انتخابات سنة 2008 | دليل الانتخابات الأميركية للعام 2008

10 تشرين الأول/أكتوبر 2008

الفوز بالغالبية في الهيئة الانتخابية

 
المرشح الجمهوري جون ماكين يقوم بحملته الانتخابية في أوهايو، إحدى الولايات المنقسمة بصورة متقاربة.

نظام الهيئة الانتخابية يجعل من انتخاب رئيس الولايات المتحدة أمرا أشد تعقيداً من مجرّد تعداد كافة الأصوات الشعبية. فعلى الحزبين السياسيين الرئيسيين وضع استراتيجيات مبتكرة لكسب أصوات بضع "ولايات متأرجحة" يمكنها تحديد نتيجة الانتخابات.

ديفيد مارك محرر رئيسي في مجلة بوليتيكو المطبوعة والمنشورة على موقع الإنترنت politico.com، التي تغطي أخبار السياسة الأميركية القومية.

بقلم ديفيد مارك

يُدلي الأميركيون بأصواتهم لانتخاب رئيس للولايات المتحدة كل أربع سنوات، ولكن، ومهما بدا ذلك الأمر غريباً، ليست هناك انتخابات قومية. وبدلاً من ذلك يصوت الأميركيون لهذا المنصب القومي في 51 عملية انتخابية فردية تجري في الولايات الخمسين وفي مقاطعة كولومبيا (واشنطن العاصمة). وعند جمعها معاً، يشكل هذا المجموع الهيئة الانتخابية ويقرر نتيجة الحملات الانتخابية الرئاسية.

إن تشكيل الغالبية في الهيئة الانتخابية يعتبر مهمة مُعقدة. تُنفق الحملات الرئاسية ساعات لا تحصى في ابتداع استراتيجيات تؤمّن الحصول على الرقم السحري، ألا وهو 270 صوتاً من أصوات أعضاء الهيئة الانتخابية، أي الغالبية من مجموعة 538 صوتاً. ومن المحتم أن يعني تأمين غالبية أصوات الهيئة الانتخابية إنفاق الوقت الثمين والموارد في إحدى الولايات على حساب ولايات أخرى. وخلال الأسابيع  النهائية التي تسبق يوم الانتخاب، يترتب على المُشرفين على الحملات الانتخابية اتخاذ قرارات صعبة في كل يوم حول الولايات التي ينبغي استهدافها بجدية وتلك التي يمكن التخلي عنها. إن الخطأ في اختيار الولايات لتنفيذ الحملات قد يعني الفرق بين فوز المرشح بالبيت الأبيض وبين تركه خارجاً في الجليد السياسي يوم تولي منصب الرئاسة في 20 كانون الثاني/يناير.

ومهما يكن من أمر، فإن الحقائق السياسية تعني أيضاً أن غالبية الولايات، والتي قد يبلغ عددها 30 أو ما يقرب من ذلك، قد تكون على الأرجح ديمقراطية أو جمهورية ولا مجال للتنازع الانتخابي الجدي حولها. وهكذا، فإن إنفاق الوقت والمال في هذه الولايات المضمونة النتائج قد يُشكِّل هدراً جدياً لوقت أي من الحملتين الانتخابيتين.

ميدان تنافس يراوح مكانه

أظهر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تناقصاً مستمراً في الأهداف الواضحة مقارنة مع الانتخابات الرئاسية السابقة. واللافت للنظر انه لم تحصل سوى تبدلات طفيفة بين عام 2000 وعام 2004 في خريطة الانتخابات الرئاسية. وفي الواقع لم تبدل سوى ثلاث ولايات مواقفها السياسية: ولايتا آيوا ونيو مكسيكو تحولتا من دعم المرشح الديمقراطي آل غور في عام 2000 إلى دعم الرئيس الجمهوري جورج بوش عام 2004، وولاية نيو هامبشاير التي دعمت بوش عام 2000 تحولت بعد أربع سنوات إلى دعم المرشح الديمقراطي جون كيري. يُشكِّل هذا الوضع أحد أكثر الخرائط الرئاسية التي تراوح مكانها في الذاكرة الحديثة.

غير أنه في العام 2004، تحدد قرار 13 ولاية بنسبة سبع نقاط مئوية أو أقل، وهذه الولايات هي: كولورادو، فلوريدا، آيوا، مشيغان، مينسوتا، نيفادا، نيوهامشاير، نيوجرسي، نيو مكسيكو، أوهايو، أوريغون، بنسلفانيا، وويسكنسن. وهكذا، فإن واضعي استراتيجيات الحملات الانتخابية للمرشح الجمهوري جون ماكين، والمرشح الديمقراطي باراك أوباما أصبحوا يبحثون في عام 2008 عن طرق لتوسيع ميدان اللعب وجعل عدد أكبر من أصوات الهيئة الانتخابية في الولايات تدخل إلى ميدان التنافس.

فعلى سبيل المثال، تدعو خطة أوباما إلى توسيع الخريطة الانتخابية من خلال تحدي ماكين في ولايات تدين بالولاء في العادة إلى الحزب الجمهوري ومن ضمنها نورث كارولينا وميزوري ومونتانا. بينما تهدف استراتيجية ماكين إلى التنافس لكسب ولايات صوتت مؤخراً للحزب الديمقراطي مثل بنسلفانيا، حيث هزمت السناتور هيلاري كلينتون أوباما في الانتخابات التمهيدية لتسمية الحزب الديمقراطي للمرشح الرئاسي، وكذلك الأمر بالنسبة لولاية مشيغان حيث لم يتنافس أوباما في الانتخابات التمهيدية. يتكهّن مسؤولون من الحملتين بكثير من الثقة بأنهم سوف يكسبون إلى جانبهم ولايات كانت قد أيدت الحزب الآخر في الانتخابات الأخيرة.

استراتيجيات الهيئة الانتخابية

تبدأ مسيرة أوباما في طريقه إلى كسب العدد اللازم من أصوات الهيئة الانتخابية ال 270 بالمحافظة أولاً على نتيجة كل ولاية كسب أصواتها جون كيري عام 2004، وبتركيز اهتمامه على عدد محدود من الولايات التي يعتقد مستشارو أوباما أنها أصبحت ناضجة للتحول إليه. كان كيري قد كسب 252 صوتاً من أصوات الهيئة الانتخابية. وبغية كسب 18 صوتاً آخر مطلوباً من هذه الأصوات، سوف يستهدف أوباما في حملته ولايات آيوا، فيرجينيا، نورث كارولينا، نيو مكسيكو، نيفادا، وكولورادو، من بين ولايات أخرى. كما تشمل قائمته ولاية أوهايو حيث خسر في الانتخابات التمهيدية لصالح كلينتون، بينما تحولت هذه الولاية في انتخابات منتصف الولاية عام 2006 دراماتيكياً إلى الديمقراطيين. ويأمل ماكين، من جهته، أن يساعده الناخبون في الاحتفاظ بولاية اوهايو التي كانت حرجة لنجاح الجمهوريين خلال الانتخابات الرئاسية الماضيتين، وأن يحول ولايات مشيغان ، وبنسلفانيا، وويسكونسن، إلى صف الحزب الجمهوري.

ولكن أحياناً لا تتجلى للعيان استراتيجيات الحملات لاستهداف أصوات الهيئات الانتخابية للولايات. فالحملات هذه كثيراً ما تمارس خدعاً متقنة لكي تبدو كما لو أنها تُنفق مبالغ طائلة لكسب ولاية ما، في حين لا يكون لديها في الواقع هذه النية. الفكرة من وراء ذلك هي إجبار الحملات المنافسة على إنفاق وقت ثمين وأموال كبيرة في ولايات قد تكون في العادة آمنة لهم، أي أنهم يلعبون من موقع دفاعي في ملاعب تخصهم.

هناك مثال كلاسيكي لهذه الاستراتيجيات المسماة "تزييف الاتجاه" قد  برز خلال الأيام الأخيرة المشحونة من الحملات الرئاسية عام 2000 عندما كان نائب الرئيس الديمقراطي آل غور مرشحاً لخلافة رئيسه الرئيس بيل كلينتون، في حين كان المرشح الجمهوري، حاكم ولاية تكساس، هو جورج دبليو بوش. في تشرين الأول/أكتوبر 2000، وقبل بضعة أسابيع من يوم الانتخابات، اتخذت إدارة حملة بوش قراراً مشكوكا بصوابه يقضي بنشر إعلانات مُكلفة على التلفزيون وعبر الإذاعات في ولاية كاليفورنيا التي تعتبر أم الممرات لكسب الانتخابات الرئاسية بسبب ال 54 صوتاً (أصبح عددهم الآن 55 صوتاً) الذين يمثلونها في الهيئة الانتخابية. أنفق فريق بوش ما يزيد عن مليون دولار في نشر إعلانات في وسائل الإعلام المكلفة الموجودة في ولاية كاليفورنيا، مثل لوس انجلس وسان فرانسيسكو وسان دييغو، وأنفق المرشح الجمهوري لنيابة الرئيس، ديك تشيني، يوماً ثميناً في التجول عبر تلك الولايات خلال الأيام الأخيرة للحملة.

المرشح الديمقراطي باراك أوباما يقوم بحملته الانتخابية في أوهايو حيث خسر في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لصالح هيلاري كلينتون

لكن حملة غور لم تبتلع الطعم. ولثقته بالدعم الديمقراطي القوي في كاليفورنيا، فقد ركز الفريق الديمقراطي إنفاق موارده المحدودة في أماكن أخرى. وقد تبيّن ان تلك الاستراتيجية كانت ذكية نظراً لأن غور فاز في كاليفورنيا بسهولة: حصل على نسبة 53 بالمئة من الأصوات مقابل 42 بالمئة حصل عليها بوش.

وأمّا في أوهايو، فقد انسحبت حملة غور في وقت باكر فحرمت نفسها فرصة محتملة بكسب أصوات الولاية ال 21 في الهيئة الانتخابية. وفي حين توقعت حملة غور إحراز نصر جمهوري كبير في اوهايو، تبيّن أن بوش فاز فيها بفارق 3.5 نقطة مئوية فقط . وكان من الممكن، عبر توجيه اهتمام أكبر لأوهايو، أن تختلف النتيجة فعلياً على مستوى الولاية وأن يضمن ذلك نصراً في الولايات يحقق وصول غور للرئاسة.

وبصورة مماثلة، ذكر المرشحون في انتخابات عام 2008 عدة ولايات يمكن أن تكون هدفاً للمنافسة، لكن في الواقع من المحتمل أن لا تكون كذلك. قال مساعدو أوباما ان بعض الولايات التي ينوون القيام بحملات فيها، مثل جورجيا، ميزوري، مونتانا، ونورث كارولينا، قد لا تتحول في نهاية المطاف من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي. إلاّ أن نتيجة بذل جهودهم هناك قد يفرض على ماكين إنفاق الأموال أو القيام بحملات انتخابية في ولايات تعتبر ميداناً آمناً له بدلاً من استخدام تلك الموارد في ولايات تمثل ساحة معارك متأرجحة كولاية اوهايو.

الفائز يحصل على كل شيء

إن أكثر ما يثير إحباط واضعي استراتيجيات الحملات الرئاسية هي القاعدة المُتبعة في كل ولاية تقريباً التي تنص على أن الفائز في الانتخابات التي تجري على مستوى الولاية يحصل على كافة أصوات هذه الولاية في الهيئة الانتخابية، بغض النظر عن مدى ضيق الهامش بين المتنافسين. في عام 2000، فاز جورج بوش في انتخابات فلوريدا الشهيرة، وبالتالي فاز بالرئاسة بأغلبية 537 صوتاً من اصل اكثر من 6 ملايين صوت في تلك الولاية المشمسة. لكن، حتى ذلك الهامش الضيق جداً لم يصبح واقعاً رسمياً إلاّ بعد مرور 36 يوماً من المشاحنات القانونية وصدور قرار من المحكمة العليا يوقف عملية إعادة تعداد الأصوات في جميع أنحاء الولاية. وهو ما كان كافياً لفوز لائحة الجمهوريين بكافة أصوات الولايات في الهيئة الانتخابية، وبالرئاسة.

في عام 1988، فاز المرشح الجمهوري جورج بوش ب 426 صوتاً من أصوات الهيئة الانتخابية مقابل 112 صوتاً فاز بهم المرشح الديمقراطي مايكل دوكاكيس حاكم ولاية مساتشوسيتس مما جعل ذلك يبدو على انه نصر كاسح. لكن هوامش انتصار بوش في العديد من الولايات كانت هزيلة نسبياً، ومكّنته من تحقيق نصر واسع لكن دون عمق (كاليفورنيا 51 مقابل  48 بالمئة، كوناتيكت 52 مقابل 47 بالمئة، ايلينوي 51 مقابل 48 بالمئة، ماريلاند 51 مقابل 48 بالمئة، ميزوري 52 مقابل 48 بالمئة، نيو مكسيكو 52 مقابل 47 بالمئة، بنسلفانيا 51 مقابل 48 بالمئة، فيرمونت 51 مقابل 48 بالمئة). ولم تكن الفروقات بالأصوات كبيرة في الولايات الأخرى الغنية بأصوات الهيئة الانتخابية. وهكذا، لربما كان الديمقراطيون قد استطاعوا الفوز في الانتخابات لو أنهم نفذوا حملة تصدت بدرجة اكبر للهجوم ضدهم وكانوا أكثر إقداما في توضيح برنامجهم حول القضايا السياسية.

وفي عام 2000، خسر غور في نيوهامشاير بنسبة 48.1 بالمئة مقابل 46.8 بالمئة. كان ذلك هامشاً حرجاً لأن أصوات الهيئة الانتخابية الأربعة لنيوهامشاير كانت ستمنح آل غور غالبية 271 صوتاً، مما سيجعل نتائج فلوريدا المتنازع عليها غير ذات أهمية. كما أنه كان بإمكان انتصار آل غور في ولايته الأم تنيسي عام 2000 إنهاء العملية الانتخابية لصالحه. وبدلاً من ذلك، ذهبت أصوات تنيسي إل 11 في الهيئة الانتخابية إلى بوش بسبب فارق قدره 4 نقاط مئوية مما جعل غور أول مرشح رئاسي يخسر في ولايته الأم منذ خسارة الديمقراطي جورج ماك غفرن عام 1972 الذي جعلته يخسر الرئاسة.

قابلية النجاح في الانتخابات العامة

عندما يقترع الناخبون في الانتخابات التمهيدية للحزبين الديمقراطي والجمهوري لصالح مرشح حزبهم، يأخذون في عين الاعتبار ليس المرشح الذين يفضلونه استناداً إلى مسائل وصفات شخصية وحسب بل وأيضاً أي واحد من المرشحين يملك الحظ الأوفر بالفوز في الانتخابات العامة في تشرين الثاني/نوفمبر.

هذا هو السبب الكبير الذي يفسر فوز جون كيري في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عام 2004 على الحاكم السابق لولاية فيرمونت هوارد دين. ففي وقت مبكر من الدورة الانتخابية، أدى انتقاد دين العنيف للحرب العراقية ولسياسات إدارة بوش بصورة عامة، إلى رفعه إلى صدارة مجموعة المرشحين للرئاسة للحزب الديمقراطي. طرقت بلاغته النارية على وترٍ حساس لدى الناخبين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي الذين كانوا محبطين لأن العديد من قادة حزبهم في الكونغرس لم يكونوا راغبين في تحدي بوش بقوة.

لكن أداء دين غير المتكافئ في مسار الحملة وعدم خبرته في السياسات القومية دفع الناخبين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي إلى اختيار كيري في نهاية المطاف، وهو السناتور الذي امضى حوالي 20 سنة في مجلس الشيوخ. كان كيري ذا وزن معروف وكان خطيبا مفوها، وان لم يكن مُلهماً، وتصور الناخبون أنه سيكون خصماً أعتى ضد بوش. قال أحد الظرفاء، عقب الانتخابات التمهيدية، إن العديد من الديمقراطيين "غازلوا دين ولكنهم تزوجوا كيري".

أصبحت خريطة الهيئة الانتخابية مسألة رئيسية في معركة تسمية المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي عام 2008. ففي سباق استمر حوالي ستة أشهر، ولم تتقرر نتيجته إلاّ بعد أن تمت كافة عمليات الاقتراع في الانتخابات التمهيدية والاجتماعات الانتخابية الحزبية في الولايات، كانت هيلاري كلينتون تجادل بأنها هي يجب أن تكون مرشحة حزبها لكونها تملك فرصة افضل من منافسها المرشح باراك اوباما للانتصار على مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين في الانتخابات العامة.

أشارت كلينتون إلى انتصاراتها في الانتخابات التمهيدية التي جرت في الولايات المتأرجحة كأوهايو، وبنسلفانيا، ووست فيرجينا. ولم يبدو أن هذا الرأي كان له أثر كبير لدى الديمقراطيين الذين اختاروا اوباما كمرشح حزبهم لمواجهة ماكين.

سوف يعرف الديمقراطيون في 4 تشرين الثاني/نوفمبر ما إذا كانت الأصوات العامة للناخبين سوف تبرر خيار الحزب في تسمية أوباما. وفي نهاية المطاف، فإن الائتلاف الفائز بأصوات الهيئة الانتخابية يُشكِّل هدفاً متحولاً باستمرار خلال الحملات الانتخابية. ربما كان الأمر الأكثر إثارة للإحباط، هو أنه الوجه الوحيد تقريباً في نظام الحكم الأميركي الفائز بأكبر عدد من الأصوات الشعبية في الانتخابات العامة لا يكون تلقائياً هو المنتصر في الانتخابات. ومع النشاط المحموم لأوباما وماكين في حملاتهما الانتخابية خلال الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات لكسب 270 صوتاً انتخابياً على الأقل، فإن الفريق الذي يبدو أنه يحظى بتوليفة كاسبة يمكن أن يخسر في الإجراء الوحيد المؤثر في النهاية، وهو تعداد أصوات الناخبين في كل ولاية بعد أخرى يوم الانتخابات.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي