01 ايلول/سبتمبر 2009

بدأت الثورة الأميركية، أو حرب الاستقلال عن بريطانيا، كمناوشات صغيرة بين القوات البريطانية والمستوطنين المسلحين في 19 نيسان/أبريل 1775.
انطلقت القوات البريطانية من بوسطن في مساشوستس لمصادرة الأسلحة والذخائر التي جمعها المستوطنون الثوار في القرى المجاورة. واجهت هذه القوات في لكسينغتون مجموعة من مقاتلي "المينيتمن" أو رجال الدقيقة، الذين حصلوا على هذا اللقب لأنهم كما قيل كانوا يصبحون جاهزين للقتال خلال دقيقة واحدة. أراد هؤلاء القيام باحتجاج صامت فقط وأمرهم قائدهم بعدم إطلاق النار ما لم تطلق النار عليهم أولاً. أمر البريطانيون مقاتلي المينيتمن بالتفرق وامتثل هؤلاء للأمر. وعندما بدأوا ينسحبون أطلق أحدهم النار. هاجمت القوات البريطانية المينيتمن بالبنادق والحراب.
اندلع القتال في أماكن أخرى على امتداد الطريق عندما كان الجنود البريطانيون عائدين إلى بوسطن وهم يرتدون بزاتهم العسكرية الحمراء البراقة. قتل او جرح اكثر من 250 من أصحاب "السترات الحمراء" وخسر الأميركيون 93 رجلاً.
تواصلت الصدامات القاتلة حول بوسطن بينما سارع مندوبو المستوطنين إلى فيلادلفيا لمناقشة الوضع. صوتت الغالبية لصالح إعلان الحرب ضد بريطانيا ووافق المندوبون على توحيد قوات ميليشيا المستعمرات ضمن جيش قاري، وانتخبوا جورج واشنطن من فيرجينيا قائداً عاماً لهذا الجيش. لكن في نفس الوقت تبنى المؤتمر القاري الثاني قراراً سلمياً يحث الملك جورج الثالث على منع حصول أعمال عدائية لاحقة. رفض الملك هذا الطلب وفي 23 آب/أغسطس أعلن ان المستعمرات الأميركية أصبحت في حالة عصيان.
تكثفت الدعوات للاستقلال خلال الأشهر التالية. ساعد واضع النظريات السياسية الراديكالي توماس باين في بلورة الجدل القائم حول الانفصال. في نشرة اسماها "المنطق السليم" (كومون سنس) التي بيع منها 100 ألف نسخة، هاجم فكرة الملكية الوراثية. وقدم وسيلتين بديلتين لأميركا: إما الخضوع المتواصل لنظام حكم ملك مستبد ونظام حكم بالٍ وإما حرية وسعادة العيش كجمهورية مستقلة، ذاتية الاكتفاء.

شكل المؤتمر القاري الثاني لجنة ترأسها توماس جيفرسون من فرجينيا لإعداد وثيقة توجز الشكاوى المرفوعة ضد الملك وتفسر قرارات المستعمرات بالانفصال. تم تبني وثيقة الاستقلال هذه في 4 تموز/يوليو 1776 وأصبح يحتفل بيوم 4 تموز/يوليو منذ ذلك الحين كيوم الاستقلال الأميركي.
لم تعلن وثيقة الاستقلال مجرد ولادة دولة جديدة فحسب، بل وضعت أيضا نظرية فلسفية لحرية الإنسان أصبحت فيما بعد قوة محركة عبر العالم. استمدت هذه الوثيقة كلماتها من أفكار سياسية فرنسية وبريطانية، ولا سيما تلك الأفكار التي أوردها جون لوك في بحثه "الرسالة الثانية حول نظام الحكم"، التي أعاد فيها تأكيد الاعتراف بأن الحقوق السياسية هي حقوق إنسانية أساسية ولذلك فهي حقوق عالمية.
لم يجعل إعلان الاستقلال الأميركيين أحراراً. هزمت القوات البريطانية الجيوش القارية في نيويورك وطردتها من لونغ آيلاند باتجاه مدينة نيويورك. كما هزمت القوات البريطانية القوات الأميركية في براندي واين، بمنطقة بنسلفانيا، واحتلت فيلادلفيا وأجبرت المؤتمر القاري على الفرار. ولكن القوات الأميركية انتصرت في ساراتوغا بمنطقة نيويورك كما في ترنتون وبرينستون في نيو جيرسي. إلاّ أن جورج واشنطن ظلّ يكافح على الدوام للتمكن من الحصول على الرجال والمواد التي كان بأمس الحاجة إليهم.
جاءت المساعدة الحاسمة عام 1778 عندما اعترفت فرنسا بالولايات المتحدة ووقعت معاهدة دفاعية ثنائية معها. لكن دعم الحكومة الفرنسية استند إلى أسباب جيوسياسية وليس إلى أسباب أيديولوجية. فقد أرادت فرنسا إضعاف قوة بريطانيا عدوتها اللدود منذ زمن طويل.
تواصل القتال الذي انطلق من لكسينغتون، مساتشوستس لمدة ثماني سنوات وغطى قسماً كبيراً من القارة. جرت المعارك بدءاً من مونتريال، بكندا في الشمال ووصولاً إلى سافانا، في جورجيا في الجنوب. استسلم جيش بريطاني هائل في يورك تاون، بفرجينيا عام 1781 ومع ذلك استمرت الحرب بنتائج غير حاسمة لمدة سنتين أخريين. وفي نهاية المطاف، تمّ توقيع معاهدة سلام في باريس في 15 نيسان/أبريل 1783.
كانت للثورة الأميركية أهمية تجاوزت حدود أميركا الشمالية بشوط كبير. فقد جذبت الثورة انتباه واضعي النظريات السياسية في أوروبا، وعززت مفهوم الحقوق الطبيعية عبر العالم الغربي. وجذبت شخصيات ذات شأن مثل تاديوس كوشيوسكو، وفريدريك فون ستوببن، والمركيز دي لافاييت، الذي انضم إلى الثورة الأميركية. وقد أمل هؤلاء في نقل الأفكار الليبرالية للثورة الأميركية إلى بلادهم.
اعترفت معاهدة باريس باستقلال وحرية وسيادة المستعمرات الأميركية السابقة الثلاث عشرة التي اصبحت ولايات فيما بعد. وبقيت مهمة ربطها سوية لتكوين دولة جديدة ماثلة أمامها.