27 آب/أغسطس 2009

سيابوليلا كسوزا
شاب يتذكر كيف سافر من مدينته في جنوب أفريقيا للالتحاق بجامعة هارفارد في كامبريدج، بولاية مساسشوسيتس. شكلت العلوم تذكرة دخوله حتى الآن، ويأمل بأنها ستشكل مصيره. درس سيابوليلا كسوزا في مدرسة ثانوية في جنوب أفريقيا وسوف يبدأ سنته الجامعية الثانية في جامعة هارفارد في ربع السنة الأخير من عام 2009. كان كسوزا أحد الفائزين في معرض إنتل الدولي للعلوم والهندسة.
كنت أتتبع هدير طائرة سيسنا الصغيرة وهي تلقي منشورات انتخابية فوق مثاثا، بلدتي في جنوب أفريقيا. كان ذلك في العام 1994، أول سنة للديمقراطية الجديدة في بلادي، فأثارت رؤية هذه الأعجوبة التكنولوجية في داخلي فضولاً حول العلوم وولعاً في استعمال التكنولوجيا لتصميم النهضة الأفريقية. وهذا هو ما أعمل من أجله الآن بينما أدرس في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة.
بعد وقت قصير من اليوم الذي شاهدت فيه تلك الطائرة، دخلت إلى مطبخ والدتي وبدأت أمزج مواد كيميائية لأصنع وقوداً جديداً للصواريخ. شعرت بتوتر بسبب عبثي هذا من وراء ظهر والدتي، ولكن نشوة الكيمياء المنزلية الصنع كانت شيئاً يصعب كثيراً التغلب عليها. أحببت مختبري المرتجل، المجهز بأدوات منزلية لوالدتي والذي كانت تفوح منه رائحة مزيج طعام عشاء الليلة الماضية والروائح العذبة لموادي الكيميائية.
كان ذلك هو النعيم بالنسبة لي حتى ذلك اليوم المشؤوم عندما كنت أمزج وأنا شارد الذهن خليطاً جديداً. نسيت أن أطفئ الفرن المشتعل فتغير المزيج الفوار إلى وحش يُهسهس قاذفاً السائل على أرضية المطبخ. تحول فجأة ما كان مطبخاً لماعاً إلى مطبخ ملوث بالدخان وسائل وقود الصواريخ اللزج. دخلت والدتي إلى المطبخ فتلعثمت وارتجفت يداي وخشيت مما سوف يأتي: صراخ بطول العمر كله.
كانت طبلتا أذنيّ لا زالتا ترنان من التوبيخ عندما واصلت إجراء تجاربي في مرآب السيارة ولكن بحذر أكبر. وما بدأ كعمل عابث تطور إلى مشروع جديّ أربع سنوات في العلوم الذي استطعت تدبيره بالترافق مع عملي المدرسي المطلوب، ومباريات كرة الرغبي، والإنتاج المسرحي وخدمة المجتمع الأهلي.
حصلنا على انطلاق إلى الأعلى
لم أكن أعمل فقط على صنع الوقود بل كنت أيضاً أبني صاروخاً. وكان ذلك الجزء من المشروع يختبر أيضاً مدى صبري والتزامي، إلى أن جاء يوم في عام 2003 حين بدأت العدّ العكسي المثير للتوتر لإطلاق التجربة التي أسميتها فونيكس. عندما ضغطت على زر الإشعال انطلقت سحابة من الدخان إلى الأسفل وبدأ المحرك يعمل، ويصدر صوتاً كضجيج ألف طبلة أفريقية تدق في وقت واحد. صعد صاروخ فونيكس بصورة مهيبة، مخترقاً الفضاء، إلى أن وصل إلى ارتفاع 4 آلاف قدم (1220 متراً). كان الإطلاق الناجح للصاروخ شهادة لمدى قيمة المثابرة.

اشتركت بعد ذلك في المعرض القومي للعلوم في جنوب أفريقيا وأنا أحمل مشروعاً أطلقت عليه اسم "الفضاء الأفريقي: إمداد الوقود لمسعى أفريقيا نحو الفضاء". قوبل هذا المشروع بشكل جيد بحيث حصلت على رحلتين دوليتين، إلى احتفالات جائزة نوبل في السويد وإلى معرض دولي للعلوم في الولايات المتحدة.
جمع المعرض الدولي للعلوم الذي أقيم في ألبوكيركي، بولاية نيومكسيكو، ما يزيد عن 1500 طالب من بين الأكثر ابتكاراً في 52 دولة لعرض أبحاثهم ومواجهة المنافسة القاسية. شعرت بالفخر بتمثيل بلادي وحصلت على إثراء عظيم من خلال تبادل المعلومات مع طلاب قادمين من كافة أنحاء العالم. وهكذا، وبعد أن انتهى التحكيم، توجهت إلى قاعة الاحتفالات لتقديم الجوائز وجلست في مقعدي وتطلعت حولي إلى قاعة الاحتفالات الهائلة، وأنا أدندن خلال ترقبي للنتائج. أرهبني الحدث وانكمشت في مقعدي عندما بدأ إعلان الجوائز الكبرى. صاح المعلق: "أما الفائز في فئة الطاقة والنقل فهو سيا ... "عندها قاطعه التصفيق المُصم للآذان عن متابعة كلامه. لقد فزت بجائزة كبرى كما بشرف تسمية كوكب صغير باسمي.
على كوكب مختلف
الفرح العظيم بنجاحي في المعرض الدولي كان الزخم الذي أطلقني عبر سنة تخرجي، والذي تُوج بقبولي في جامعة هارفارد. في خريف العام 2008، سرت بتمهل عبر ساحات الجامعة الخضراء وجدرانها المكسوة بنبات اللبلاب لكي أبدأ سنتي الأولى الجامعية. كان علي أن أتكيّف مع نظام تعليمي مختلف حيث كانت عملية الوصول إلى الجواب أثمن من الجواب الفعلي، وحيث يؤدي التعاون والانخراط مع الأساتذة إلى الحصول على درجات أعلى. اتخذت مخاطرات فكرية من خلال أخذ مقررات تعليمية غير مألوفة كلغة الماندارين (اللغة الرئيسية في الصين)، والاقتصاد والموسيقى العالمية من أجل توسيع إمكانياتي الذهنية بحيث تجعل مني مفكراً في فروع متعددة من المعرفة.
خارج قاعة التدريس، انضممت إلى منتدى هارفارد للقيادة الدولية. يجمع هذا المنتدى طلاباً من حول العالم ويسهل قيام حلقات نقاش حول الإرهاب العالمي، القيادة، فيروس نقص المناعة المكتسب/الإيدز، التكنولوجيا، والتنمية الأفريقية. عرفني هذا المنتدى أيضاً على التهديد المتزايد باستمرار الذي يوجده تغيّر المناخ، مع استمرار الاندفاعات في الطلب على الطاقة في العالم المتقدم كما في العالم النامي على حد سواء. يوفر هذا التهديد، رغم خطورته، فرصة لبدء ثورة التكنولوجيا النظيفة.
معالجة تغير المناخ يحرك ولعي الجديد: استخدام خبرتي للعمل على ابتكار أنواع جديدة من وقود الصواريخ والاستفادة من الموارد المتاحة في جامعة هارفارد لتطوير الجيل الجديد من وقود السيارات والطائرات النفاثة من أجل تخفيف مخاطر أزمة المناخ. أقوم حالياً بإجراء أبحاث حول تكنولوجيات رئيسية للبيولوجيا الاصطناعية، والطاقة المتجددة من أجل تعزيز التنمية الأفريقية المستدامة والمساعدة في إشعال الإمكانية الفكرية لقارة لا يزال عليها أن تفي بوعودها.
عرّفني التحول من جذوري الأفريقية إلى المجتمع الأميركي على قيمة ثقافاتنا المتنوعة. شاركت في العديد من المناظرات التي تجري في غرف النوم في ساعات متأخرة من الليل حول مسائل تتراوح بين العدالة الاجتماعية وأخلاقيات علم الوراثة، واكتسبت رؤية لوجهات نظر الطلاب الآخرين. تعلمت، رغم التباينات بيننا، أننا جميعاً نتشارك في القيم الأساسية للحرية والعدالة، القيم التي لا يمكن تحقيقها سوى عبر التسامح والفهم الأكبر لثقافات الآخرين.
وكانت هناك لحظات دنيوية أكثر، مثل فرحي عند رؤية تساقط الثلج للمرة الأولى، أشارت كلها إلى تكيّفي مع الحياة في أميركا. تجمدت أطرافي خلال فصول الشتاء القاسية في الشمال الشرقي من البلاد وتُقت إلى الشمس الأفريقية، ولكن روحي ظلت دافئة بفضل دفء الشعب الأميركي الذي غذّى كرمه عملية تحولي إلى مواطن عالمي.
سوف أعود قريباً إلى وطني بغنى متزايد ليس م? التعليم العظيم وحسب بل وأيضاً من التعاطي والتفاعل مع أناس من حول الكرة الأرضية منحتني آراؤهم تبصراً أكبر حول كيف يعمل العالم ويفكر الناس. قد لا أستطيع أن أتكهن بما يحمله المستقبل، ولكن تستثيرني معرفة كيف ستمكنني دراستي الهندسية من تحقيق طموحاتي لأفريقيا.