01 تشرين الأول/أكتوبر 2008

بقلم ديفيد بيتس
جو بايدن، سناتور أميركي يجلب معه لحملة باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية قيم الطبقة الوسطى وخبرة واسعة في مجال السياسة الخارجية.
الصحفي المستقل ديفيد بيتس محرر سابق لدى وزارة الخارجية الأميركية.
"إنني أعتبر دوري في المساعدة في إنهاء الإبادة الجماعية في البلقان، وفي ضمان إقرار قانون (محاربة) العنف ضد النساء، أهم وأكثر اللحظات التي أفخر بها في حياتي المهنية." هذا ما كتبه السيناتور جوزيف آر. بايدن، المرشح الديمقراطي لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة، في سيرته الذاتية لعام 2007 "وعود للوفاء بها: في الحياة والسياسة".
وتشكل جذور بايدن الاجتماعية عنصراً لا غنى عنه لفهم هذا التقييم الذاتي. فهو أيرلندي كاثوليكي، ولد لعائلة فقيرة في عام 1942 في سكرانتون، وهي مدينة في شمال شرق ولاية بنسلفانيا غالبية سكانها من الطبقة العاملة. وكانت والدته ربة منزل؛ في حين كان والده بائع سيارات. وانتقلت العائلة إلى ولاية ديلاوير عندما كان بايدن في العاشرة من عمره. وكان أول شخص في عائلته يحصل على شهادة جامعية، وهو خريج كلية الحقوق من جامعة سيراكيوز في ولاية نيويورك.

وقد وقعت نقطة التحول في مجرى حياة بايدن السياسية عندما تم انتخابه لأول مرة لمجلس الشيوخ الأميركي، كسناتور عن ولاية ديلاوير، في عام 1972 عندما كان يبلغ من العمر 29 عاماً. وقبل بضعة أسابيع من أدائه اليمين القانونية لتولي المنصب، قُتِلت زوجته وابنته في حادث سير. ونجا ابناه الصغيران من الحادث، ولكنهما أصيبا إصابات خطيرة. (تزوج بايدن مرة أخرى عام 1977، وأثمر هذا الزواج الثاني ابنة.) وما لبث أن واجه فاجعة أخرى في عام 1988 عندما تم تشخيص حالته بوجود تمدد كيسي دموي (aneurysm) في موقعين في الدماغ يحتمل أن يكونا فتاكين. وكان فترة النقاهة المؤدية إلى الشفاء طويلة ومؤلمة. فغاب عن مجلس الشيوخ لمدة سبعة أشهر، وكان طريح الفراش معظم تلك الفترة.
وقد سطر بايدن خلال حياته المهنية في مجلس الشيوخ سجلاً ليبرالياً في معظمه. وبالرغم من أنه محبوب من قِبل الجمهوريين وقد تعاون مع أعضاء الحزبين في مجلس الشيوخ إلا أنه كان يدعم حزبه في المقام الأول. فقد صوت على سبيل المثال، كما تقول جريدة الواشنطن بوست، إلى جانب الديمقراطيين في الكونغرس الحالي، 96.6 بالمئة من الوقت. وكتب مايكل غوردون في جريدة النيويورك تايمز إن بايدن "يعتبَر، على نطاق واسع، أممياً متحرراً غير متزمت التفكير. وقد أكد على الحاجة إلى الديبلوماسية، ولكنه كان مستعداً أحياناً لمساندتها بالتهديد باستخدام القوة."
وقد ركز بايدن في سنواته الأولى في مجلس الشيوخ على القضايا المحلية، لا سيما الحريات الشخصية، وفرض تطبيق القانون، والحقوق المدنية. وقد أصبح عضواً في اللجنة القضائية التابعة لمجلس الشيوخ في عام 1975، وكان رئيسها من عام 1987 إلى عام 1995. وأهم إنجازات بايدن التشريعية خلال هذه الفترة، كان قانون (مكافحة) العنف ضد النساء (1994)، الذي صاغه بنفسه ومثل نقطة تحول اجتماعي. وقد وفر هذا القانون مليارات الدولارات من الخزينة الفدرالية لمكافحة الجرائم التي تقع بسبب اختلاف الجنسين (جرائم ضد النساء عادة). ولكن بايدن كان يخرج أحياناً عن الرأي الليبرالي التقليدي. فعلى سبيل المثال، كان مؤيداً قوياً لقوانين أكثر صرامة بالنسبة للعقوبات المتعلقة بقضايا المخدرات. كما عارض نقل التلاميذ في حافلات إلى مدارس خارج أحيائهم بهدف تحقيق الدمج العنصري في المدارس رغم أنه أكد في نفس الوقت التزامه بالحقوق المدنية.
وجهة نظر في الشؤون الخارجية
حقق بايدن مكانة مرموقة في مجلس الشيوخ في مجال الشؤون الخارجية. فقد ظل منذ العام 1975، عضواً في لجنة العلاقات الخارجية ذات النفوذ التابعة لمجلس الشيوخ، وشغل منصب رئيسها من العام 2001 وحتى العام 2003، ومن العام 2007 حتى الآن. وقد تم تعيين أوباما في هذه اللجنة بعد أن تم انتخابه لعضوية مجلس الشيوخ في العام 2004، وتعرّف على بايدن جيداً أثناء عملهما معا فيها. ويرأس أوباما حالياً لجنة أوروبا الفرعية التي كان بايدن يرأسها سابقاً. ولكن أوباما وبايدن اختلفا حول قضية أساسية من قضايا السياسة الخارجية، إذ حيث صوت بايدن إلى جانب قرار مجلس الشيوخ النهائي الذي خول غزو الولايات المتحدة للعراق، في حين صرّح أوباما (الذي لم يكن قد أصبح عضواً في مجلس الشيوخ بعد) بمعارضته له.
غير أن بايدن عمل قبل التصويت على القرار النهائي مع السيناتور الجمهوري رتشارد لوغار، السناتور عن ولاية إنديانا، بهدف تحقيق إصدار قرار لا يجيز القيام بعمل عسكري إلا بعد استنفاد الجهود الديبلوماسية. وقد صوت بايدن بالموافقة على تخويل الحرب بعد أن تم رفض ذلك القرار. إلا أنه صوت كذلك ضد تعديل كان من شأنه أن يفرض على حكومة بوش السعي إلى الحصول على تخويل إضافي قبل غزو العراق. وبحلول العام 2005، وصف بايدن تصويته بشأن العراق بأنه "خطأ." وفي ظهور مشترك في سبرينغفيلد في ولاية إلينوي، بعد اختيار أوباما لبايدن كرفيقه المرشح لمنصب نائب الرئيس، قال حامل راية الحزب الديمقراطي إن نائبه "خبير في السياسة الخارجية، وقلبه وقيمه متأصلان بقوة في الطبقة الوسطى." كما قام أوباما بوصف بايدن بأنه "منتقد قوي لسياسة بوش- ماكين الخارجية، وصوت نادى بتوجه جديد ينقل القتال إلى الإرهابيين وينهي الحرب في العراق بشكل مسؤول."
وقد قام بايدن خلال فترة وجوده في لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ برحلات كثيرة إلى الخارج وله علاقات تصل إلى حد استخدام الأسماء دون أي ألقاب، ليس فقط مع العديد من القادة الأجانب، وإنما أيضاً مع نائبيهم وكبار مساعديهم – إضافة إلى قادة المعارضة. وقد عالج قضايا هامة مثل الحد من التسلح، وانتشار الأسلحة النووية، وتوسيع الناتو، وتنافس القوى العظمى، والعلاقات الأميركية مع العالم الثالث. كما كان مؤيداً قوياً لمبادرة مكافحة الإيدز العالمية، ومن أوائل المؤيدين للجهود الدولية للسيطرة على انبعاثات غاز الكربون وظاهرة الاحتباس الحراري. (وضع بايدن أول تشريع مقترح للسيطرة على المناخ قبل عقدين.) كما ساند عموماً معاهدات التجارة الحرة. وأولى السيناتور، الذي قضى فترة طويلة في هذا المنصب، إفريقيا اهتماماً خاصاً. وقد كان من أوائل منتقدي نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. وأيد اتخاذ إجراءات أقوى لوقف إراقة الدماء في دارفور.
ويرى معظم المراقبين أن أهم إنجاز حققه بايدن في مجال السياسة الخارجية هو جهوده المبذولة في محاربة الأعمال العدائية في البلقان خلال التسعينات من القرن العشرين. وقد اعتُبر بايدن صوتاً مؤثراً في حث إدارة كلينتون على اتخاذ إجراءات ضد الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش. ولدى ظهورهما معاً في سبرينغفيلد، قال أوباما إن بايدن "ساعد في تشكيل سياسات أدت إلى وضع حد لأعمال القتل في البلقان." وقد حث بايدن، بشكل محدد، على التدخل لوقف التطهير العرقي ضد المسلمين في البوسنة. كما دعم في وقت لاحق حملة القصف التي قامت بها قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإجبار صربيا على مغادرة كوسوفو.
وقد ترشح بايدن مرتين للرئاسة، المرة الأولى في العام 1988، والثانية هذا العام. ولم يوفّق في المرتين. وقالت حملة أوباما إنه تم اختيار بايدن كمرشح لمنصب نائب الرئيس لعدة أسباب، ولكنها أشارت بشكل بارز خبرة السناتور عن ولاية ديلاوير وسجله في حقل السياسة الخارجية. وسوف يكون بايدن، في حال انتخابه، أول نائب كاثوليكي لرئيس الولايات المتحدة وأول نائب للرئيس من ولاية ديلاوير.
الآراء المُعبًّر عنها في هذه المقالة لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.