25 آب/أغسطس 2009

بقلم شارلوت وست
فرصة دراسية لمدة سنة واحدة تتحول إلى فصل من مرحلة حياتية يدوم ست سنوات. شارلوت وست تعمل كاتبة مستقلة في سياتل، بولاية واشنطن. عنوان موقعها على الإنترنت: http://www.curiosity.se
يتراءى للمرء الكثير من الأشياء عندما يفكر بالسويد: شركة آيكيا، فولفو، الرعاية الاجتماعية من المهد إلى اللحد، مبدأ التصميم المختصر، والشقراوات الفاتنات. ولكن ربما تكون السويد معروفة أكثر بجوائز نوبل التي تأسست بفضل سخاء ألفرد نوبل، عالم الكيمياء والمخترع السويدي، لتكريم الذين "مَنحوا الإنسانية أعظم الفائدة."
المرة الأولى التي أوليت فيها أي اهتمام حقيقي بجائزة نوبل كانت عند تخرجي من الجامعة في سياتل في حزيران/يونيو 2002، وذلك عندما ألقى خطاب التخرج ليلاند هارتويل، الفائز بجائزة نوبل في الفيزيولوجيا والطب عام 2001. ذكر في خطابه انه وقف على المنصة مع ملك وملكة السويد، وقد استحوذت كلماته هذه على اهتمامي لأنني كنت اخطط للانتقال إلى ستوكهولم في الخريف التالي.
لم أكن أعرف آنذاك أنني سأجلس في شهر كانون الأول/ديسمبر التالي في نفس قاعة الاحتفالات التي حصل فيها هارتويل على جائزته، وانني بعد أربع سنوات سوف أجري مقابلة صحفية مع اثنين من الفائزين بجوائز نوبل عام 2006، وهما أندرو فاير (الطب/الفيزيولوجيا) وروجر كورنبرغ (الكيمياء)، لمجلة تنشرها كلية الطب في جامعة ستانفورد حيث كان الاثنان يُدرّسان.
باختصار، لم أتصور أبداً أنه ستكون لي صلة شخصية بجوائز نوبل. وعندما بدأت أتابع الدروس في جامعة ستوكهولم في خريف العام 2002، دُهشت لدى معرفتي بان العديد من الفائزين بجوائز نوبل سوف يلقون محاضراتهم في قاعة الاجتماعات العامة "أولا ماغنا" (أو القاعة الكبرى)، في حرم الجامعة، والأهم من ذلك، ان باستطاعة أي كان الحضور. وبمثابة مكافأة إضافية، دُعي الطلاب الحاصلون على منحة فولبرايت إلى السويد لحضور احتفالات تسليم الجوائز في شهر كانون الأول/ديسمبر ذاك، الأمر الذي أثار الحسد لدى العديد من أصدقائي السويديين.
فتح الأبواب المغلقة
كانت هذه التجربة مجرد واحدة من تجارب عديدة حصلت خلال الفترة التي قضيتها في الدراسة والعيش والعمل في دولة أجنبية. عندما هبطت من الطائرة في مطار أَرلاندا في ستوكهولم في 16 آب/أغسطس 2002 أول مرة، وهو تاريخ سيظل مطبوعاً على جواز سفري وفي ذاكرتي، لم تكن لدي أية فكرة بأن السويد سوف تصبح وطني خلال السنوات الست التالية.

لم أكن غريبة عن العيش في الخارج عندما انتقلت إلى ستوكهولم، لأني أمضيت سنتي الجامعية الأولى في لايدن، وهي مدينة جامعية تقع على بعد 40 دقيقة بالقطار من أمستردام. أصبحت هولندا قاعدة انطلاقي من حيث كنت أقوم برحلات قصيرة عبر أوروبا طوال سنة. كنت ساذجة إلى حد كبير عندما قمت بأولى رحلاتي بواسطة قطار "يورو رايل" الأوروبي، لكني تعلمت بسرعة قيمة الصنادل الخفيفة، والأقفال، ومصابيح الإضاءة... وتعلمت أن لا أجعلها في أسفل حقيبة الظهر التي احملها.
عندما عدت إلى سياتل في نهاية سنتي الجامعية في لايدن، كان كل ما كنت أفكر فيه هو كيفية العودة إلى أوروبا بعد تخرجي في الربيع القادم. وجاء الجواب على شكل منحة فولبرايت من وزارة الخارجية الأميركية. وفّرت لي هذه المنحة فرصة للدراسة الجامعية ودعما لإجراء الأبحاث لمدة سنة في الدراسات الجامعية العليا. تتمثل روعة منحة فولبرايت في أنها تستند إلى اقتراح لإجراء الأبحاث التي تطورها بنفسك، بحيث تتوفر المرونة لمقدمي طلبات الحصول على المنحة عند وضع برنامج عملهم الدراسي واختيار المرشدين التعليميين لدى المؤسسة المضيفة.
خلال تلك السنة الأولى في استوكهولم، تعلمت كل شيء عن دولة الرعاية الاجتماعية الاسكندنافية، وهو موضوع أثار اهتمامي أول الأمر خلال مقرر دراسي تابعته في هولندا. ولكن الأهم من ذلك ربما كان أنني درست اللغة السويدية. يتحدث السويديون اللغة الإنجليزية بطلاقة قريبة من طلاقة الإنجليز، ويمكنك أن تتدبر أمورك كليا دون أن تتحدث بكلمة واحدة بالسويدية. ولكن بالنسبة لي كان تعلم اللغة أساسياً لتحقيق تجربة في الخارج تكون ببساطة اكثر من مجرد "تدبير الأمور".
فتح التحدث باللغة السويدية أمامي أقفال عدة أبواب شخصية ومهنية. على الصعيد الشخصي فان تعلم لغة أجنبية (وارتكاب الأخطاء التي لا يمكن تجنبها) هو أمر يستطيع العديد من الناس إقامة صلة معه. كما أن تعلّم اللغة مفيد أيضا للحياة المهنية للمرء. وحتى اليوم، وبعد عودتي إلى الولايات المتحدة، أمضي أمسية واحدة كل أسبوع وأنا أترجم القصص الإخبارية السويدية إلى اللغة الإنجليزية، وهو عمل يؤمّن لي مصدر دخل ثابت في مهنتي التي لا يعول عليها كمراسلة صحفية مستقلة. طلاقة التكلّم باللغة المحلية أتاحت لي أيضاً أن أفهم كليا ما يجري من حولي، وهو شيء أعتقد انه كان أساسياً في اتخاذ قراري بالبقاء في السويد. فأنا أفهم ما يقوله الناس من حولي، ولم تعد بعد الآن الثرثرة في قطار الأنفاق مجرد ضجيج في الخلفية. كما أعتقد ان معرفة اللغة المحلية تعطي شعوراً افضل بالانتماء إلى المكان.
خذ وأعط
في نقطة ما خلال تلك السنة الأولى في السويد، بدأت استقر وأدركت ان استوكهولم كانت مكاناً قد يروق لي العيش فيه. وإمكانية تمديد إقامتي في الخارج كان الفضل فيها يعود جزئيا إلى فرصة تتيح لي الاستمرار في عملي في الجامعة كمساعدة أبحاث، ولكن الأمر كان أبعد من ذلك. فقد بدأت أرى السويد بعينين مختلفتين بينما كنت أُكمل تحولي من سائحة، إلى زائرة، ثم إلى مقيمة في المدينة التي أصبحت موطني.
ولكن في نفس الوقت، فإن الأجنبي سوف يجد نفسه دائماً وبأسلوب ما وكأنه في الخارج ينظر إلى الداخل. تعلمت اللغة وبذلت قصارى جهودي لفهم العادات والثقافة السويدية، ولكني تعلمت أيضاً أن كيفية فهمي لما كنت أراه ليست سوى انعكاس لثقافتي الأميركية الخاصة. تَطلَّبت بعض العادات تكيفاً من جانبي، وأصبحت أشياء أخرى أقل أهمية مع مرور الوقت، أما بعض الأشياء الأخرى فقد اعتبرتها مجرد خصائص سويدية مثل حُبهم لعرق السوس المالح وسمك "السورسترومينغ"، وهي رنكة مخمرة يعتبرها البعض طعاماً مميزاً.
إذا تركنا عادات الأكل غير المألوفة جانباً، فكون المرء آتيا من مكان آخر يعطيه افضل ما في العالمين. والعيش في الخارج هو أخذ وعطاء. تجلب بعض التجارب معك إلى وطنك وتترك جزءاً من ذاتك هناك. لقد أصبح لدي ولع بكرات اللحم وصلصة "لينغو نبري" (تتوفر لحسن الحظ في محلات آيكيا في سياتل!)، ولكنني علّمت أصدقائي السويديين أيضاً الفرحة بتناول وجبة طعام عيد الشكر الأميركي، كاملة مع الديك الرومي المحمر وفطيرة اليقطين.
عدت إلى الولايات المتحدة قبل أشهر قليلة، ولا أزال أتعامل مع تداعيات عودتي إلى الوطن. لست متأكدة انه كان باستطاعة ألفرد نوبل فهم عالمنا الحالي حيث تسمح لك التكنولوجيا بالعمل من أي مكان من خلال شبكة الإنترنت، ولكني اعتقد بأنه كان على صواب على عدة أصعدة عندما قال، "الوطن هو المكان الذي اعمل فيه، وأنا اعمل في كل مكان".
الدراسة، والعيش، والعمل في دولة اخرى خلال السنوات الست الماضية وسّعت بالتأكيد مفهومي "للوطن". فبغض النظر عن المكان الذي أكون فيه، فان بلاد آيكيا، والفولفو، والرعاية الاجتماعية من المهد إلى اللحد، ومبدأ التصميم المختصر، وجوائز نوبل سوف تكون دائماً وكأنها جزء صغير من وطني.