقانون، أن يكون مجهزاً بآلة انتخابية من شأنها أن تساعد الناس من ذوي الحاجات الخاصة على التصويت بسرية واستقلالية. وهكذا، فإن ناخباً ضريراً يستطيع أن يضع سمّاعات على أذنيه ويلمس شاشة أو أزرارا من أجل التقدّم للاقتراع والإدلاء بصوته، باستقلالية. ولعل الولايات المتحدة هي البلد الوحيد في العالم الذي يتوفر فيه هذا النوع من وسائل الاقتراع.
أمّا المقترعون من ذوي الحاجات الخاصة الأخرى، كأن يكون الناخب لا يحسن استعمال اللغة الإنجليزية كلغة أساسية، فأصبحت تتم مساعدتهم أيضاً عبر هذه التكنولوجيا الجديدة. ففي مقاطعة لوس انجلس بكاليفورنيا، تتوفر بطاقات التصويت بثماني لغات. ومن الواضح ان التقنيات الحديثة يمكن لها ان تكون مُعيناً كبيراً لمثل هؤلاء المقترعين الذين تواجههم إعاقات جسدية أو عوائق لغوية.
إن غالبية هذه التقنيات الانتخابية الجديدة، والتي هي في ازدياد، إنما قد تمّ إدخالها في غضون السنوات العشر الماضية. ولا تمرُّ سنة دون أن تقوم المزيد من الدول بإدخال أساليب جديدة من شأنها ان تجعل إمكانية الاقتراع متيسرة لكل شرائح المجتمع.
هل تكون هذه التقنيات الجديدة قادرة على تحقيق مشاركة أوسع للناخبين، كما على كبح ضعف إقبالهم عليها؟ هل تلقى هذه التقنيات ثقة جميع شرائح المجتمع؟ أم أنها تُنتج مشاكل جديدة، وتوفّر أفضلية غير منصفة لصالح بعض المقترعين؟ إنها لأسئلة هامة يجري بحثها الآن على المستويات الدولية الداخلية والخارجية على حد سواء.
تحسين العملية الانتخابية في الولايات المتحدة
تلقى العملية الانتخابية في الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً داخل البلاد، كما في خارجها، وذلك بعد الانتخابات الرئاسية في العام 2000، حيث لم يكن أحد ليدري لفترة ستة أسابيع من هو الرئيس الفائز على وجه التأكيد. والمفردات من أمثال: "معلقة"، "حبلى بالاحتمالات"، و"مغمّزة" قد باتت جزءاً من المعجم العالمي. لهذا، فإن الإدارة المسؤولة عن الانتخابات في الولايات المتحدة قد قطعت شوطاً كبيراً منذ ذلك الحدث الفاصل. ففي العام 2002، صادق كونغرس الولايات المتحدة على "قانون مساعدة أميركا في التصويت" التاريخي الذي صار يدعى اختصاراً بعبارة "هافا". وقد أتاح هذا القانون للمرة الأولى توفير مساعدة فدرالية أساسية للولايات الخمسين، كما لمقاطعة كولومبيا، والأراضي الأميركية عبر البحار، من أجل تحسين عمليات الانتخاب. وفي الحقيقة، انه صدر من القوانين والأنظمة المتعلقة بالانتخابات في الولايات المتحدة خلال السنوات السبع الماضية اكثر مما صدر في المئتي سنة الماضية من التاريخ الأميركي.
ومثلما هو الحال إلى حدٍ كبير في هولندا، وإنجلترا، واليابان، وفي دول أخرى عديدة، فإن جميع عمليات الاقتراع في الولايات المتحدة هي اقتراعات محلية بالأساس، وهذا يعني انه يتم الإشراف عليها من المسؤولين المحليين الذين يقومون باتخاذ معظم القرارات حول أسلوب الاقتراع الذي ينبغي ان يعتمده الناخبون ضمن مناطق صلاحياتهم القانونية. وقد أعطى قانون "هافا" الموظفين المسؤولين عن عمليات الاقتراع في كل ولاية مزيداً من الصلاحيات من أجل الإشراف على الهيئات الانتخابية المحلية وتنظيمها. في معظم الولايات يكون ثمة أمين سرّ للولاية، وهو موظف حكومي يتم انتخابه على أساس حزبي ويكون هو رأس السلطة المشرفة على الانتخابات في الولاية. أمّا في ولايات قليلة، بما فيها نيويورك والينوي، فيكون هناك مجلس مشترك من الحزبين مهمته الإشراف على عملية الانتخاب. وتنفرد الولايات المتحدة في كون اكثر من 70% من سلطات الاقتراع المحلية يتم انتخابها على أساس حزبي، ويكون لمثل هذه الوظائف ألقاب من أمثال كاتب المقاطعة، مدقق حسابات المقاطعة، أو المشرف على الانتخابات. وهؤلاء الرسميون يكونون مسؤولين أمام الناخبين حيث تتم إعادة انتخابهم كل أربع سنوات.
إن قانون "هافا" قد أوجد وكالة فدرالية تدعى وكالة المساعدة الانتخابية الأميركية (إي آي سي) وذلك من أجل تأمين التركيز قومياً على إدارة الانتخابات. وللمرة الأولى في تاريخ أميركا، يجري تخصيص ما يزيد عن ثلاثة مليارات دولار من الأموال الفدرالية من أجل تحسين العملية الانتخابية. إن وكالة إي آي سي المذكورة [http:www.eac.gov]، التي باشرت أعمالها في العام 2003، هي هيئة مؤلفة من أربعة أعضاء اثنان ديمقراطيان واثنان جمهوريان، يقوم الرئيس بتعيينهم ومجلس الشيوخ بتثبيت هذا التعيين. ولقد كنت من بين الأوائل الذين جرى تعيينهم في هذه الوكالة وتوليت رئاستها خلال العام 2006.
بالإضافة إلى توزيع الأموال، فإن وكالة المساعدة الانتخابية الأميركية تضع معايير جديدة لاستعمال التكنولوجيا في الاقتراع، وهذه المعايير تجري متابعتها بعناية من جانب الدول الأخرى. وحيث أن هذه الوكالة تعمل بالتعاون مع المؤسسة القومية للعلوم والتكنولوجيا ]http://www-vote.nist.gov[، فإنها أنشأت مبادئ إرشادية جديدة ذات شأن للنظام الانتخابي من شأنها أن تركز على الأمن كما على العوامل الإنسانية. وهذه المبادئ الإرشادية تساعد الولايات في ضمان نزاهة الأجهزة الإلكترونية وسهولة استخدامها لكي يقوم باستعمالها ملايين المقترعين في كل انتخاب. يضاف إلى ذلك، فإن الوكالة المذكورة تركّز على الجانب الإداري لتكنولوجيا الانتخابات، فتقوم بإنتاج العديد من الوثائق المصممة لمساعدة الموظفين المسؤولين عن الإشراف على الانتخابات من إدارة العناصر الهامة في أنظمة التصويت الإلكترونية، بما في ذلك اختبار مدى منطقيتها ودقتها. وفي السنوات السابقة، قام مجلس أوروبا ]http://www.coe.int[ كذلك بمباشرة مشروع لتأمين معايير مشابهة لأنظمة الاقتراع الإلكتروني، حيث أن دولاً أوروبية عدة أمست تتحرك نحو اعتماد وسائل الاقتراع الإلكترونية.
ولعل أحد أكبر التحديات التي تواجه المسؤولين عن جميع عمليات الاقتراع هي مسألة تدريب الموظفين العاملين في مراكز الاقتراع، كما المقترعين، على استعمال تكنولوجيا الاقتراع الحديثة. ففي الولايات المتحدة، حيث يكون معدل عمر الموظف في مركز الاقتراع هو 72 سنة، فإن إدخال وسائل إلكترونية ذات بطاقات ذاكرة كمبيوتر والتي تحتاج إلى التدقيق فيها وتحريكها، قد سببت نقصاً في عدد الموظفين بلغ 1.3 مليون موظف تقتضي الحاجة إليهم للقيام بعملية الاقتراع في سائر أنحاء البلاد. ولعل الولايات المتحدة يجب أن تتبع السبيل الذي اتخذته بلجيكا حيث يتم تجنيد من هم في عمر الثماني عشرة لكي يقوموا بتسيير عملية الانتخابات.
هل يكون التصويت عبر الإنترنت هو مستقبلنا؟
مع زيادة اختراق الإنترنت في سائر أرجاء العالم، وبالتأكيد ضمن الكثير من البلدان، فقد باتت الديمقراطية الإلكترونية مفهوماً آخذاً في الترسُّخ والانتشار بسرعة. فمثلما هو الحال في القطاع الخاص، يقوم المرشحون، والأحزاب السياسية، والحكومات، باستخدام الإنترنت من اجل إبلاغ رسالتهم إلى عامة الناس، ولجعل الناس يستجيبوا لها. وتسمح الآن بلدان عديدة، بما فيها استونيا، وهولندا، وسويسرا، وإنجلترا لمواطنيها الإدلاء بأصواتهم عبر شبكة الإنترنت. ففي الانتخابات المحلية التي أقيمت في سويندون بإنكلترا التي استعملت فيها تقنية آمنة قامت بتطويرها مؤسسة "أفري وان كاونتس" (كل صوت مهم) ]http://www.everyonecounts.com[ كان باستطاعة الناخبين ان يقوموا بالإدلاء بأصواتهم عبر الهاتف، وبواسطة الإنترنت، وفي المكتبات العامة، أو بواسطة إسقاط لائحة ورقية في صندوق، أو بواسطة استعمال أي من ثلاثمئة جهاز كمبيوتر موزعة على 65 موقعاً في أرجاء البلدة. لقد كانت هذه العملية الاقتراعية واحدة من اكثر عمليات الاقتراع طموحاً، ونجاحاً، في تاريخ عمليات الاقتراع التي أشرفت عليها الحكومة البريطانية.
فكون البشر باتوا يعيشون في مجتمع عالمي متحرك، أصبح مواطنو كل بلد يواجهون تحدي المشاركة في الانتخابات. ففي هذا الخريف يتوقع ان يواجه الناخبون العسكريون الاستراليون هذا التحدي بالإدلاء بأصواتهم عبر الإنترنت من اجل المشاركة فى الانتخابات البرلمانية. والأميركيون الموجودون في الخارج الذين يقدّر عددهم بستة ملايين أميركي يجدون صعوبة في الإدلاء بأصواتهم، حيث يحتاج معظمهم إلى اللجوء إلى استخدام البريد العادي من اجل ممارسة حقهم بالاقتراع. وفي تقدير "مؤسسة الاقتراع عبر البحار" [http://www.overseasvotefoundaiton.org]، وكذلك الوكالة الفدرالية للمساعدة الانتخابية الأميركية، تبقى هناك اكثر من ربع أصوات هؤلاء المواطنين الذين يحاولون الاقتراع تذهب دون احتساب. والجهود التي يقوم بها برنامج الوكالة المذكورة [http://www.fvap.gov] لتحسين هذه العملية قد ساعدت في ذلك، لكن التقرير الأخير الصادر عن مكتب المحاسبة الحكومي [http://www.gao.gov] يشير إلى أن ثمة المزيد مما يتوجب القيام به في هذا الشأن.
وفي حين تمكّن برنامج "أميركان آيدول"، البرنامج التلفزيوني الأكثر شعبية في أميركا، من تلقي 73 مليون صوت في مدة أربع ساعات، وذلك اكثر من عدد الأصوات التي تلقاها المرشح الفائز في معركة الرئاسة في الولايات المتحدة في انتخابات عام 2004، حيث بلغت الأصوات 62 مليوناً، فإنه قد بات من غير الصعب التصور أن مقترعي برنامج "آيدول" من الجيل الناشئ، سوف يطالبون باستعمال نوع ما من التكنولوجيا النقالة عندما يصبحون في سن تسمح لهم بممارسة الحق في المشاركة في الانتخابات الرئاسية.
ومع ازدياد استعمال التكنولوجيا في العمليات الانتخابية، تزايدت أيضاً حملات التدقيق والتشكيك في التصويت الإلكتروني. ففي حين بدأ الأميركيون في استعمال وسائل التصويت الإلكترونية من أجل الإدلاء بأصواتهم منذ أواخر الثمانينيات، لكن لم يحدث إلاَ منذ صدور قانون "هافا" وانتشار موجة التصويت الإلكتروني في الولايات المتحدة والعالم، أن بدأنا نسمع بالعديد من الجماعات التي تشكلت لتثير التساؤلات وحتى لتعارض استعمال وسائل الاقتراع الإلكترونية، لا سيما الانتخابات التي لا تقترن بأي سجل ورقي [http://www.verifiedvoting.com]. وفي أيرلندا، حيث قد يستغرق العد اليدوي للأصوات التفضيلية (تصويت يدرج فيه المقترع أسماء من ينتخبهم وفقاً للأفضلية) مدة تمتد لأسبوع، فان المحاولة التي جرت لاعتماد التصويت الإلكتروني من اجل تسريع هذه العملية هناك، قد باءت بالفشل.
والمؤسسات الدولية، وسواها من المنظمات التي لها علاقة بمراقبة سير عمليات الاقتراع وتقييمها، من أمثال مكتب المبادرات الديمقراطية وحقوق الإنسان، التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا [http://www.osce.org]، ومؤسسة "آي أف إي اس"، المعروفة سابقاً باسم المؤسسة الدولية لأنظمة الانتخابات [http://www/ifes.org]، ومركز كارتر [www.cartercenter.org]، ومؤسسة خط الانتخابات [http://www.electionline.org]، كان عليها أن تطوّر منهجيات جديدة من أجل ان تقرر ما إذا كانت الانتخابات التي تتضمن اقتراعاً إلكترونياً هي انتخابات حرة ومنصفة. فمراقبة لوائح الأصوات الانتخابية الورقية وهي تعدّ يدوياً شيء، أمّا مراقبة نقاط الأصوات المدلى بها إلكترونياً وإحصاؤها فهو شيء آخر مختلف كليّاً.
فتكنولوجيا الاقتراع الحديثة التي تجتاح ديمقراطياتنا الجماعية قد عززت، بكل تأكيد، سلطة المقترعين، وقادت إلى ازدياد مشاركتهم، كما أنها في حالات كثيرة حصنت الشفافية عن طريق إعلان النتائج قبل السماح لأي محاولة في تغييرها. ومع كل ذلك، فهل استطاعت هذه التكنولوجيا مضاعفة الثقة بالنتائج؟ هذا سؤال سوف يبقى مطلوباً الإجابة عليه طالما بقي النقاش قائماً حول الإصلاح الانتخابي كما حول استعمال التكنولوجيا الحديثة في العمليات الانتخابية حول العالم. أمّا الأمر الذي لا يثير نقاشاً رغم كل ذلك، فهو ان التكنولوجيا سوف تستمر في تحسين الطرق التي نقترع بها، في نفس الوقت الذي تستمر فيه بتحسين جميع أوجه حياتنا اليومية.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية