26 آب/أغسطس 2009

بقلم ميغان لوفتوس
الفصل الجامعي في الخارج يمثل فرصة لاختبار من تكون وماذا تستطيع أن تفعل، وأنت بعيد جداً عن رفاهية العيش في المنزل ومع العائلة. تخرجت الأميركية ميغان لوفتوس من كلية ايثاكا في العام 2009 بدرجة بكالوريوس في الصحافة والعلوم السياسية. أمضت ربيع عام 2007 في اشبيلية، بأسبانيا حيث درست في مركز الدراسات عبر الثقافات.
تركتنا سيارة الأجرة في شارع جانبي. نظرت إلى البوابة وأنا أتساءل ما تخبئه لي الأشهر الأربعة القادمة. كنت متعبة، مصابة بالإعياء بسبب السفر الطويل المضني بالطائرة، نعم بالتأكيد، ولكني كنت أيضاً منهكة من الاستماع إلى التراشق باللغة الأسبانية من حولي، وترجمتها في رأسي ... أو محاولة ذلك على أي حال. كنت قد أمضيت يوماً ونصف اليوم من فصل دراستي في الخارج في مدينة اشبيلية، أسبانيا، وشعرت وكأنني كنت هناك منذ سنوات. كنت منهكة إلى درجة انه كان يمكنني الالتفاف حول نفسي في زاوية شارع في مكان ما لأنام نوماً عميقاً ومريحاً.
ما الذي أفعله هنا؟ طرحت على نفسي هذا السؤال عندما كنت واقفة انتظر ان تدخلنا الأم المضيفة إلى الشقة. كانت تلك المرة الأولى من مرات عديدة خلال الأشهر الأربعة القادمة التي أطرح فيها على نفسي هذا السؤال. قبل أن التحق بفصل جامعي في الخارج لم أكن قد غادرت الولايات المتحدة سوى بضع مرات لزيارة شلالات نياغارا على الجانب الكندي من الحدود الأميركية-الكندية. ولم أغادر أبداً أميركا الشمالية. كنت أريد دائماً أن أسافر إلى الخارج ولا سيما إلى أسبانيا. كان ذلك حلمي! فلماذا أشعر بمثل هذا التوتر ؟
في لحظات كهذه، كنت اعتبر نفسي محظوظة لأنه كان لي صديقتي جانيل. اخترنا نفس البرنامج الدراسي في الخارج وسررنا جداً ان نكون قد فعلنا ذلك. كان لدينا بعضنا البعض لكي نتشارك أوقات المرح العديدة. ولكن في تلك الأوقات العصيبة، كانت واحدتنا تشجع الأخرى، مثل المرة التي فقدت فيها جانيل حقيبة الظهر ونصف ملابسها، أو في الأوقات التي كنت أشعر فيها بالحنين الشديد إلى الوطن. خلال كل ذلك، كانت تساورنا في أحيان كثيرة تلك اللحظات التي لم نتمكن فيها من أن نصدق حظنا لكوننا نقضي فصلا جامعيا في بلاد أجنبية. فما الذي نفعله هنا؟
التباينات والتشابهات

طيلة ذلك الفصل، توصلت إلى أجوبة عديدة على سؤالي. أولاً، أردت أن أشاهد كيف يعيش الناس حياتهم عبر العالم. توقعت أن أجد تباينات كثيرة: ماذا يأكل الناس، متى يتناولون طعامهم، كيف يلبسون وماذا يعجبهم، وكنت على صواب. في أشبيلية، كانت وجبة الغداء هي وجبة الطعام الرئيسية، ولم نتناول العشاء إلا عند منتصف الليل. شعرت دائماً بأن اكثر ملابسي أناقة لم تكن أنيقة بدرجة كافية. كانت الفتيات الأخريات من سني يرتدين دائماً الملابس الجميلة، حتى ولو كن ببساطة متوجهات إلى المدرسة.
ولكن التشابهات هي التي أدهشتني. قبل ان أغادر منزلي كنت أركز تفكيري كثيراً على التباينات التي قد أواجهها لدرجة أنى لم أفكر أبداً بما لدي من أمور مشتركة مع أشخاص يعيشون على بعد آلاف الأميال وأبعد من المحيط. كنا نحب كثيراً نفس الأفلام والموسيقى، وكنا مغرمات بنفس المشاهير، وكنا نريد الحصول على نفس الأشياء من الحياة، أي أن نُحِب وأن نُحَب.
ثم جاءت مناقشة تمارين تشك نوريس وكيف أنها سوف تغير دوران الأرض. برزت هذه النكتة فجأة في إحدى الليالي عندما كنت أنا وجانيل نجلس مع أصدقاء اسبان في حانة، ونحاول ترجمة الحديث الذي يتبادلونه مع صديقنا أندرو، الذي جاء من لندن في زيارة ولا يعرف أية كلمة أسبانية وكان فقط عدد قليل من أصدقائنا الأسبان يلمون باللغة الإنكليزية. وهكذا أمضينا أنا وجانيل وقتاً مثيراً ونحن نترجم ونتوسع في الحديث عندما برز، بطريقة ما، اسم تشك نوريس. نجم المسلسل التلفزيوني الأميركي "والكر، تكساس رانجر" هو موضوع العديد من النكات حول قدراته الأسطورية كما هو نوعاً ما شخصية معبودة في الولايات المتحدة.
بدأ أصدقاؤنا الأسبان فوراً بإطلاق النكات حول تشك نوريس بالإسبانية والإنكليزية، ويخبرونا نصوصاً مختلفة للنكات حتى التي لم نسمعها من قبل. كنا أنا وجانيل وأندرو نضحك بهستيرية. كيف يمكن أن يحدث هذا، في هذه الحانة عند زاوية الشارع في اشبيلية ان نتشارك في النكات حول تشك نوريس؟ وبلغتين لا أقل؟ كان ذلك درساً ثميناً حول قدرة تشك نوريس كأيقونة ثقافية وكنجم لأفلام الحركة، وعلى مستوى أعمق، كيف لم تُشكِّل اللغة أي عائق أمام المشاركة في الضحك.
معرفة الذات
سبب آخر لقيامي بالسفر إلى الخارج كان لاكتشاف ذاتي. قد تظن أن الأمر غريب في أن أريد الذهاب إلى مكان مختلف لكي أتعرف على من أكون بالفعل. ولكن عندما أفكر بذلك، أجده عملاً منطقياً تماماً بالنسبة لي. عندما كنت في الخارج، كان كل ما أصادفه في رحلاتي جديداً وغير مألوف لدي. أجبرني كل وضع مررت فيه على إعادة التفكير بما أعرفه عن ذاتي عن الحالة وعن الخيارات المتوفرة في تلك اللحظة. بغض النظر عما إذا كان ذلك السير في حلقات مع جانيل في برشلونة لإيجاد كنيسة العائلة المقدسة (يصعب إيجادها ولكننا فعلنا ذلك، بطريقة ما)، أو الإدراك بأننا حجزنا في التواريخ الخاطئة للإقامة في نزل خلال فرصة الربيع إلى غالوي، بايرلندا، كان علي ان أتفاعل مع الأوضاع الضاغطة التي ما تلبث ان تزداد إجهاداً لأني لم أكن في الحيز الخاص بي في منزلي. ولكن مع ذلك كان علي أن أجد الحلول بمفردي.
هل تخمن ماذا فعلنا؟ حللنا هذه المتشكل دون أن نُصاب بنوبات قلق (حسناً، ربما حدثت بعض حالات قريبة من النوبات). وجدنا في نهاية الأمر كنيسة العائلة المقدسة (رغم اننا سرنا مسافة أميال للوصول إليها)، ووجدنا نزلاً آخر في أيرلندا. تكيّفنا مع الأحداث التي كان بإمكانها ان تثبط عزيمتي، ولكني تعلمت بفضل قضاء الوقت في اشبيلية، المدينة التي تعشق الاسترخاء وترفض التوتر، وهذا التكيف لم يكن سوى جزء من متعة السفر. أتذكر الآن أن أعطي الأولوية للكلمات الأربع التي تبدأ بحرف F باللغة الإنكليزية-العائلة، الأصدقاء، المتعة، والطعام- بدلاً من القلق حول كل شيء سيئ يمكن أن يحدث. أذكّر نفسي انه في النهاية لن تؤثر المطبات الصغيرة الموجودة على الطريق في مسيرتنا.
ولكن في ذلك اليوم الأول في اشبيلية، وانا واقفة خارج البوابة بانتظار خروجي من تحت المطر، أتساءل كيف حصل وجئت إلى هنا، كان كل ذلك مطبوعاً أمام ناظري. وفي أحيان كثيرة أعيد النظر إلى ذاتي وانا واقفة عند عتبة الباب تلك اهمس إلى نفسي القلقة: إنك هنا لان كل يوم سوف يكون مغامرة جديدة لك.