التعليم والدراسة | نحو تحقيق أهداف المستقبل

30 أيار/مايو 2009

هيكلية التعليم في الولايات المتحدة

يبدو النظام التعليمي في الولايات المتحدة كبيراً ومتنوعاً وحتى فوضوياً إلى درجة يمكن فهمها

 
طلاب في صف اللغة الإنجليزية في مدرسة متوسطة في غراند ايلاند، بولاية نبراسكا.
طلاب في صف اللغة الإنجليزية في مدرسة متوسطة في غراند ايلاند، بولاية نبراسكا.

يبدو النظام التعليمي في الولايات المتحدة للمرء من دولة أخرى على أنه كبير ومتنوع وحتى فوضوي إلى درجة يُمكن فهمها. مع ذلك، وضمن هذا الوضع المعقّد، فإن نظام التعليم الأميركي يعكس تاريخ وثقافة وحجم البلاد التي تتغير دوماً بذاتها. ومن وجهة نظر عامة، يمكن وصف النظام التعليمي بحجمه الكبير، وهيكليته التنظيمية، ولامركزيته اللافتة، وتنوعه المتزايد.

الحجم

المدارس في الولايات المتحدة، العامة منها والخاصة، الابتدائية والثانوية، جامعات الولايات والكليات الخاصة، يمكن رؤيتها في جميع أنحاء البلاد حيث تستمر الولايات المتحدة في إدارة أحد أكبر أنظمة التعليم الشامل في العالم. واستناداً إلى المركز القومي لإحصائيات التعليم كان هناك ما يزيد عن 75 مليون طفل وراشد مسجلين في المدارس والجامعات الأميركية في السنة الأكاديمية 2005-2006، كما كان يعمل 6.8 مليون غيرهم كمعلمين، يعلّمون بدءاً من رياض الأطفال ووصولاً إلى الجامعات.

بالإضافة إلى ذلك هناك ما يزيد عن مليون طفل في عمر الحضانة ممن ينتمون إلى عائلات من ذوي الدخل المنخفض، وتتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات، ممن هم منضمون إلى برامج "الانطلاق المبكر" (هيد ستارت) في المدارس، المصممة لتوفير التعليم المبكر، التنمية الاجتماعية، وبرامج التغذية لضمان جهوزية هؤلاء الأطفال عندما يصلون إلى عمر خمس أو ست سنوات.

تطوّر التسجيل في المدارس العامة لا سيما خلال جيل طفرة المواليد في الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (يُعرّف هؤلاء عادةً بالمولودين بين عام 1946 وعام 1964). بعد هبوط التسجيل في المدارس خلال الثمانينات من القرن الماضي عاد التسجيل وارتفع بقوة، وغالباً نتيجة لزيادة عدد السكان الأميركيين اللاتينيين، وذلك استناداً إلى آخر تقارير المكتب الأميركي لإحصاءات السكان.

يشمل النظام التعليمي في الولايات المتحدة اليوم حوالي 96 ألف مدرسة ابتدائية وثانوية وأكثر من 4200 مؤسسة للتعليم العالي تتراوح بين الكليات الأهلية الصغيرة، التي تدوم فترة الدراسة فيها سنتين، إلى الجامعات الضخمة التابعة للولايات التي تشمل برامجها نيل شهادة البكالوريوس وشهادات الدراسات الجامعية العليا لما يزيد عن 30 ألف طالب سنوياً في كل منها تقريبا.

يبلغ إجمالي نفقات البلاد في قطاع التعليم حوالي 878 بليون دولار سنوياً.

تنظيم الدراسة من الروضة حتى الثانوية

حضور المدارس إلزامي للطلاب حتى سن 16 في معظم الولايات. يبدأ الأطفال بوجه عام تعليمهم في روضة الأطفال (K) في سن الخامسة ويستمرون حتى المدرسة الثانوية (الصف 12). بصورة نموذجية، تُشكِّل سنوات الدراسة الابتدائية روضة الأطفال حتى الصف الخامس أو السادس، وتصل في بعض المدارس إلى الصف الثامن. أما المدارس الثانوية، التي تعرف في الولايات المتحدة باسم "هاي سكول"، فإنها تشمل بوجه عام الصفوف من التاسع إلى الثاني عشر.

قبل خمسين سنة خلت كان طلاب المدارس الابتدائية ينتقلون فوراً إلى المدارس الثانوية أو يحضرون مدارس إعدادية للصف السابع أو الثامن أو للصف السابع والثامن والتاسع. خلال السنوات الثلاثين الماضية تمّ إلى حدٍ كبيرة استبدال المدارس الإعدادية الثانوية (الإعدادية) بالمدارس المتوسطة المصممة للصفوف التي تبدأ من الصف السادس حتى الثامن، أو هي نفسها تقريبا الصفوف في المدارس الإعدادية الثانوية. تقول التقديرات إن 20 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 10 و15 سنة ملتحقون بالمدارس المتوسطة في اليوم الحاضر.

وصف مدير مدرسة في منيسوتا يدعى مارك زيبارت الفرق بين المقاربتين "برنامج مدرسة الإعدادية الثانوية صُمم لعكس صورة برنامج مدرسة ثانوية تقليدية لطلاب في سن أصغر. كانت هذه المدرسة تتبع منهاجاً دراسياً مماثلاً للمنهج الدراسي المؤدي إلى المدرسة الثانوية وتمّ تنظيم الصفوف حسب المواضيع الدراسية. وصممت المدارس المتوسطة لتزويد منتدى ليُلبي الحاجات الخاصة للمراهقين."

تتميز المدارس المتوسطة بالتعليم على أساس الفريق الواحد مع برمجة مجموعات دراسية مرنة بدلاً من صفوف تدوم لمدة 45 أو 50 دقيقة. تضع هذه المدارس أيضاً التشديد على المجموعات الصغيرة، وعلى مقاربة المواضيع المتعددة العاكسة لموضوع الدراسة، وعلى مشاريع خاصة يمكن ان تشرك أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين 10 و15 سنة الذين تقول الجمعية القومية للمدارس المتوسطة إنهم "يتعرضون لأسرع التغييرات الفكرية والتنموية في حياتهم."

المدرسة الثانوية المعاصرة الكبيرة التي تقدم برنامجاً واسعاً من المقررات التعليمية الأكاديمية والاختبارية إلى طلاب في سن 14-18 سنة أصبحت عنصراً ثابتاً في التعليم الأميركي بحلول منتصف القرن العشرين. بإمكان طلاب المدارس الثانوية أيضاً الاختيار بين مجموعة من النوادي، والنشاطات، والألعاب الرياضية، وترتيبات خاصة من العمل والدراسة، وغير ذلك من النشاطات خارج المنهاج الدراسي. وفقاً لدرجاتهم ونتائج اختباراتهم يستطيع الطلاب ان يأخذوا مقررات تعليمية أكاديمية متقدمة أو حصصاً دراسية عامة أكبر أو حتى مهنية.

اندمجت المدارس الثانوية خلال معظم سنوات القرن العشرين في وحدات أكبر لتقديم خيارات أوسع من المقررات إلى أعداد أكثر من الطلاب. اختفت تقريباً المدرسة الأهلية الريفية وحلّت محلها مدارس ثانوية على مستوى المقاطعة. ولم يكن من غير المألوف في المدن أن تضم أحرام المدارس الكبيرة حتى 5 آلاف طالب، وتقدم مقررات تعليمية موجهة نحو الدخول إلى الجامعة أو مقررات مهنية يمكن أن تُعجب كل فرد تقريباً.

العمل في مختبرات كمبيوتر في مدرسة ابتدائية في ديترويت، مشيغان.
العمل في مختبرات كمبيوتر في مدرسة ابتدائية في ديترويت، مشيغان.

وفي وقت أحدث أدت الاهتمامات بمعيار التعليم في مثل هذه المدارس الكبيرة إلى ظهور دعوة لإنشاء مدارس أصغر حجماً تكون فيها نسبة الطلاب إلى المعلمين أقل.

المدرسة الثانوية الأميركية المعاصرة أخذت حيزاً كبيراً لمدة طويلة في الثقافة العامة. الفيلم الموسيقي الشعبي Grease، والمسلسل التلفزيوني Happy Days وأفلام سينمائية مثل Back Board Jungle، صورت الجانبين المضيء والمظلم للمدارس في الخمسينات من القرن العشرين. تراوحت أفلام الترفيه الشعبية التي تعتمد على خلفية المدرسة الثانوية بين أفلام مثل Mean Girls، وJuno، وElection، وHigh School Musical إلى برامج تلفزيونية ناجحة مثل Beverly Hill 90210 وSaved by the Bell.

المدارس الخاصة

تزدهر المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، حيث تُدير العديد من هذه المدارس كنائس ومنظمات دينية أخرى. من بين 55.8 مليون طالب الذين يقدّر انهم تسجلوا في مدارس ابتدائية وثانوية خلال السنة الأكاديمية 2007-2008، كان حوالي 6 ملايين منهم، او نسبة 11 بالمئة، مسجلين في مدارس خاصة. يتابع اكثر من نصف عدد الطلاب في المدارس الخاصة في البلاد دراستهم في مدارس كاثوليكية، وهو أقدم نظام مدارس خاصة في البلاد. تعكس المدارس الخاصة الأخرى التنوع الديني لأميركا، وتشمل تقريباً جميع لطوائف البروتستانتية، والكويكرز، والإسلامية، واليهودية، والأرثوذكسية.

لكن أقدم المدارس الخاصة في البلاد هي مدارس داخلية للنخبة تأسست في القرن الثامن عشر التي لديها سجل يظهر تعليمها العديد من قادة الفكر والقادة السياسيين في البلاد.

استناداً إلى أرقام الإحصاء الرسمي للسكان، يتلقى 1.1 مليون طالب آخر تعليمهم على يد أهلهم في المنزل، وفقاً إرشادات توجيهية تحددها كل ولاية من الولايات الخمسين.

السيطرة المحلية

ربما كانت اللامركزية هي السمة الأجدر بالملاحظة في نظام التعليم في الولايات المتحدة. المدارس في الولايات المتحدة كانت وتبقى بدرجة ساحقة مسؤولية الولايات كما مسؤولية السلطات المحلية داخل كل ولاية. بعكس معظم الدول الأخرى، لا تدير الولايات المتحدة نظاماً تعليمياً قومياً، مع استثناءات قليلة ولا سيما في الأكاديميات العسكرية ومدارس الأميركيين الأصليين في البلاد. كما لا تُصادق الحكومة الفدرالية على منهاج دراسي قومي أو تديره.

التعليم العام يُشكِّل أكبر بند إنفاق في موازنة كل مدينة ومقاطعة أميركية والتي تحصل على معظم تمويلها من الضرائب المحلية المفروضة على الأملاك. تدير لجان تعليم محلية، يكون معظم أعضائها منتخبين، المناطق المدرسية التي يبلغ عددها حوالي 15.500 في البلاد، وهي تتراوح بين مدارس ريفية صغيرة في ولايات مثل كانزاس ونبراسكا إلى نظام منطقة مدينة نيويورك الذي يتعلم فيه ما يزيد عن مليون طفل سنوياً.

مجالس التعليم في الولايات، بالترافق مع مراقب أو مفوض من الولاية، تشرف على المناطق المدرسية المحلية، وتضع المعايير للطلاب والمعلمين، وتُصادق على المناهج الدراسية، وكثيراً ما تراجع اختيارات الكتب المدرسية. لكن السلطة الرئيسية للولاية أصبحت مالية بصورة متزايدة: معظم الولايات تقدم الآن مساعدات ذات شأن إلى المدارس لدعم الواردات الضريبية المحلية.

كانت إحدى نتائج السيطرة المحلية وتمويل المدارس العامة بروز اختلافات بين المناطق المدرسية الثرية والفقيرة. في السنوات الأخيرة وتحت ضغط من محاكم الولايات ومجموعات المناصرة الشعبية، اتخذت ولايات عديدة خطوات لتأمين تمويل مُنصف لمناطق المدارس بغض النظر عن مستويات الدخل.

تقدم الحكومة الفدرالية الأبحاث والدعم لضمان الوصول المتساوي والامتياز في التعليم، بالترافق مع تمويل برامج إقراض للطلاب وتقديم مساعدة للطلاب من ذوي الدخل المنخفض. مع ذلك، تبقى مسؤولية التعليم بصورة أولية مشروعاً عائداً للولاية أو مشروعاً محلياً. استناداً إلى وزارة التعليم الأميركية، تتوفر نسبة 90 بالمئة تقريباً من النفقات السنوية لكافة مستويات التعليم من مصادر الولاية، المحلية منها والخاصة.

التنوع

شهدت المدارس في الولايات المتحدة موجات من الهجرة خلال تاريخها واليوم أصبحت المدارس الأميركية متنوعة اثنياً أكثر من أي وقت مضى، مثلها مثل المجتمع الأوسع الذي تخدمه. في أوائل القرن العشرين، فاضت المدارس العامة في الشمال الشرقي والوسط الغربي بأطفال عائلات المهاجرين، الذين قدم معظمهم من جنوب وشرق أوروبا. يستمر اليوم المهاجرون الجدد في تغيير التكوين الاثني للمجموعات الطلابية، رغم ان الأعداد الأكبر من الطلاب تأتي من أميركا اللاتينية وآسيا.

يُشكِّل الأفريقيون الأميركيون نسبة 17 بالمئة من مجموعة طلاب الروضة حتى الثانوية    (K-12). لكن بدأ الأميركيون اللاتينيون يشكلون أكبر مجموعة أقلية واحدة في المدارس العامة. ليس من غير الشائع، وعلى وجه الخصوص على امتداد الساحلين الشرقي والغربي، إيجاد مدارس يتكلم فيها الطلاب الذين ولد أهلهم في الخارج بأكثر من عشر لغات مختلفة، بدءاً بالعربية ووصولاً إلى الفيتنامية. وكانت النتيجة بقاء تعليم اللغة الإنجليزية لغة ثانية إحدى المسؤوليات الأكثر أهمية لنظام التعليم.

رغم سمتي اللامركزية والتنوّع تبقى المدارس العامة بدرجة لافتة متماسكة فيما يخص الأساليب المُتبعة في إدارتها. لا شك أن الطالب الذي ينتقل من مدرسة في كاليفورنيا إلى أخرى في بنسلفانيا أو جورجيا سوف يجد اختلافات، ولكن مزيج المواضيع الأكاديمية سوف يكون مألوفاً لديه إلى حد كبير، مع ان الحكومة الفدرالية في الواقع لا تفرض منهاجاً دراسياً قومياً.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي