29 أيار/مايو 2009
رغم عدم اتصافه بالكمال، نظام التعليم العام ينجح في تعليم المواطنين الأميركيين

لم تكن المدارس العامة معروفة في الحقبة الاستعمارية رغم أن عدة مستعمرات في نيو إنغلند أنشأت "مدارس خاصة بمصروفات"، لأولئك الذين كان باستطاعتهم تسديد الرسوم. تأسست جامعة هارفرد عام 1636 في مساتشوستس، وهي أول مؤسسة للتعليم العالي في شمال أميركا، ومثلها مثل جميع الجامعات الأولى ركّزت اهتمامها بصورة حصرية تقريباً على تدريس العلوم الدينية واللغتين الكلاسيكيتين، اللاتينية واليونانية.
المدارس العامة
نص قانون الشمال الغربي الصادر عام 1787، الذي شمل الولايات الحالية المؤلفة من أوهايو، الينوي، انديانا، ويسكونسن، ومشيغان، على وجوب أن تُخصّص كل مدينة جديدة قطعة أرض واحدة لإنشاء مدرسة عامة أو ما كان يسمى آنذاك مدرسة عامة بين كل 36 قطعة أرض تخصص لأغراض أخرى. كانت تلك المدارس في أحيان كثيرة عبارة عن مبانٍ بسيطة كل منها يتكون من غرفة واحدة يعلوها برج كنيسة، وقد اشتهرت في التاريخ الأميركي بالاسم الأيقوني "مبنى المدرسة الحمراء الصغيرة." في عام 1820، رخّص الكونغرس للولايات جمع الأموال للتعليم عن طريق بيع أراضٍ عامة.
أطلق المُصلح الاجتماعي هوراس مان من مساتشوستس خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر حملة مؤثرة لاستعمال أموال الضرائب التي تجمعها الولاية لتحسين ودعم المدارس العادية المجانية لجميع الأطفال. واستناداً إلى الكاتب لورانس كريمين، "كان الصراع على ضمان وجود مدارس مجانية صراعاً مريراً، وبقيت النتيجة غير مؤكدة طوال 25 سنة."
لكن بحلول العام 1860، كانت معظم الولايات قد تبنّت الفكرة وخففت الاعتراضات على فرض معدلات أعلى من الضرائب نتيجة لمنح المجتمعات المحلية السيطرة على مدارسها. وبذلك ترسّخ مبدأ التعليم المجاني المُمول من الخزينة العامة تحت السيطرة المحلية في المجتمع الأميركي.
الأرض للجامعات
استخدم قانون موريل لمنح الأراضي، الذي صدر خلال الحرب الأهلية الأميركية في العام 1862، نفس آلية بيع الأراضي العامة لإنشاء كليات للزراعة والصناعة. وفي الوقت الحاضر فإن هذه الجامعات التي بنيت على الأراضي الممنوحة تُشكِّل بعض أكبر وأكثر جامعات الولايات نفوذاً في البلاد، وتقدّم مجموعة كاملة من برامج دراسات الفنون الحرة والمهنية عند مستويات الدراسة الجامعية والدراسات العليا.
توجد اليوم 106 جامعات بنيت على الأراضي الممنوحة.
مدارس التخوم
سعى المستوطنون على التخوم الغربية إلى بناء مدارس بمجرد إنشائهم المدن الجديدة. وفي الواقع فإن الكونغرس فرض على المناطق توفير التعليم العام المجاني قبل السماح لتلك المناطق بأن تتحول إلى ولايات. تقول المؤرخة كاترين سكلار في كتاب (المدرسة) إن " المدارس أصبحت مرافق مدنية مهمة تستطيع أن تجذب المستوطنين."
لكن مدارس التخوم واجهت تحديات مختلفة للغاية عن تلك التي واجهتها المدارس في المدن وتمثلت أهم هذه التحديات بالنقص الحاد في المعلمين. كاترين بيشر، شقيقة مؤلفة كتاب "كوخ العم طوم"، هارييت بيشر، قادت حملة ناجحة لتعزيز وجود المعلمات "كقوة لنشر الحضارة" في الغرب الأميركي. واجهت المعلمات صعوبات العيش في مناطق التخوم ولم يكن يملكن سوى إيمانهن بالدعوة للتعليم وبمجموعة من الكتب المدرسية الشهيرة المُصممة لمدارس الغرب التي عُرفت باسم "كتب ماك غوفي لتعليم القراءة." تداخلت في هذه الكتب المدرسية دروس القراءة والحساب مع "قصص أخلاقية" صممت لبناء الشخصية.
مهاجرو المدن
نمت المدارس العامة مع التدفق المتواصل للتلاميذ المهاجرين، القادمين في غالبيتهم من أوروبا ولكن مع مجموعة كبيرة أيضا من الصينيين واليابانيين في الساحل الغربي والمكسيكيين ومواطني دول أميركا اللاتينية في الجنوب الغربي. كانت كل موجة متعاقبة من المهاجرين تمثل تحديا لا يقتصر على سعة المدارس طاقتها على الاستيعاب، وإنما أيضاً بالنسبة لأهداف والشكل التنظيمي لنظام التعليم الأميركي، الذي كان يكافح للتغلب على المشاكل التي يخلقها قدوم أعداد لم يسبقها لها مثيل من الطلاب الجدد.
كان التحدي الذي مثله استيعاب وتعليم أطفال من خلفيات ولغات مختلفة بدرجة واسعة كبيرا جدا، وعلى وجه الخصوص في المدن الرئيسية التي يقصدها المهاجرون للاستقرار فيها، سواء كانوا أيرلنديين، أو ألمان، أو اسكندنافيين في منتصف القرن التاسع عشر، أو كانوا من دول أوروبا الشرقية والجنوبية في ذروة سنوات الهجرة الممتدة من التسعينات من القرن التاسع عشر إلى العشرينات من القرن العشرين.
قد تكون المدارس في المدن كانت أماكن كئيبة ومكتظة بالطلاب، ولكن حسبما سرده كتاب "المدرسة" الذي نشرته محطة الإذاعة العامة"، فقد كانت جاذبية التعليم قوية إلى درجة أنه بعد يوم واحد من وصول سفينة للمهاجرين كان عدد من الأطفال يصل إلى 125 يقدمون الطلبات للالتحاق بإحدى المدارس في نيويورك."
ورغم ذلك، تشير التقديرات إلى أنه مع عدم وجود حظر على تشغيل الأطفال كانت نسبة الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس تصل إلى حوالي 50 بالمئة فقط منهم، وأن فترة الالتحاق بالمدرسة لم تزد عن خمس سنوات.
كان نمو المدارس العامة في هذه الفترة هائلاً، فارتفع العدد من 7.6 مليون طالب عام 1870 إلى 12.7 مليون طالب بنهاية القرن التاسع عشر. واستناداً إلى كتاب "المدرسة"، كانت الولايات المتحدة توفر فرصا تعليمية لعدد من الأطفال أكثر مما توفره أي دولة أخرى في العالم."
كتبت الباحثة والمؤرخة التعليمية دايان رافيتش في كتاب "المدرسة: "كان استعداد النظام التعليمي في أميركا لتزويد الطلاب من ذوي الدخل المنخفض بالقدرة على التحرك الاجتماعي لافتة للنظر بالفعل. كانت جهود النظام لاستيعاب القادمين الجدد في المجتمع الأميركي ناجحة إلى درجة كبيرة. كانت هذه هي الإنجازات الثابتة والباقية للمدارس العامة الأميركية."