18 ايلول/سبتمبر 2009
الاقتصاد الأكبر والأكثر تنوعاً في العالم يواجه أشد التحديات الاقتصادية منذ جيل أو أكثر

الولايات المتحدة "تواصل مفاجأة العالم ... وتستمر في تجديد نفسها".
- وزيرة الخارجية الأميركية (السابقة)، كوندوليزا رايس، 2008
أدّى الانهيار المالي في العام 2008 إلى توقف مفاجىء ومثير للصدمة للنمو الاقتصادي العالمي الذي دام ربع قرن بقيادة الولايات المتحدة. ولا تزال التداعيات النهائية لهذه الصدمة على الاقتصاد الأميركي والعالمي غير مؤكدة تماما حتى كتابة هذا المقال. ولكن في خضم الأزمة اختار الأميركيون قيادة قومية جديدة في عملية انتقال سلمي للسلطة أظهرت مرة أخرى قوة العملية الديمقراطية للبلاد وأكدت ثقة الناس بصلابة وقدرة الاقتصاد الأميركي على النهوض ثانية في المحصلة النهائية.
فمنذ انتخاب رونالد ريغان رئيساً للبلاد سنة 1980، دعت الولايات المتحدة إلى عولمة التجارة والمال، وشرّعت الأبواب أمام دخول منتجات واستثمارات أجنبية بدرجة أكبر من أي اقتصاد رئيسي آخر. شكلت ثقافة المبدأ الأميركي المتمثل في المبادرة التجارية الخاصة نموذجاً عالمياً. وبدا ان التمازج بين الحريات السياسية الأميركية والأسواق الحرة شكل نموذجاً برره انهيار الاتحاد السوفياتي العام 1991. وبرز في الوطن إجماع لدى الحزبين حول زيادة التحرير الإضافي للاقتصاد، مما حث بدوره على التوسع المنطلق بحرية لأشكال جديدة من الاستثمارات والتي ساعدت في تغذية الزيادة الهائلة في التمويل الدولي والتجارة الدولية.
ولكن، أصبح النمو الأميركي يعتمد بصورة متزايدة على الدَين. المستهلكون، وشركات الأعمال، ومشترو المنازل، والحكومة الأميركية بذاتها، استدانوا مبالغ ضخمة اعتقاداً منهم أن قيمة استثماراتهم، ومن ضمنها، ما تحول إلى استثمار مشؤوم للعديدين، منازلهم، قد تستمر في النمو. دفع الائتمان المتوفر بسهولة وبشروط ميسرة أسعار المنازل، بصورة خاصة، إلى مستويات أعلى.
وعندما انهارت طفرة نمو قطاع العقارات في نهاية المطاف سنة 2007، انكشف معه ذلك الجزء الهش من القروض المنزلية العالية المخاطر، التي منحت طوال فترة دامت عقداً، إلى أسر لم يكن باستطاعتها تحمل تكاليفها، وخاصة في حال حصول ضعف في الاقتصاد. اشترى بعض المقترضين منازل لم يكن باستطاعتهم تحمل ثمنها لثقتهم بأن استمرار ارتفاع السوق سوف يتيح لهم بيع ممتلكاتهم وتحقيق الأرباح. ولكن، مع هبوط أسعار المنازل، فإن اصحاب المنازل الذين لم يعودوا قادرين على تسديد أقساط الرهونات لم يتمكنوا من دفع ديونهم العقارية من خلال بيع منازلهم. وكذلك، شكلت هذه القروض المنزلية الأساس المتزعزع لمضاربات هائلة اكثرها غير مرئي، في سوق سندات الرهن العقاري والعقود المالية التي كانت تباع حول العالم.
انهار هذا الصرح بفعل انهيار قطاع الإسكان في العام 2008. فازدادت عمليات حبس الرهون العقارية وتبعها الهلع. شركات مالية عملاقة في وول ستريت سقطت أو أعيد تنظيمها او دُمجت مع منافسين أكبر منها. وغاصت أسعار الأسهم وسارت الاقتصادات في العالم باتجاه أسوأ أزمة منذ فترة الكساد الكبير التي حصلت في الثلاثينيات من القرن العشرين.
كشفت الكارثة عن نقاط ضعف لم يتم التنبه إليها خلال فترة الازدهار الاقتصادي. كان الاستهلاك الأميركي يتجاوز معدلات التوفير منذ فترة طويلة. وثقة منظمي الأسواق المالية بمدى فعالية الأسواق الاقتصادية قادتهم إلى التقليل من قيمة الأخطار المتصاعدة. وولّد التفاؤل والطموح اللذان سادا بين العديد من الأميركيين الإسراف والتهور. وأهملت الدروس المكتسبة من حالات الازدهار والانهيار الماضية بسبب توجه العديدين إلى تركيز اهتمامهم على الحاضر فقط.
لكن الأزمة كشفت أيضاً عن قدرة الحكومة الأميركية على الاستجابة بسرعة وحزم لهذا التحدي. حتى وفي ذروة الأزمة التي حصلت خلال الشهرين الأخيرين من العام 2008، ظل ينظر الأجانب إلى الولايات المتحدة على انها من بين اكثر ميادين الاستثمار الآمنة اقتصادياً والمستقرة سياسياً. بلغ توقهم إلى شراء سندات الخزينة الأميركية درجة أدت إلى وصول العوائد على هذه الاستثمارات إلى الصفر تقريباً، ومرة اخرى كان الدولار الملجأ الآمن عند هبوب العواصف المالية.
استجاب المسؤولون في واشنطن باتخاذ إجراءات لم يسبقها مثيل لمنع حصول انهيار عالمي في سوق القروض. تولّت الحكومة الفدرالية ومجلس الاحتياط المركزي الفدرالي إدارة اكبر شركتين أميركيتين للرهونات العقارية وساعدت مصارف رئيسية وشركة تأمين رئيسية على النجاة من المأزق بتقديم عون مالي لها، كما اتخذت إجراءات كان من غير الممكن سياسياً اتخاذها قبل حصول الأزمة. وحصلت خطة الإنقاذ الأولية للمصارف بقيمة 700 بليون دولار على دعم الحزبين في الكونغرس الأميركي.
منذ بداية الأزمة العالمية سنة 2008، تعهدت الوكالات الحكومية الأميركية ومجلس الاحتياط الفدرالي بدفع مبلغ مذهل بلغ 12.8 تريليون دولار، الذي يعادل تقريباً الناتج الاقتصادي السنوي الأميركي بكامله، وكان ذلك على شكل قروض، وشراء قروض، وضمانات ائتمان، وذلك سعياً منها لوقف استمرار الانهيار المالي غير المنضبط. وعد بنك الاحتياط الفدرالي أيضاً بشراء سندات تزيد قيمتها عن تريليون دولار مدعومة برهونات على المنازل كانت قد انخفضت قيمتها. ولاحظ عالم اقتصادي بارز انه "لا أحد غير أميركا – ولا حتى الصين- يملك ميزانية بهذه القيمة الكبيرة" لتنفيذ مثل هذه الاستجابة.
انفجرت الأزمة في منتصف العام 2008، عام الانتخابات الرئاسية وساعدت السناتور باراك أوباما، المرشح عن الحزب الديمقراطي حينئذ، على الانتصار. فسر العديدون النصر الانتخابي لأول رئيس أميركي أفريقي للولايات المتحدة، الرجل الذي ارتقى بسرعة من أصول متواضعة، كتأكيد لميزات التفاؤل والثقة لدى الناس بهذه البلاد. وكما قالت وزيرة خارجية أميركا خلال فترة رئاسة جورج دبليو بوش، كوندوليزا رايس، "يستطيع المرء ان ينطلق من ظروف متواضعة لتحقيق إنجاز استثنائي."
هذه الطبعة من مطبوعة "موجز الاقتصاد الأميركي" هي كتاب تمهيدي يشرح كيف برز النظام الاقتصادي الأميركي، وكيف يعمل، وكيف تتم صياغته من جانب القيم الاجتماعية والمؤسسات السياسية الأميركية. يوجد دائماً، خلال الأوقات الصعبة التي قارب خلالها اكتمال هذا العدد، شعور بكيف تستطيع جميع هذه العوامل توجيه استجابات الدولة نحو التحديات الاقتصادية الاستثنائية الماثلة في الأمام.
يقدم هذا الفصل نظرة إجمالية موجزة للاقتصاد الأميركي اليوم. ويتبعه الفصل الثاني الذي يعرض التطور التاريخي للاقتصاد منذ فترات الاستعمار حتى الوقت الحاضر. يبحث الفصل الثالث في المعتقدات، والتقاليد، والقيم التي تقوم عليها الديمقراطية التمثيلية في الولايات المتحدة واقتصادها. يقدم الفصل الرابع صورة عن تكوين الاقتصاد الأميركي، ماذا ينتج، ويصدّر ويستورد. يركز الفصل الخامس الاهتمام على المناطق الرئيسية في البلاد التي كانت ثقافاتها مسؤولة عن الكثير من أشكال التنوع في أميركا كما الروابط بين البنى التحتية والتعليم التي ربطت أقسام البلاد مع بعضها البعض. ويصف الفصل السادس المناظرات الجارية حول دور الحكومة في الحقل الاقتصادي، ويبحث الفصل السابع في تأثير العولمة والتجارة على الاقتصاد الأميركي وشركاته وعماله. اما الفصل الثامن فيوجز العقبات التي تواجه الاقتصاد الأميركي في عالم يتغير بسرعة بحيث تقل إمكانية التكهن به.