28 أيار/مايو 2009
يتناظر الأميركيون حول نوعية النظام التعليمي واتجاهاته

كان الأميركيون يتناظرون على الدوام حول نوعية واتجاهات نظامهم التعليمي، ولكن في السنوات الأخيرة أصبح التركيز حول أفضل الطرق لقياس الإنجازات الأكاديمية وزيادتها. أدت المقارنات مع الطلاّب في دول أخرى إلى رفع حدة الجدل حول الأساليب والنتائج التعليمية، ولا سيما تلك التي تظهر أن المدارس الأميركية مُتخلّفة في العلوم والرياضيات.
إصلاحات تقدمية
حاول الإصلاحيون الأوائل وضع معايير أكاديمية متجانسة، وتدريب المعلمين أو توحيد الكليات توخياً للكفاءة. وبكلمات أخرى، تحويل التعليم إلى مهنة احترافية.
بلغت هذه الجهود أوجها في الحركة التقدمية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما دعا مُربون مثل جون ديوي إلى إجراء إصلاح أساسي في البرامج الدراسية في المدارس وفي طريقة عملها. حثّ ديوي ومؤيدوه على منح المعلمين استقلالية أكبر في غرفة التدريس، مشددين على التعلّم العملي بدلاً من الاستظهار عن ظهر قلب وتحدي الطلاب لحفزهم على التفكير الاستقلالي.
لكن نهج ديوي "المركز على الطفل" واجه تحدياً فورياً لدى المهتمين أكثر باعتماد أساليب العلوم الاجتماعية الجديدة لزيادة الكفاءة وتنظيم الطلاب في مسارين منفصلين، أحدهما مخصص للطلاب الذين سيدخلون الجامعات، والآخر للذين سيتوجهون نحو العمل اليدوي. وقد عانى التعليم التقدمي أيضاً درجة واسعة من سوء الفهم، لأن تشديده على حاجات الأطفال جرى تفسيره بأنه يعني غياب المعايير الأكاديمية.
بلاد في خطر
برزت من جديد إلى العلن في الخمسينات من القرن العشرين انتقادات للأساليب الجديدة أو التقدمية عندما أدى الجدل حول أكثر الأساليب فعالية لتعليم الأطفال المهارات اللغوية إلى إطلاق الروايات حول "لماذا لا يستطيع جوني أن يقرأ" (سوف ينتج ذلك جدلا مماثلا لا مفر منه حول "لماذا لا يستطيع جوني أن يكتب").
أثار إطلاق السوفيات عام 1957 للقمر الصناعي سبوتنيك مجالات مماثلة من القلق وأدّى إلى زيادة التشديد على العلوم والرياضيات في حقبة الحرب الباردة والسباق الأميركي- السوفييتي لاكتشاف الفضاء.
في عام 1983، أكد تقرير ذو أثر كبير عنوانه "بلاد في خطر" أن المعايير الأكاديمية المتردية تهدّد مركز الولايات المتحدة في عالم تزداد فيه المنافسة ودعا إلى تخصيص موارد إضافية واتباع تشدد أكبر في حقل التعليم.
تراوحت ردود الفعل على تقرير "بلاد في خطر" بين إطالة اليوم المدرسي والسنة الدراسية ووضع تشديد أكبر على المواضيع الأكاديمية الأساسية. إلاّ ان استنتاجات التقرير ظلت موضع نقاش كبير. أكدّ المؤرخ كارل كايستلي في كتاب "المدرسة": "لم يكن صحيحاً فقط أنه حصل تدهور كبير، بل الصحيح أيضاً أننا نُعلّم نسبة أكبر بكثير من مواطنينا الآن مما كنا نفعله في الخمسينات من القرن الماضي."
المدارس المُجازة والمنافسة
سعى العديد من الإصلاحات التي أجريت مؤخراً على المدارس إلى إدخال منافسة أكبر في نظام المدارس العامة. فمثلاً، المدارس المجازة (Charter Schools) التي لا تخضع إلى جميع الأنظمة المدرسية هي مدارس رسمية تُدار بصورة مستقلة ويجب أن تستوفي نفس الشروط الأكاديمية والقانونية مثل المدارس العامة التقليدية ولكنها متحررة من معظم القيود البيروقراطية والتنظيمية التي تخضع لها نظيراتها التقليدية. تعمل في الولايات المتحدة الآن حوالي ألفي مدرسة من هذا النوع.
وكانت هناك استجابة أخرى للقلق حول المعايير الأكاديمية والمنافسة الدولية تمثلت في صياغة تحالفات بين قطاع الأعمال والمدارس. وفي بعض الحالات، حاولت إحدى مناطق المدارس أن تقلد كفاءات وتنظيمات نموذج شركات الأعمال من خلال وضع معايير وأهداف يُمكن قياسها ومن خلال محاسبة الإداريين والمعلمين حول النتائج.
في اندفاعها نحو تطبيق مفهوم المساءلة والمحاسبة، أصدرت ولايات عديدة قوانين تسمح بإغلاق المدارس الرسمية المتدنية الأداء أو الفاشلة. في بعض هذه الحالات، التي لا زالت نادرة، تستطيع المدارس إمّا أن تُعيد تكوين نفسها بتوظيف موظفين ومعلمين جُدد أو أن تحوّل نفسها إلى وضعية مدرسة مجازة. وكثيراً ما تُمنح العائلات القاطنة في أحياء المدارس الفاشلة فرصة نقل أولادها إلى مدارس أعلى أداءً.
أثبتت القسائم المدرسية على أنها ابتكار مثير جداً للخلاف. يسمح برنامج القسائم للأهل بترك المدارس الرسمية الفاشلة أو التي لا تستوفي المعايير والحصول على أموال عامة لتغطية جزء أو كامل قسط التعليم في مدارس خاصة. يستند المبلغ عامةً إلى معدّل الإنفاق على كل طالب في المجتمع الأهلي المعين. تستند الفكرة إلى انه إذا كان المفروض على المدارس أن تتنافس للحصول على الطلاب، فإن عليها التحسّن، لكن الخلاف كان شديداً حول استعمال أموال الضرائب لدعم المدارس، الخاصة منها أو الدينية، ولم تستعمل القسائم المدرسية بالكامل إلا من جانب عدد قليل من المجتمعات الأهلية.

الخصخصة
تبيّن التقديرات أن الشركات الخاصة التي تعمل لتحقيق الربح تُدير الآن نسبة 10 بالمئة من المدارس المجازة العامة في الولايات المتحدة. وإحدى أكبر هذه الشركات هي أديسون سكولز التي تأسست عام 1992 والتي تدير مدارس مجازة في 19 ولاية وفي العاصمة واشنطن، كما تزود "أكاديميات أكاديمية" وخدمات أخرى بالاشتراك مع مدارس عامة قائمة.
تُعارض الخصخصة منظمات تقليدية للمهنيين العاملين في المدارس العامة مثل الجمعية القومية للتعليم، وهي تؤكد بأن هناك نزاعاً متأصلاً بين طلب تحقيق الأرباح من جانب الشركات الخاصة وحاجات طلاب المدارس. وتؤكد الشركات، مثل شركة أديسون، بأن المنافسة تستطيع تحسين أداء المدارس العامة والمخصخصة، وبذلك تُفيد "العملاء"، أي الطلاب، كما يحصل في أي سوق آخر.
يُشير الطرفان إلى دراسات خارجية تدعم وجهة نظرهما. ويذكر مؤيدو المدارس العامة تقارير صدرت في التسعينات من القرن الماضي تظهر غياب أي تفوّق جوهري لطلاب مدارس أديسون، أو أن مدارس أديسون قد تعلن فقط عن نتائجها الإيجابية.
من جهة أخرى استنتجت دراسة أجرتها مؤسسة أبحاث راند عام 2000 أن مكاسب إنجازات الطلاب في مدارس أديسون تلاءمت مع تحسنات مشابهة كانت قد طرأت على أداء الطلاب في مدارس عامة مشابهة أو تجاوزتها.
إعادة تصميم المدارس الثانوية
اتخذت حركة إصلاحية أخرى تتزعمها مؤسسة بيل وميليندا غيتس طريقة مختلفة للغاية تجاه إصلاح نظام التعليم، وذلك من خلال إعادة التفكير الجذري بالمدارس الثانوية بالذات. قال بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت: "لقد تم تصميم مدارسنا الثانوية قبل حوالي 50 سنة لتلبية حاجات جيل آخر."
موّلت المؤسسة خلال السنوات الخمس الماضية تأسيس مدارس نموذجية ذات أداء عالٍ "تُشرك جميع الطلاب في متابعة منهاج دراسي صارم. وهي تقدم مقررات تعليمية وثيقة الصلة بحياة وتطلعات الطلاب. وتنمي إنشاء علاقات قوية بين الطلاب والراشدين."
يُشدّد جهد إعادة التصميم لمؤسسة غيتس أيضاً على أن الحجم الأصغر يكون الأفضل في العادة. وجاء في تقرير أعدته المؤسسة، "عند تساوي كافة الأمور الأخرى، يحقق الطلاب في المدارس الثانوية الصغيرة الحجم درجات أعلى في الامتحانات، وينجحون في عدد أكبر من المقررات التعليمية، وينتقلون إلى الجامعات بنسبة أكبر من الطلاب الذين يدرسون في مدارس ثانوية كبيرة. علاوة على ذلك، تظهر هذه النتائج أكثر بين الطلاب من ذوي الدخل المتدني والطلاب الملونين."
عدم ترك أي طفل بدون تعليم
يُشكِّل قانون "عدم ترك أي طفل بدون تعليم" الذي أصدرته حكومة بوش عام 2001 تغييراً ساحقاً في الدور الفدرالي في التعليم منذ قانون المدارس الابتدائية والثانوية الذي صدر في عام 1965. يفرض القانون الجديد على الولايات وضع معايير تعليمية للإنجاز عند مختلف المستويات المدرسية، واتخاذ خطوات لتحسين أداء الذين لا يستوفون هذه المعايير.
يفرض قانون "عدم ترك أي طفل دون تعليم" أهدافاً على الولايات حول ما يجب أن يعرفه الطفل في القراءة والرياضيات من الصف الثالث حتى الثامن، عند قياس ذلك استناداً إلى اختبارات معتمدة. هذه الإجراءات وغيرها من إجراءات المساءلة والمحاسبة لأداء المدارس يتم جمعها لاحقاً في بطاقات التقارير السنوية عبر الولاية.
رغم أن أنظمة مدارس الولايات والمدارس المحلية تتميز بمرونة كبيرة في رفع مستويات الأداء، فإن القانون ينص على احتمال إخراج الطلاب من المدارس الفاشلة وإلغاء تمويلها. يستطيع الأهل الذين لديهم أبناء يتعلمون في مدارس فاشلة نقل هؤلاء الأبناء إلى مدارس رسمية أخرى أو مدارس مجازة. كما أنهم يكونون مؤهلين للحصول على تعليم خاص وخدمات خاصة أخرى.
استناداً إلى تقرير أصدرته عام 2004 لجنة التعليم للولايات، أثار قانون "عدم ترك أي طفل دون تعليم" ردود فعل تراوحت بين التأييد القوي والتشكيك والمعارضة الصريحة.
يعتقد المؤيدون للقانون أن فرض نفس المعايير في جميع أنحاء البلاد، وإجراء الاختبارات، والمحاسبة والمساءلة هي أمور ضرورية لبناء مدارس ذات نوعية عالية، تستطيع أن تنجح في اقتصاد عالمي تنافسي شديد، وتستطيع أن تستمر.
أبدت مجموعات أخرى كالاتحاد الفدرالي الأميركي للمعلمين والجمعية القومية للتعليم، قلقاً شديدا تجاه كيفية تمييز القانون بين المدارس الكفؤة وتلك غير الكفؤة عندما يختلف طلابها بدرجة كبيرة من حيث الخلفية، والدخل، والمهارة باللغة الإنجليزية. يشير الأهل إلى وجود مدارس تضحي بصفوف الفنون أو بالنشاطات الإثرائية الأخرى لمصلحة "التعليم لاجتياز الاختبار"، وتجنّب تسميتها كمدارس فاشلة.
يقول جيسون كمراس، المعلم القومي لسنة 2005، "أكبر قوة لقانون عدم ترك أي طفل بدن تعليم هي انه جعل من التوقعات العالية لكل طفل في أميركا شأناً مؤسساتياً."
انطلاقاً من النظرة إلى المدى الأطول، لا يمثل هذا القانون سوى أحدث حلقة من الجدل الدائر منذ زمن طويل حول موازنة الطلبات التي تدعو إلى الاحتواء للجميع والامتياز في قطاع التعليم الأميركي.