25 حزيران/يونيو 2009
كيف يقيم الممولون المحترفون المشاريع التجارية الجديدة ويقررون أين يستثمرون
بقلم جوزيف دبليو بارتلت
جوزيف دبليو بارتلت مستشار في مكتب شركة "سوننشاين ناث وروزنثال للمحاماة" ووكيل سابق لوزارة التجارة الأميركية. وهو أستاذ مجامل في كلية جونسون للتجارة في جامعة كورنل، وأستاذ مساعد زائر سابق في جامعة ستانفورد وفي كلية الحقوق بجامعة نيويورك. وبارتلت هو مؤسس ورئيس مؤسسة "في سي إكسبرتس" (خبراء رؤوس الأموال المغامرة) ورئيس تحرير موسوعة الأسهم الخاصة ورأس المال المغامر. http://vcexperts.com/vce/
الاقتصاد الأميركي مدين في كثير من نموّه بعد الحرب لظهور مؤسسات تجارية مطعّمة بالتكنولوجيا، توسّع كثير منها بنشاط وذكاء وأسهمت إسهاما هاما في زيادة العمالة والثروة والابتكار – شعارات ازدهارنا ومزايا رخائنا على مدى السنوات الخمسين الماضية. أما حكاية كيفية اجتذاب تلك الشركات الصغيرة الاستثمارات أو رأس المال المغامر، فهي لا بد لها أولا من البقاء والحياة، تقوم على ثقافة تقدّر التفاؤل والمجازفة وبعد النظر والسياسات الحكومية الموالية للاستثمار ونشاط رجل الأعمال الفرد واندفاعه.
وبما أن هذه المزايا ليست حكرا على الولايات المتحدة، يبدو من المحتمل أن القصص المتشابكة لمستثمري رأس المال المغامر وأصحاب شركات التكنولوجيا المتقدمة ستصبح ظاهرة مشتركة على النطاق العالمي.
معرفة التعابير والمصطلحات
يستخدم المعنيون بعالم رأس المال المغامر مصطلحات متخصصة يفهمها العارفون بدخائل الأمور في هذه الصناعة. فشركة أو مؤسسة جديدة تسمى "شركة ناشئة." ولما كانت مؤسسات تكنولوجيا عملاقة من أمثال شركتي هيولت – باكارد وأبل كمبيوتر تعود في نشأتها الأصلية إلى مشاغل صغيرة في مرائب (كراجات) للسيارات، فإن "الشركات الناشئة" تبدأ اليوم في مرائب مؤسسيها الذين يوصفون أحيانا بـ "الغزلان."
يقوم أي مشروع تجاري ناشىء أصلا على ما يبذله صاحبه من جد وكد في العمل أو ما ينضحه من "عرق الجبين"، يضاف إلى ذلك تمويل خارجي من "أصدقاء أو أسرة" ثم من ما يسمون "الملائكة" – وهو تعبير يطلق على الممولين الأغنياء الذين يأتي استثمارهم بالنسبة لمؤسس المشروع، على الأقل، وكأنه عمل خير – ثم يأتي بعد ذلك الالتزام بتوفير رأس المال من صناديق الاستثمار الرأسمالية المغامرة التي يديرها حرفيون متمرسون. ويمكن أن تتم في تلك المرحلة دورة أو دورتان من التمويل تعرفان بـ "سلسلة ا" و"سلسلة ب." وغالبا ما تسمى فترة مسار الانتقال من مرحلة الغزال – فترة التمويل الخاص – إلى التمويل عن طريق طرح الأسهم العامة وتبادلها مرحلة "الجنين قبل طرح أسهم الشركة للتداول العام."
هذه التسميات وغيرها من المصطلحات التي لم يرد ذكرها هنا هي مجرد – اختزالات لأمور أو ظواهر تختلف اختلافا كبيرا في الممارسة الفعلية. وأود أن أصب الاهتمام هنا على كيفية تصوّر وتكوّن المشاريع "الغزلان" ونشأتها بنجاح في الولايات المتحدة.
الضرورة الثقافية
أول ما يتبادر إلى الذهن من أسئلة هو كيف يجتذب المؤسس الذي يبدأ مشروعه في مرآبه (كراج منزله) رأس مال النمو من الملائكة ثم من ممولي رأس المال المغامر؟ وما هي العناصر الأساسية التي تنطوي عليها العملية؟ أول أصول لمشروع مبتدئ هي العقل (الأفكار) والطاقة (الجهد) والتزام مؤسس المشروع. وبتعبير آخر، المزايا الشخصية التي يتحلى بها صاحب المشروع هي بحد ذاتها شكل من أشكال رأس المال المغامر.
والولايات المتحدة، بهذا المفهوم، كانت محظوظة بوجود أفراد تجتمع فيهم خصال التفاؤل والثقة ورغبة جامحة في المغامرة. ومع ذلك لا توحي الشواهد، من ناحية إحصائية، بأن بدء مشروع ناجح في كراج صاحب المشروع (أو في كراج والديه كما كان الحال مع ستيف جوبز مؤسس شركة أبل للكمبيوتر) وبذل جهد ووقت فيه بهذه الطريقة ليس منطقيا. فمعدل الإخفاق مرتفع المستوى. وقد يحتاج مؤسس المشروع إلى قدر هائل من التفاؤل والثقة كي يحدّث نفسه قائلا "رغم كل الاحتمالات، يمكنني أن أحقق نجاحا كبيرا – وأن أستمتع كثيرا وأنعم بالرضا أثناء ذلك."
الشهية للمغامرة لها أهمية أساسية أيضا. ولذا فمن غير المحتمل أن ينتعش ويزدهر توفر رأس المال المغامر في مجتمعات حيث الأعراف والتقاليد الثقافية والسياسيات الحكومية وإبطاء البيروقراطية لا تشجع على المغامرة. فالمال المغامر يتطلب بدلا من ذلك توازنا متناسبا من المغامرة والمكافأة (المردود). فلو كانت عواقب الفشل لا تقود فقط إلى الإفلاس القانوني، بل والدمار الشخصي أيضا، فإن نموذج رأس المال المغامر لم يكن حتى لينطلق أبدا.
هذا وجه، أما الوجه الآخر من العملة ذاتها فهو أن شهية مؤسس الشركة للمغامرة يجب أن تحفزها إمكانية حصوله على المكافأة المثيرة، مهما كانت احتمالات ذلك بعيدة المنال. وهذا بدوره يعني وجود بيئة ضرائبية منخفضة وعدم وجود عوائق وعقبات بيروقراطية تعرقل النجاح. فإمكانية الفوز الهائل هذه هي التي تغري الأميركيين المتطلعين إلى إقامة العمل التجاري الحر – وليست الاحتمالات والتوقعات، وإنما البهجة والسرور الاقتصادي والنفسي لما تسفر عنه المقامرة من ربح.
قدرة مؤسس المشروع على اقتناص الفرصة والعمل بثقة وتحمل المخاطر هي مجرد بداية للقصة. ومما يشكل أهمية كبرى أيضا وجود نظام من القوانين والأعراف الاجتماعية التي تحمي حقوق الملكية الفكرية، وتكفل التعليم العام للجميع، وتزود المستخدِمين (أصحاب العمل) بالقدرة على استخدام العاملين، وعلى ما هو أهم، وهو تسريح العاملين حسب ما تمليه احتياجات العمل، وضمان قدرة المستثمر على استثمار رأسماله في تلك المشاريع المغامرة التي يراها واعدة، وذلك ضمن حدود قانونية معقولة.
الحصول على رأس مال للمشروع
مع افتراض توفر رأس المال الكافي للاستثمار، كيف يحصل مشروع تجاري أميركي نموذجي ناشيء على التمويل بشروط تكافئ بشكل منصف ومجز ما بذله مؤسس المشروع من عرق الجبين وما خاضه المستثمر من مخاطرة؟ والجواب هو أن الأميركيين تمكنوا على مرّ السنين من ابتكار هياكل وآليات تشكّل عمليات المساومة والتفاوض بين مؤسسي المشاريع التجارية والمستثمرين وتكفل استمرار تدفقات رؤوس الأموال التي تحتاجها المشاريع الناشئة في بدايتها.
كان على مؤسسي المشاريع أن يوجدوا ويطوروا الأدوات والمعرفة اللازمة لعرض مقترحاتهم التي تتيح للمستثمرين إمكانية درسها والتوصل إلى تقييم نزيه لاحتمالات نجاح المشروع المبتدئ وإمكانياته. وأوجد المستثمرون بدورهم الشروط المالية التي توفر لهم فرصة منصفة لجني أرباح تنافسية لما يمكن أن يكسبوه في استثمارات مختلفه من ├رباح مع تعديلها لأخذ المجازفة في الحسبان ومن دون أن تكون أرباحا تتسم بالجشع. الشروط المالية التي تحابي صاحب المشروع تنطوي على مخاطر عدم اجتذاب رأس المال التمويلي، فيما الصفقات التي تعتبر قاسية جدا من منظور مؤس? المشروع تجرد المستثمر أيضا من حافز استثمار عرقه وجهده في مشروع تجاري ناشئ.
أدى التاريخ الطويل من التفاوض بين أصحاب المشاريع والمستثمرين إلى إيجاد خريطة طريق واضحة نسبيا ومحددة جيدا لاستثمار رأس المال المغامر. وبصفتي واحدا من المعنيين في فترة تطور هذه العملية في أوائل الستينات أستطيع القول إن التجربة والخطأ قد طالا فعلا آلاف الصفقات وأوجدا إجماعا وتوحيدا للمعايير اللازمة.
يجمع مؤسس مشروع مبتدئ المال الأولي اللازم لتنظيم مشروعه بسحب كل ما تخوله بطاقاته الائتمانية (كرديت كارد) من قروض ويحصل على قرض مقابل ما جمعه من رأسمال في رهن عقاري يعود له. ثم يبدأ في سداد الديون تدريجا وببطء كسبا للوقت حتى يجري اختباره الثاني لإنتاج مشروعه في الكراج. فإذا كانت النتائج واعدة مشجعة، يقوم بتنظيم جولة لإطلاع الأصدقاء والعائلة على المشروع، ثم يسعى إلى الحصول على استثمارات من زملائه في الجامعة ومن أقاربه وأصدقائه القدامى وزملائه في العمل.
يتجه صاحب المشروع بعد ذلك إلى "الملائكة" وهم المستثمرون الماليون المتخصصون في توفير رأس المال المغامر للمشاريع التجارية الناشئة وأصحاب الأعمال المبتدئين. مرحلة الطواف على الملائكة صعبة وأكثر تشددا من سابقتها. لكن هناك جماعات منظمة من الملائكة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة ولها وجود في المؤتمرات الصناعية ومسابقات خطط الأعمال التجارية وفي نوادي رؤوس الأموال المغامرة وغيرها من الوسائل المتاحة لالتقاء الملائكة ودراسة المقترحات.
الممولون المجربون، أو أولئك الذين استثمروا في مشاريع بادئة ناجحة من قبل، هم أكثر المستثمرين المرغوبين، خصوصا حين يمكنهم أن يقدموا نصيحة تجارية قيمة ولهم اتصالاتهم ومعارفهم ولهم قنواتهم المفتوحة على البيع والشراء وغير ذلك من الأمور التي تحرك العمل التجاري. ويتطلب ضمان الحصول على رأس مال من هؤلاء الممولين إجراء كثير من الاتصالات الهاتفية وكثيرا من الطرق على الأبواب وكثيرا من العلاقات. وغالبا ما يستطيع الممولون العثور على المستثمر الأول في المشروع يسمونه "البقرة ذات الجرس" أي البقرة الحلوب. ويصبح اجتذاب مستثمرين آخرين أسهل عندما يتأكد وجود المستثمر الأول.
العملية ليست سهلة، لكن نصوص بعض القوانين الأميركية تساعد على سيرها. فالقانون يحابي استقطاب الأفراد المتمولين المرغوبين واجتذابهم، هذا على افتراض أنهم يملكون فعلا ما يكفي مما يطمح إليه أصحاب المشاريع من ثروة. ثم إن المعاملة الضريبية للاستثمارات يمكن أن تشكل عنصر جاذبية أيضا نتيجة لقيام الحكومة الفدرالية بالاضطلاع بنصف التكاليف على شكل إعفاءات ضريبية.
إعداد الصفقة وتشكيلها
خرائط الطرق التي تحدد شروط عقود الصفقات بين أصحاب المشاريع ومستثمري رأس المال أصبحت أيضا في المتناول وسهلة القراءة والمعرفة. فهناك عدد من الاستطلاعات المتوفرة التي تبين شروط ومصطلحات معايير السوق والصناعة المقبولة. وهناك نماذج مطبوعة جاهزة لذلك متوفرة عند الجمعيات التجارية، كالجمعية الوطنية لرأس المال المغامر، وفي مكتبات مكاتب المحاماة ومكاتب المستشارين الذين يعملون في هذا الميدان.
يدرك أصحاب المشاريع أن مستثمري رأس المال المغامر يتوقعون عائدا من فائدة مركّبة تبلغ نسبتها 20 بالمئة من قيمة الاستثمار ككل. ومعدل الفائدة المركبة هو المعيار الذي يجمع بين معدل زيادة قيمة ممتلكات ما أو مشروع بين بداية الاستثمار والبيع والمعدل المتحقق للعائدات من التوزيع المؤقت للأرباح. وبمعنى آخر، هي مقياس عائدات المستثمر خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات بين بداية الاستثمار ونهايته (أي عندما يبيع المستثمر استثماره).
ولذا ينبغي على صاحب المشروع التجاري الناشىء أن يكون واعيا ومدركا عندما يتصل بمستثمري رأس المال المغامرين لقدرته على عرض إسقاطات وتوقعات واقعية قائمة على نماذج من العائدات أو المداخيل الفعلية المعدلة وفق المجازفة، وقدرته على الوفاء بمعدل نسبة العائدات التي يستهدفها المستثمرون. وبما أن التقييم في المرحلة المبكرة يكون عرضة للتأثر بالاتجاهات التي لدى مستثمري رأس المال وبغريزة الجماعة (المعروفة بغريزة القطيع)، فإن كثيرا من المستثمرين يعتمد في قراره بدلا من ذلك على "تقييمات ما قبل المال" التي توفرها المنظمات والمؤسسات التي تحتفظ بالدراسات والإحصائيات المختلفة.
أما النقطة الحاسمة فهي أن الدروس المستقاة من سيول من الصفقات أكسبت بناء الصفقات وهيكلتها سهولة وفاعلية. فالجدل حول الترهات والنقاش حول الأمور التافهة قل كثيرا ولم تعد له صولة وجولة. والمستثمرون وأصحاب المشاريع التجارية الناشئة أصبحت لديهم نتيجة الخبرات التي اكتسبوها بمشقة أفكار واضحة عن ما يريدون التنازل عنه وإعطاءه وعن ما يريدون أخذه واكتسابه كي تنجح العملية. فعندما يتوافق جانب الشراء وجانب البيع ويتوازيان يتم الاتفاق على الصفقة بأقل ما يمكن من احتكاك وتوتر ومضيعة للوقت. ويستطيع الجانبان عندئذ أن يركزا همهما على المتغيرات الرئيسية مثل قيمة التكنولوجيا المتوفرة في المشروع التجاري الناشىء والمنافسة التي سيواجهها ونوعية إدارته والفترة الزمنية للخروج منه والسعر المتوقع للخروج (بيع الاستثمار). ويسهم المتعاملون في المشروع بشكل جماعي في خلق جو يقلل إلى حد كبير من المجازفات الشاذة والتي لا داعي لها.
أسهمت الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات في دفع هذه العملية عن طريق تخفيف القواعد والنظم المقيّدة. وأوضحت محاكم ولاية ديلاوير، مقر كثير من الشركات الأميركية الكبيرة، قواعد الإدارة الجيدة المعمول بها في الشركات وفسرتها. وعملت مؤسسات القانون والمحاماة والمحاسبة والاستثمار والمصارف الرئيسية على توحيد هيكلية اتفاقيات الصفقات ولغة العقود. وكان من الطبيعي أن يتم ذلك تدريجيا وبشكل تراكمي بحيث يجلب النجاح النجاح. وفي أساس كل هذا يجد المرء الضرورة الأخلاقية الأميركية المتمثلة في التفاؤل والثقة والشهية للمغامرة. وقد حفزت هذه القيم أصحاب رؤوس المال المغامرة وأصحاب المشاريع التجارية على أن يبنوا معا نظاما مدمجا موحدا يخدم حاجاتهم مجتمعة. وقد ظل هذا النظام ركيزة للنمو الاقتصادي والازدهار في أميركا.
أفق مفتوح
من التأثيرات والنتائج الواعدة التي لمستها خلال عدة سنوات ماضية أن الطلاب القادمين من مختلف أنحاء العالم وغيرهم من الطلاب أمثالهم الذين درّستهم درسوا ظاهرة رأس المال المغامر هذه وعادوا إلى أوطانهم حاملين معهم دروسهم. وقصص النجاح آخذة في الانتشار في العالم، وعلى الأخص في الهند وأيرلندا وإسرائيل.
نماذج المنافسة القائمة على العمالة قليلة التكلفة وموازنة سعر الصرف والثروة البترولية محدودة في قدرتها على دعم الاقتصاد. أما الابتكار والتكنولوجيا فيوفران في نهاية المطاف المجال والأفق المفتوح والمورد الذي لا ينضب.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تمثل بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية.