انتخابات سنة 2008 | دليل الانتخابات الأميركية للعام 2008

21 ايلول/سبتمبر 2008

تغطية الحملة الرئاسية: المشهد من باص الصحافة

 

بقلم جيم ديكنسون

 

يقوم صحفي سياسي متمرس في اطلاعنا على القصة الداخلية للحياة على الطرقات العامة خلال الحملة الانتخابية لأحد المرشحين الرئاسيين الاميركيين، ويبحث عبرها في دور المراسل الصحفي في إبلاغ رسالة المرشح إلى الشعب الأميركي. تكون أيام الحملة طويلة ومكتظة بالأحداث. ويصبح موظفو ومستشارو الحملة مصادر قيّمة للمعلومات في حال تمت تنمية علاقات وديّة معهم. وفي حين تصبح توقفات الحملة على الطريق أحداثاً روتينية، لكن يكون على الصحفيين المهنيين أن يبقوا دائماً على استعداد للتعامل مع الأحداث غير المتوقعة ونقل الأخبار العاجلة. جيم ديكنسون هو مراسل صحفي متقاعد يعمل لحساب صحيفة الواشنطن بوست.

آخر عمل في أي يوم انتخابي طويل هو عبارة عن توزيع برنامج عمل اليوم التالي الطويل أيضاً، وهو المعروف بالكتاب "المُنزل" أو "الإنجيل"، لدى جميع المشاركين، أي الصحافة والموظفين والمستشارين، وهو إمّا يُعطى لنا بينما ننزل من الطائرة أو يُمرّر لنا من تحت باب غرفة الفندق. يبدأ اليوم عادة على هذا الشكل تقريباً:

* 6:15 صباحاً         الحقائب في رواق الفندق.

* 7:15 صباحاً         المرشح ومكتب ممثلي الصحافة يغادرون الفندق إلى المحطة KXYZ-TV.

* 7:30 صباحاً         الموظفون وفرق الصحفيين يصعدون إلى الباص للذهاب إلى مطعم بالم لتناول فطور الساعة الثامنة مع غرفة التجارة ونادي الروتاري.

* 7:45 صباحاً         مقابلة لمدة خمس دقائق للمرشح مع مُعدّ البرامج الإخبارية في محطة KXYZ، جو سميث.

* 7:50 صباحاً         مغادرة محطة KXYZ إلى مطعم بالم.

* 9:00 صباحاً         مغادرة مطعم بالم إلى مطار أفيري في هيوستون.

وهكذا دواليك، تستمر الكثير من الأحداث والأجزاء المتحركة لذلك النهار. فاجتماع غرفة التجارة/الروتاري، يعني على الأقل، اننا يجب ان لا نقلق عما إذا سيكون لدينا الوقت الكافي لاختطاف الفطور في مقهى الفندق. (إحدى القواعد الحديدية في الحملة: الأكل عند أية فرصة، لأن بإمكان البرنامج ان يفوّت عليك وجبة طعام). بعدها يعطينا مكتب ممثلي الصحافة لدى محطة KXYZ "تقريراً" مكتوباً عما تم قوله وفعله هنا. مكتب ممثلي الصحافة مخصص للمناسبات حيث الوقت، والمكان، والاعتبارات الأخرى لا تستوعب كامل الفريق الصحفي. يضم هذا المكتب عادة مراسل صحيفة يومية، ومراسل محطة تلفزيون، ومراسل مجلة إخبارية، ومراسل مؤسسة خدمة إخبارية (أي مراسل من كل من وكالتي آسوشيتد برس ورويترز) ويحدد لكل واحد منا دوره ضمن المكتب الصحفي.

"الكتاب المُنزل" المذكور هو كناية عن وثيقة مُفصلة جمعت بعناية فائقة على يد موظفي الحملة بحيث تسمح للجميع بتنظيم يومهم. وكل مراسل يكون لديه أولويات ومشاريع عمل مختلفة. فما هو الذي يبدو انه الحدث الرئيسي والمصدر المرجح لأهم أخبار ذلك النهار؟ هل هذا "وقت تقديم الأخبار"، أي كتابة وإرسال الروايات الإخبارية التي تكون متضمنة في البرنامج الزمني وعند النقاط الصحيحة فيه؟ يكون لمعظمنا مواعيد نهائية متعددة لتسليم مقالاتنا المختلفة بسبب اختلاف الجغرافيا وبرامج الإنتاج الفردية لمؤسساتنا. لكن هل هناك من حدث يمكنني تجاهله كي أتمكن من الإمساك بموظفي المرشح الذين احتاج إلى التحدث معهم لأجل تحليل إخباري أنا بصدد إعداده؟

الحملة الرئاسية الأميركية رقصة معقدة وغامضة يشارك فيها عدد كبير من الناس. انها بالنسبة لكل من ينخرط فيها عملية طويلة، مضنية، وأكثر إرهاقاً للبعض مما هي لغيرهم. فالمرشح الذي يحتل المرتبة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة في الانتخابات الأولية، مثلاً، سوف يحاول حشر مزيد من الأحداث في يومه، وعلى وجه التحديد، في الولايات الصغيرة ولكن الأساسية، مثل آيوا (أول مؤتمر حزبي مغلق  في البلاد) ونيو هامشاير (أول انتخابات تمهيدية)، حيث تحدث "سياسة التجزئة"، أي الاتصال وجهاً لوجه مع الناخبين، وحيث لا تكون ضرورية وحسب بل وأيضاً متوقعة.

التحضير للحملة

قبل الصعود إلى طائرة الحملة بزمن بعيد، أكون قد أجريت أبحاثاً عن أعضاء موظفي الحملة. من هم المستشارون، والخبراء الصحفيون، ومنظمو استطلاعات الرأي الذي يتقاضون أجراً؟ من هم المستشارون غير الرسميين الذين لا يتلقون أجراً ويتمتعون بنفوذ كبير لأنهم كانوا من أصحاب المناصب السابقة المحترمة، أو ناشطين، أو "خبراء" سياسة؟

وأكون قد استوعبتُ أيضاً استراتيجية الحملة. كم من الجهد سوف يُبذل في الولايات التي تجري فيها الانتخابات التمهيدية مثل آيوا، ونيو هامشاير، وساوث كارولينا؟ كيف ستتعامل الحملة مع "الانتخابات التمهيدية الكبرى" الجديدة في 5 شباط/فبراير 2008 التي ستجري في ذلك العدد الكبير من الولايات، بما فيها الولايات التي تعتبر قنابل ضخمة متفجرة مثل نيويورك، وكاليفورنيا، وفلوريدا، والقادرة على تحديد المرشح الرئاسي لكل حزب في ذلك اليوم قبل تسعة أشهر من يوم الانتخاب العام؟ في أي ولاية يكون المرشح قوي وفي أي ولاية هو ضعيف؟ في أي مناطق من كل ولاية يكون فيها المرشحون المختلفون أقوياء وضعفاء؟ كل هذه التفاصيل تُشكِّل أحجار البناء في أهم قرار سياسي يتخذه الشعب الأميركي، أي اختيار الرئيس.

ونحن، في الفريق الصحفي، نشكل عاملاً كبيراً في هذه العملية الانتخابية. لقد أصبحت الوسائل الإعلامية، بسبب تراجع الأحزاب السياسية، وفي نفس الوقت، ازدياد أهمية الانتخابات الأولية، أدوات لغربلة المرشحين. تقوم وظيفتنا على تقييم سياستهم، وصفاتهم الشخصية، مثل الذكاء، والمزاج، والصدق، والحكم على الأمور، والقدرة التنظيمية، وقدرة الإقناع، إضافة إلى مدى صلاحيتهم للرئاسة، وفي كل ذلك نساعد الناخبين على اتخاذ قرارات مُطّلعة في هذه المسألة الحيوية. لقد أخذنا هذا الدور بجدية منذ صدور كتاب: كيفية صُنع الرئيس 1960، وهو أشهر وأكثر الكتب مبيعاً للكاتب ثيودور وايت حول الحملة الرئاسية الناجحة لجون إف كينيدي ضد ريتشارد نيكسون.

العمل مع المصادر

إن إقامة العلاقات الجيدة مع الموظفين والمستشارين الذي يمكن ان يشكلوا مصدراً جيداً للمعلومات تقع في طليعة الأولويات للمراسلين السياسيين. وهي عملية متواصلة من تقييم الشخصيات، والتودّد، والدبلوماسية. ومفتاح ذلك يكمن في تحديد المصادر التي تعرف فعلاً ما الذي يجري في الحملة، ومن منه يقبل بمشاطرتك هذه المعلومات، وهذا مزيج نادر بكل من الحملة والمكتب البيضاوي للرئيس على حد سواء. المستشارون المهنيون الخارجيون هم أحياناً كثيرة أفضل لهذا الغرض من الموالين القدامى المخلصين للمرشح، لأنهم يعرفون انهم سوف يعودون على الأرجح للمشاركة في حملة قادمة، كما سأفعل أنا أيضاً، ولأننا سوف نحتاج إلى بعضنا البعض.

إنني أُقدّر أيضاً المستشارين الذين لا يتقاضون مالاً والذين يسعون وراء المصلحة السياسية القومية بدلاً من السعي إلى حياة مهنية أو استثمار شخصي من وراء الحملة. في إحدى الحملات الرئاسية الديمقراطية، تصادقت مع ناشط سياسي ودود ومن قدامى سباقات كينيدي الرئاسية. تناولنا طعام العشاء سوية على الطريق مرتين. عند نقطة ما، قرّر انه لا يمكنه بعد الآن قبول أخطاء الحملة وحساباتها الخاطئة. واعتقاداً منه ان بإمكانه الوثوق بي في تلقي القصة بشكل صحيح وحماية هويته في نفس الوقت، أعطاني نظرة عظيمة داخلية عن "خلفية" الحملة، مما يعني ان بإمكاني استعمال المعلومات لكن دون ذكر اسمه والتعريف عنه. كانت النتيجة إحدى أفضل تحليلات الحملة التي كتبتها.

في العام 1988، كنت أعمل مع صحيفة الواشنطن بوست وغطّيت يومها حملة السناتور آل غور في ما يُسمّى بانتخابات الثلاثاء الكبرى التمهيدية الذي أجرت خلاله عدة ولايات جنوبية انتخاباتها الأولية في نفس اليوم في محاولة منها لزيادة نفوذ تلك المنطقة في التسميات الرئاسية. (لقد أجاد غور في تلك الانتخابات لكن لم يكن يملك الموارد الكافية للانتخابات التمهيدية التالية في الولايات الشمالية). توقف غور في تينيسي، ولايته الأم، عند مستشفى يتضمن جناحاً جديداً للأطفال من أحدث ما عرفته التكنولوجيا. قابلنا هناك حاكم أركنساو آنذاك، بيل كلينتون، وقرّرت أنا عدم المشاركة في جولة المستشفى بل بإجراء مقابلة خاصة مع كلينتون. فقد كنت أعلم في محادثات سابقة انه كان محللاً سياسياً ممتازاً ويسهل الوصول إليه. وشكلت المقابلة وقتاً صرفته بطريقة مفيدة للغاية. وقد غطّيت غيابي بالاتفاق مع زميل من جريدة غير منافسة في الغرب الأوسط على أساس تزويده بفحوى مقابلتي مع كلينتون مقابل تزويده لي بأحداث الجولة في المستشفى.

تَوقَعُّ غير المتوقع

يحدد الكتاب المُنزل، أو "الإنجيل"، ما هو المُخطط، لكنه لا يستطيع استباق الألف حدث وحدث غير المتوقع الذي قد يبرز فجأة. عليّ ان أكون دائماً على استعداد للاستجابة لكل ما هو غير متوقع، والذي هو بالطبع ما يُميّز صناعة الأخبار: التطورات الجديدة في العراق، أو إجراءات الكونغرس الجديدة حول الهجرة أو العناية الصحية، أو كما أخبار مرشح خرج من الانتخابات التمهيدية لحزبه بسبب مشكلة في جمع المال، وهكذا دواليك.

هذه الانعطافات في الأحداث كثيراً ما يكون مرحباً بها لمجرّد كون المراسلين والناشرين يملّون من سماع نفس الخطب الدعائية للمرشح، أو الخطاب التقليدي المعتمد للحملة الانتخابية. وهذا ما يكرره المرشح المرة تلو الأخرى في كل محطة أمام حضور جدد يقدرون كلماته لكنها تقودنا نحن المراسلين إلى البحث باستمرار عن أخبار جديدة رئيسية أو عن قصص خاصة بنا أو تحليلية. غير انني، في إحدى الحملات، ألّفت وأرسلت ما ظننت انه قصة رائعة صوّرت فيها الأحداث الكبرى للحملة في ذلك اليوم بصورة بديعة، ورسمت فيها موقف المرشح بالنسبة لقضاياه الرئيسية الثلاث. كنت فخوراً جداً بالقصة وأرسلتها قبل الموعد النهائي المحدّد لها. ولكن، جاء الحدث التالي الذي أشار فيه مرشحي ان منافسه افتتح جولته الحالية بتأكيد، مشكوك بأمره، يشدد على أن ثاني أُكسيد الكربون الذي تطلقه أوراق الأشجار كان سبب السديم والضباب الأسود في سلسلة الجبال الشرقية الأميركية، مما أثار نقاشاً حامياً حول سياسته البيئية. وهكذا أمضينا اليومين التاليين مندفعين لرواية الخبر الجديد، وبذلك تم تدمير جهدي الأدبي المضني خلال الأيام السابقة بسبب ما اعتقدت انها مسألة سخيفة.

مع التكنولوجيا الأحدث للكمبيوترات النقالة وأجهزة البلاك بيري وما شابه، أصبحنا قادرين أكثر فأكثر على توقع التطورات حتى عندما نكون على الطريق. فبإمكاننا رصد مؤسسات الخدمات الأخبارية ومواقع الإنترنت لمنظمات الأخبار الأخرى. لم يعد علينا مطاردة موظفي ومستشاري الحملات لمعرفة ردات فعلهم على الأحداث العاجلة، إذ أنهم يسبقونا عادةً في الحصول عليها بمجرد إرسال بريد إلكتروني. ان إرسال الروايات الاخبارية من الطريق ضمن الوقت المحدد كان أمراً صعباً في العصر السابق للكمبيوترات والموديمات، لكن الاتصالات مع مكتب الأخبار في مركز الصحيفة أصبحت الآن متواصلة وفورية بفضل الهاتف الخليوي، والتواصل اللاسلكي مع الإنترنت، وموديمات ذات سرعة عالية تعمل عبر النطاق الواسع لإرسال واستلام الروايات الأخبارية، والمذكرات، ومستندات الخلفيات على كمبيوتراتنا النقالة. فمن الواضح أن التكنولوجيا الجديدة بما فيها الأقمار الصناعية قد سهلت أيضاً حياة طواقم التلفزيون، التي كانت تُشكِّل لهم عملية تصوير وإرسال الأخبار إلى المراكز الرئيسية في مدنهم، وفي الوقت المناسب لنشرة أخبار المساء، كابوساً لوجستياً يومياً.

غير ان التكنولوجيا الجديدة تعني أيضاً مزيداً من العمل. فمراسلو المنظمات الإخبارية التي تملك مواقع على شبكة الإنترنت ومحطات إذاعة يتوقع منهم إرسال الأخبار العاجلة إليها خلال النهار. ان أحداً منا، ولأسباب تقنية، لم يفهم أبداً لماذا أصبحت الأوقات المحددة للطبعة الأولى في كل من الصحيفتين اليوميتين الكبرتين حيث عملتُ، وهما الواشنطن ستار والواشنطن بوست، قبل ساعة، أي السابعة مساء بدلاً من الثامنة، بعد ان باتت غرف الأخبار تعمل عبر أجهزة الكمبيوتر. وهذا يعني أيضاً ان مكتب الأخبار أصبح بإمكانه الاتصال بك  بسهولة ليعرض أفكاراً حول قصص أخبارية كثيراً ما تكون غبية.

انها لحياة عظيمة ان كنت أنت لا كلّ. انها حياة للشباب والأقوياء الذين يستطيعون العمل 16 ساعة في اليوم وتأجيل موعد طعام العشاء إلى الحادية عشر ليلاً. عندما كنت شاباً ورجلاً قوياً (أي لغاية سن الخمسين)، كنت اعتبر هذا العمل تحدياً منعشاً ومنشطاً.

من أكثر الملاحظات التي كنت اسمعها بتكرار من الناس عندما كانوا يعلمون انني أعمل في صناعة الأخبار، "يبدو انه عمل مثير للاهتمام. يمكنك ان تتعلم شيئاً جديداً كل يوم". "أجل"، كنت أجيب، مفكراً لنفسي، "ليس لديكم أي فكرة عن ذلك".

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي