22 نيسان/إبريل 2009
بقلم جيف رينيكه
كاتب متخصص في كتابة المقالات عن الطبيعة يشرح كيف وضعته الأنهار على مسار قاده إلى مهنة في الحياة.
جيف رينيكه كاتب حائز على جوائز حول الهواء الطلق، عاش حياة من الأسفار والمغامرات. وقد أخذه بحثه عن القصص إلى أقصى الأماكن الأكثر برية في القارات الخمس، وهي رحلات وصفها بتسلسل تاريخي في 10 كتب وفي أكثر من 200 مقال في مجلات مثل ناشيونال جيوغرافيك أدفنتشر، وباكباكر، وريدرز دايجست (المختار). وقد فاز مرتين بالميدالية الذهبية للامتياز من الجمعية الأميركية لكتّاب الأسفار. يُدرّس الكتابة والآداب في كلية كونسيرف بولاية ويسكونسن، ولا يزال يعشق التجذيف في الأنهار.
إنني كاتب بسبب نهر. لم يكن نهراً كبيراً، بل مُجرّد امتداد قديم متهالك من مجرى ماء صناعي، لكن كان بإمكاني رؤيته من نافذة غرفة الدراسة في مدرستي الثانوية. في الأيام التي تبدو فيها عقارب الساعة ملتصقة في مكانها وصفحات كتاب التدريس لا تنقلب، كنت أجلس لساعات أتفرج على النهر وأحلم. فهنا كنت أرى كتاب إرنست هِمنغواي، النهر الكبير ذو القلبين حيث كان نِك آدامز يصطاد لكي يحقق بداية جديدة في حياته. وهنا كنت أرى نهر المسيسيبي في كتب مارك توين مع هاك وجيم وهما مستلقيان على ظهريهما على طوافة ويؤشران إلى النجوم بأصابع قدميهما. وهذا الامتداد الصغير من النهر كان، في بعض الأيام، الشيء الوحيد الذي يتحرك، الممّر لأحلامي، بطاقتي إلى العالم الذي يقع حول منعطفه. ثم، وفي أحد الأيام، ذكر المعلم اسم كارل ساندبيرغ.
كتب ذلك الشاعر يقول، "أعرف الآن أن الأمر يتطلب العديد، العديد من السنوات لكتابة نهر، تموجات من المياه تطرح سؤالاً". تماماً في تلك اللحظة، كنت أحدق خارج النافذة في النهر، "تموج مياهي أنا"، فعرفت ماذا سوف أفعل في حياتي. سوف أكون كاتباً وسوف أبدأ بالكتابة عن الأنهار.
مهنة الكاتب ليست من نوع المهن التي يخبرونك عنها في معارض الوظائف. فهي لا تدخل بسهولة في خانات أي "استقصاء للمواهب المهنية" الذي قد يتحفك به مستشار أو مرشد موجّه للمهن. ففي مهنة الكتابة، تشق مسارك بنفسك، وتجد طريقك بنفسك، وهذه الإمكانية مرعبة ومثيرة في ذات الوقت.

في الجامعة، عندما كان الآخرون يجرون مقابلات عمل أو فترة تدريب عملية، كنت أمارس هواية تدحرج الإسكيمو في زورقي الكاياك، وأمارس التجذيف في كل فرصة تسنح لي، وأقرأ، أقرأ دائماً: ملاحظات نهر، بقلم باري لوبيز، والدخول في البلاد، بقلم جون ماكفي، والنهر لماذا، من تأليف ديفيد جيمس دانكان. كنت أعرف في صميم داخلي أن هناك قصصاً تحكيها الأنهار، وأسئلة تطرحها التيارات المائية المتعرجّة، فليتني كنت أستطيع أن أجدها وحسب.
وبعد أن حصلت على شهادة ليسانس آداب باللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية، حصلت على وظيفة كدليل أنهر بعد التخرج من الجامعة وبدأت أبحث – نهر كولورادو في الغراند كانيون (الأخدود العظيم)، وأنهار ألاسكا بضِفافها المدروزة مع بعضها البعض بآثار دببة الغريزلي (الدب الأشهب)، وأنهار ذات أسماء يصعب لفظها، وشلالات غاضبة في الصين وأميركا الجنوبية وكندا. جذّفت فيها كلها، وجلست حول نيران المخيمات، واستمعت إلى الروايات. وخلال كل ذلك، تعلمت أشياء عن الأنهار، وعن الوقت، وعن اللغة.
الأنهار البرية أكثر من مُجرّد ممرات مائية من هنا إلى هناك. إنها، بنفس القدر، ممرات إلى داخل أنفسنا. لا يمكن جعل النهر يسرّع اندفاعه. عندما تذهب إليه، فإنك تسير بوتيرة انسياب مياهه، وهذه الوتيرة تربطك بدفق أقدم من الحياة على سطح هذا الكوكب. أما قبول هذه الوتيرة فإنه يُذكرنا بإيقاعات أخرى أبعد من أصوات دقات قلوبنا، يُعلمنا عن تدفق فكرة ما، ووتيرة رواية جيدة، وكم هو ثمين الوقت. لقد تنبهت لكل شيء. استوعبت كل هذا. ثم جلست لأكتب.
على غرار استكشاف الأنهر البرية الجارية، فإن الكتابة هي فعل استكشاف. تجلس أمام صفحة بيضاء لاستكشاف الجبال والوديان السحيقة ومنحدرات الأفكار. تطرح الأسئلة وتُبقي ذهنك مُنفتحاً لصدى الأجوبة، مهما جاءت باهتة. تصقل مهارتك بريشة بدلاً من مجذاف، وتضع روحك عارية على الورق، وترسلها إلى محرر مجلة.
ويقولون لك، "لا شكرا." أو على الأقل، يقولون ذلك في بعض الأحيان. لكنك تحاول من جديد: مجلة أخرى، وقصة أخرى. وفي أحد الأيام، يقولون "نعم." تظهر المجلة واسمك فيها، روايتك، شيء بدأ بفكرة غامضة كما هي دوامّة تيار نهر فأصبحت الآن في مجلة، قصة، قصتك أنت، تتشاطرها مع العالم.
ثم تعود لتفعل ذلك مجدداً مرة تلو المرة. خلال عامين، كتبت بقدر ما جذفت، أما المال الذي كسبته كدليل أنهار فقد مثل نوعا من استكمال المال الذي كسبته ككاتب. بدأت المجلات في الاتصال. جاءت المهمات المحدّدة فأبعدتني عن الأنهار إلى أماكن برية أخرى – التجول مشياً بين الدببة الشهباء الضخمة في كمشاتكا بالاسكا، والطيران الشراعي فوق الأوتربانكس في نورث كارولينا، والرحلات الراجلة في القطب الجنوبي. وما لبثت أن أصبحت مُحرّراً في مجلة باكباكر ومساهماً منتظماً في منشورات ناشيونال جيوغرافيك سوسايتي. مقالات المجلات أصبحت كتباً. وفي وقت ما من مساري، توقفت عن تعريف نفسي كرائد أنهار/كاتب. فقد أصبحت كاتباً والأنهار واصلت تدفقها في الكلمات.
لم يكن هناك أبداً زمن أفضل كي يكون الإنسان فيه كاتباً عن الطبيعة. فالكتب، ومقالات المجلات، والقصص التي نرويها كانت دائماً واحدة من الطرق التي ساعدتنا في العثور على طريقنا عبر ظلمة الشكوك، وطريقة لمواجهة الأسئلة الكبرى المطروحة في أيامنا الحاضرة. فمع تغير المناخ العالمي، وازدياد معدلات فناء الحياة الطبيعية، وحشود التحديات البيئية التي نواجهها، سوف تكون مسائل العلاقات البشرية مع البيئة ومكاننا في العالم الطبيعي من أهم أبحاثنا الأدبية الحيوية، وأهم القصص التي يمكن أن نرويها. فهناك في الحقيقة أسئلة في طبقات الصخور على سفوح الجبال، وفي دوامات العشب في مرج، وفي "تموجات المياه"، كما كتب مرة شاعر كبير. وهناك أجوبة كذلك، في الأنهار، وفي الجبال، وداخل كل واحد منا إذا ما تعلمنا فقط كيف ننظر ونرى.
موقع الكاتب الإنترنت: http://www.jeffrennicke.com