01 ايلول/سبتمبر 2009

نشأت مبادئ الليبرالية والديمقراطية، أي الأسس السياسية للولايات المتحدة، بصورة طبيعية من عملية بناء مجتمع جديد على أرضٍ بكر. وبنفس الصورة الطبيعية، كان المتوقع للدولة الجديدة أن ترى نفسها بأنها مختلفة واستثنائية. أما أوروبا فكانت تنظر إلى تلك الدولة إما بخشية، أو بأمل.
نضجت المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة خلال القرن الثامن عشر. نمت هذه المستعمرات من حيث عدد السكان، والقوة الاقتصادية، والتطور الثقافي. كما كانت تملك خبرة في الحكم الذاتي، إلاّ أنه سوف تنقضي 170 سنة على تأسيس أول مستوطنة دائمة في جيمستاون، بولاية فيرجينيا، قبل أن تبرز الولايات المتحدة الأميركية كدولة ذات سيادة.
كانت المعارك الحربية بين بريطانيا وفرنسا في الخمسينيات من القرن الثامن عشر تدور رحاها جزئياً في أميركا الشمالية. وقد انتصرت فيها بريطانيا التي ما لبثت ان وضعت سياسات للسيطرة على إمبراطوريتها الواسعة ولطرق تمويلها. فرضت هذه الإجراءات تقييدات أكبر على أسلوب حياة المستوطنين الأميركيين.
وضع المرسوم الملكي الصادر عام 1763 قيوداً على فتح أراضٍ جديدة للاستيطان. وفرض قانون السكر للعام 1764 ضرائب على السلع الكمالية، بما في ذلك البن، والحرير، والنبيذ، ومنع استيراد مشروب الرم. حرّم قانون العملات للعام 1764 طباعة العملات الورقية في المستعمرات. أجبر قانون إيواء الجنود للعام 1765 المستوطنين على تزويد الجيوش الملكية بالطعام والمأوى. وفرض قانون الطابع للعام 1765 وضع طوابع ملكية على كافة المستندات القانونية، والصحف، والرخص، وعقود الإيجار.
اعترض المستوطنون على كافة هذه الإجراءات ولكن قانون الطابع أشعل أكبر مقاومة منظمة. كانت المسألة الرئيسية في نظر عدد متزايد من المستوطنين ان الضرائب تفرض عليهم من مجلس تشريعي بعيد لا يستطيعون المشاركة في عضويته. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1765 اجتمع في نيويورك 27 مندوباً من تسع مستعمرات لتنسيق جهود إلغاء قانون الطابع. فاتخذوا قرارات تؤكد حق المستعمرات الفردية في فرض ضرائبها الخاصة.
خلق مفهوم الحكم الذاتي قادة سياسيين محليين، وكان هؤلاء هم الرجال الذين عملوا سوية لهزيمة ما اعتبروه قوانين قمعية يسنها البرلمان الإنجليزي. لكن بعد ان نجحوا في ذلك انتهت حملتهم المنسقة ضد بريطانيا، وخلال عدة سنوات تالية حاول عدد صغير من الراديكاليين إبقاء هذا الخلاف حياً. ولم يكن هدف هؤلاء تسوية الخلافات، بل الاستقلال.
كان سامويل أدامز من مساتشوستس الشخص الأكثر فعالية. كتب مقالات في الصحف وألقى خطبا يستثير فيها النزعات الديمقراطية لدى المستوطنين، وساعد في تنظيم لجان عبر المستعمرات أصبحت تُشكِّل الأساس لحركة ثورية. وبحلول عام 1773، استقطبت الحركة تجاراً من المستوطنين كانوا غاضبين من المحاولات البريطانية لتنظيم تجارة الشاي. في كانون الأول/ديسمبر، تسللت مجموعة من الرجال إلى ثلاث بواخر بريطانية كانت راسية في ميناء بوسطن وألقوا حمولتها من الشاي في عرض البحر.
من أجل معاقبة مساتشوستس على هذا التخريب المتعمد، أمر البرلمان البريطاني بإغلاق ميناء بوسطن، ووضع قيوداً على السلطة المحلية. أعطت هذه الإجراءات الجديدة، التي لقبت بالقوانين التي لا تطاق، عكس النتائج المرجوة منها. فبدلاً من عزل مستعمرة واحدة، أدت إلى حشد جميع المستعمرات الأخرى معها. أرسلت كافة المستعمرات باستثناء جورجيا ممثلين عنها إلى اجتماع عقد في فيلادلفيا في أيلول/سبتمبر 1774 لمناقشة "الوضع المحزن الحالي". كان هذا الاجتماع هو المؤتمر القاري الأول.
كان شعور الإحباط والغضب يتأجج في نفوس المستوطنين بسبب تعدي البريطانيين على حقوقهم. ومع ذلك لم يكن هناك أي إجماع على الإطلاق حول ما يجب عمله. أراد الموالون البقاء رعايا للملك. وفضّل المعتدلون الوصول إلى تسوية تؤدي إلى قيام علاقة أكثر قبولاً مع الحكومة البريطانية. وأراد الثوريون الحصول على استقلال كامل. فبدأ هؤلاء بتكديس الأسلحة وتجنيد القوات، بانتظار مجيء اليوم الذي سيتوجب عليهم فيه القتال من أجل الحصول على الاستقلال.