29 أيار/مايو 2009
سعت حركات اجتماعية مختلفة جاهدة للاحتواء الكامل لكافة الطلاب الأميركيين في سن الدراسة

بحلول منتصف القرن العشرين، أصبح المثال الأعلى للتعليم الشامل، من رياض الأطفال إلى المدرسة الثانوية، حقيقة بالنسبة لأعداد كبيرة من الأميركيين، ولكن بالتأكيد ليس لجمعيهم، وعلى وجه الخصوص للأقليات العرقية في البلاد.
التمييز العنصري
شكّل الأفريقيون الأميركيون الاستثناء الأكبر في حركة الاحتواء المتزايدة الاتساع في قطاع التعليم العام في الولايات المتحدة. لم تتوفر للأرقاء الجنوبيين قبل الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) سوى إمكانية ضئيلة للحصول إلى التعليم، حتى أنه كان من الممكن معاقبتهم بسبب تعلمهم القراءة. عند انتهاء حقبة العبودية، كان الأميركيون السود في الجنوب يعيشون حياة تمييز عنصري في الغالب. ولم يُشكِّل التعليم استثناءً رغم أن مكتب "الرجال المحررين" الذي شكله الكونغرس قام مع جهات أخرى بتأسيس المدارس لتلبية طلب ما أسماه المُربي الأسود بوكر تي واشنطن "عرق كامل يحاول الذهاب إلى المدرسة." أصبحت المدارس المنفصلة عنصرياً، التي دعم وجودها قرار أصدرته المحكمة الأميركية العليا عام 1896 استناداً إلى المبدأ "منفصل لكن متساوٍ"، تمارس في 17 ولاية جنوبية وحدودية في القرن العشرين. رغم ذلك، تؤكد التقديرات أن نسبة معرفة القراءة والكتابة بين السكان السود خلال العقود التي تلت الحرب الأهلية قفزت من 5 بالمئة إلى 70 بالمئة.
أما خارج الجنوب، فقد كانت المسألة الرئيسية تتعلق بالسكان وأنماط الإسكان التي سببت التمييز الواقعي بين الطلاب السود والبيض. مع ازدياد كثافة الأفريقيين الأميركيين في مناطق المدن، تطورت أنظمة المدارس في المدن إلى مقاطعات مكونة من الأقليات تحيط بها مدارس في الضواحي للطلاب البيض في غالبيتهم.
قضية براون ضد مجلس التعليم
تحدى الأفريقيون الأميركيون نظام التمييز العنصري خلال مجمل تاريخ البلاد ولكن بنجاح ضئيل إلى أن أصبح الدمج في المدارس قضية مركزية لحركة الحقوق المدنية التي برزت في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.
في عام 1950، وبعد سنوات من الاستعداد والتحضير المتأنييْن، جنّدت أقدم منظمة للحقوق المدنية في البلاد، وهي الجمعية القومية لتقدّم الملونين (NAACP)، 13 عائلة من السود في توبيكا بولاية كانزاس، حاولت أن تسجل أطفالها في المدارس المحلية للمدينة. رفعت المنظمة قضية قانونية عندما رفضت هذه المدارس قبول الطلاب السود، وبحلول الوقت الذي وصلت فيه قضية براون ضد مجلس التعليم إلى المحكمة العليا كانت قضيتها قد تعززت برفع قضايا مماثلة من ثلاث ولايات أخرى، وفي واشنطن العاصمة.
في قرار بالإجماع اتخذته عام 1954، أعلنت المحكمة العليا أن "المؤسسات التعليمية التي تطبق الفصل العنصري لا تحقق المساواة بطبيعتها". التزمت ولاية كانزاس وولايات حدودية أخرى بالقرار، ولكن الولايات الجنوبية تحدّت قرار المحكمة وأطلقت حملة عُرفت باسم "المقاومة الجماعية" نتجت عنها مواجهة مستمرة بين حكومات الولايات والحكومة الفدرالية. فقد تطلب دمج المدرسة الثانوية المركزية في ليتل روك، بولاية أركنسو عام 1957 إرسال قوة من الجيش الأميركي، وأدّى تسجيل الطالب الأسود جيمس ميريديت في جامعة مسيسيبي إلى انطلاق مظاهرات واسعة النطاق. لم تنتهِ المقاومة الجنوبية للدمج في المدارس في أماكن عديدة من الجنوب إلاّ في السنوات التي تلت إقرار قانون حقوق التصويت عام 1965 خلال فترة إدارة الرئيس ليندون جونسون.
وبأهمية مماثلة لقضية الدمج كان أول إسهام مالي فدرالي ذي شأن في قطاع التعليم العام بموجب البند الأول من قانون المدارس الابتدائية والثانوية لعام 1965، الذي وفر منذ ذلك الحين بلايين الدولارات لمساعدة مناطق المدارس التي يقطنها أطفال فقراء ومحرومون. بموجب أحكام البند الأول من هذا القانون كانت المدارس التي تستطيع إثبات أنها لا تمارس التمييز العنصري هي المؤهلة فقط لتلقي المساعدة.
لكن حالات عدم التوازن العرقي في مدارس عامة عديدة لا زالت مستمرة نتيجة الأنماط السكنية وتركز وجود الأقليات في مناطق المدن. وجدت دراسة حالية تقوم بها جامعة هارفرد أن التمييز العنصري قد ازداد في عدد من الولايات التي تعيش فيها نسبة عالية من الأقليات، الأمر الذي يؤثر على العديد من الطلاب الأميركيين المتحدرين من دول أميركا اللاتينية وعلى الأفريقيين الأميركيين الأشد فقراً. وبالمقارنة، يُشكِّل الآسيويون الأميركيون الأقلية التي يُحتمل بدرجة أكبر أن يلتحق أبناؤها بمدارس مختلطة عرقياً.
والدرس المكتسب هنا هو أنه رغم بقاء نظام التعليم الأميركي ملتزماً بمبدأ المساواة فإنه فشل في أحيان كثيرة في تحقيق هذا الهدف في الممارسة.
التعليم الثنائي اللغة والاستيعاب
ساهم إرث قضية براون ضد مجلس التعليم والمبدأ الذي كرّسته في تساوي فرص الحصول على التعليم للجميع كنموذج تتبعه أقليات عرقية أخرى، وكذلك النساء والمعوقون.
وجد الطلاب الأميركيون المتحدرون من دول أميركا اللاتينية أنفسهم في أحيان كثيرة في مدارس فقيرة منفصلة عنصرياً، بينما في الواقع أنهى قرار المحكمة عام 1947، الذي لم يكن معروفاً كثيراً، قيام مدارس منفصلة للطلاب الذين يتحدثون باللغة الإسبانية في ولاية كاليفورنيا.
مع ذلك، بقيت مشكلة اللغة قائمة: هل يجب إدخال الطلاب في برامج مكثفة لتعلم اللغة الإنجليزية أو في صفوف ثنائية اللغة حيث يستمر الطلاب باستعمال لغتهم الأصلية، مثل الإسبانية، أثناء تعلمهم اللغة الإنجليزية؟

مسألة التعليم الثنائي اللغة مشكلة قديمة وتعكس النقاش المتواصل حول ما إذا كان من الضروري اعتبار الولايات المتحدة بصورة أولية بوتقة انصهار، تشدد على هوية مشتركة، أم على أنها فسيفساء لها ثقافات وخلفيات محددة بوضوح.
يؤكد مناصرو التعليم الثنائي اللغة أن بإمكان الطلاب مواصلة دراستهم الأكاديمية بلغتهم الأصلية والانتقال إلى صفوف نظامية بعد تعلمهم اللغة الإنجليزية. بينما يقول مناصرو اللغة الإنجليزية بأن أسلوب ثنائية اللغة تبطئ فقط إتقان اللغة الإنجليزية وتمنع الطلاب من الانضمام إلى الثقافة السائدة.
تبنّت مناطق مدارس عديدة أسلوب ثنائية اللغة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ولكن شعبيتها تضاءلت مع عدم توفر التمويل. في السنوات الأخيرة، كان النمط النموذجي المتبع وصف الطلاب بأنهم "متعلمون مبتدئون للغة الإنجليزية"، ووضعهم في صفوف نظامية لتعليم اللغة الإنجليزية ودعمهم باختصاصيين في تعليم اللغة الإنجليزية كلغة ثانية. استناداً إلى وزارة التعليم الأميركية، يتلقى حاليا حوالي 3.7 مليون طالب أو نسبة 8 بالمئة من العدد الإجمالي للطلاب خدمات خاصة لتعليم اللغة الإنجليزية.
النساء والبند التاسع
تركزت حملة الحقوق المتساوية للنساء في التعليم بصورة أولية على الكليات والجامعات. كانت النتيجة إصدار قرار البند التاسع (IX) الذي شكل تعديلاً لقانون التعليم العالي الذي حرّم التمييز العنصري على أساس الجنس في حقل التعليم العالي. كانت النتيجة ازديادا ملحوظا في انخراط المرأة في برامج مهنية مخصصة تقليدياً للذكور كالطب والمحاماة والهندسة.
لكن الخلاف الشائع الأهم حول البند التاسع (IX) تعلّق بالرياضيين وعما إذا كان القانون يضر بشكل عام ببرامج رياضة الذكور في الكليات. كانت المسألة موضع جدل حاد في الأوساط السياسية والرياضية. يشير المناصرون إلى التأثير العميق للبند التاسع في فتح فرص أكاديمية ورياضية أمام الفتيات والنساء. ويجادل المعارضون بأن القانون تجاوز إلى حد ما كونه نظام حصص يلحق الضرر بمصالح الذكور والإناث على حد سواء.
الانخراط في الاتجاه السائد
استند مناصرو الطلاب المعوقين وذوي "الحاجات الخاصة" إلى نموذج حركة الحقوق المدنية للدعوة إلى الدمج الكامل لهؤلاء الطلاب في صفوف دراسية نظامية ونشاطات مدرسية وهي عملية سميت "الانخراط في الاتجاه السائد". يؤكد هؤلاء على أن الدراسات أظهرت أن وضع الطلاب المعوقين جسدياً وعقلياً في صفوف نظامية، على الأقل لجزء من اليوم، يسفر عن إنجازا أكاديميا أكبر، واحتراما أكبر للذات، ومهارات اجتماعية أفضل.
ينص قانون صدر عام 1975 يعرف الآن باسم "قانون تعليم الأفراد المعوقين" على تزويد كافة الأطفال المعوقين "بتعليم ملائم مجاني". يفرض القانون على المدارس إعداد خطة تعليمية فردية أو (IEP) لكل طفل معوق ووضع الطفل في بيئة الصف الدراسي الأقل تقييداً.
حصل القانون على دعم واسع رغم أن نفقات تطبيقه ارتفعت بسرعة. يمكن نسبة عدد كبير من الزيادة الإجمالية في الإنفاق على التعليم العام خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة النفقات المرتبطة بتوفير نظام تعليم مناسب يُمكن أن يحصل عليه الأطفال والصبية والشباب المصابون بإعاقة جسدية أو عقلية.
استناداً إلى أرقام حديثة، تُعلّم المدارس العامة الأميركية حوالي 6.1 مليون طفل من ذوي الحاجات الخاصة. والإعاقة الأكثر انتشاراً في التعليم هي صعوبة النطق والعجز اللغوي، ولكن من المحتمل أن تشمل الحاجات الخاصة حالات عجز نتجت عن التخلّف الذهني، والاضطراب العاطفي، أو المشاكل الجسدية.
مداس الأميركيين الأصليين
إحدى الاستثناءات القليلة للمشاركة المباشرة للحكومة الفدرالية في قطاع التعليم، تتعلق بالأميركيين من سكان البلاد الأصليين (الهنود الحمر). وتعكس الإدارة الفدرالية لمدارس الهنود (الحمر) الأميركيين العلاقة الخاصة بين الحكومة والقبائل شبه المستقلة للأميركيين الهنود والسكان الأصليين في ألاسكا، المنصوص عنها في القوانين كما في المعاهدات.
المشاركة الأولى للأميركيين الهنود في الدراسة الرسمية كانت في أحيان كثيرة عبر المبشرين ومدارس الكنائس، حيث كان التشديد على التعليم الأكاديمي أقل مما كان على التحول إلى اعتناق الدين المسيحي واعتماد الأسلوب الغربي في السلوك واللباس. ومع تحرك الحدود إلى الغرب خلال القرن التاسع عشر، حلت المدارس التي كان يديرها مكتب شؤون الهنود الحمر في الحكومة الفدرالية تدريجياً محل العديد من المدارس التي كانت تديرها الكنائس.
كانت سياسة هذه المدارس استيعاب الأميركيين الأصليين ضمن التيار السائد من خلال سلخهم القسري عن ثقافتهم القبلية. وتعلّم العديد من الهنود الحمر في مدارس داخلية كثيراً ما كانت بعيدة عن منازلهم حيث قصت شعورهم وأجبروا على ارتداء ملابس غربية بدلاً من الملابس الهندية الأصلية، وحرموا من التحدث بلغاتهم الأصلية. كانت مدرسة كارلايل في بنسلفانيا أشهر هذه المدارس الداخلية.
أدى التقرير الذي صدر عام 1928، وألقى الضوء على حالات الفشل والتصرفات السيئة في مجال تعليم الهنود الحمر، إلى إدخال إصلاحات وزيادة المساعدة المالية المعروفة باسم "البرنامج الهندي الجديد". وفي وقت لاحق، أشعلت حركة الحقوق المدنية حركة موازية تطالب بحقوق الهنود الحمر. وعلى مر العقود، قامت الحكومة الفدرالية بعكس سياستها السابقة وأنشأت نظاماً تعليمياً يسعى إلى تزويدهم بالمهارات والمعارف ويحافظ في نفس الوقت على تقاليد وثقافة الشعوب الأميركية الأصلية.
يدير مكتب تعليم الهنود الحمر 184 مدرسة ابتدائية وثانوية إضافة إلى 24 جامعة. توجد هذه المدارس في 63 منطقة من محميات الهنود الحمر موزعة في 23 ولاية عبر الولايات المتحدة، وتخدم حوالي 60 ألف طالب يمثلون 238 قبيلة مختلفة.