الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

21 تموز/يوليو 2009

ليس مجرد أشباه الموصلات

سيليكون فالي وثقافة الإبداع

 

بقلم آشلي فانس

آشلي فانس هو مؤلف كتاب "سيليكون فالي المولعة بالكمبيوتر"، الدليل الثقافي والتاريخي لتلك المنطقة. كما أنه محرر لموقع التكنولوجيا على الإنترنت "ذي ريجيستر،" ويساهم بصورة منتظمة في مجلة "ذي ايكونومست" وصحيفة "النيويورك تايمز."

إن أيا كان من المُلمين بالتعقيدات والغرائب التاريخية الكامنة خلف صعود سيليكون فالي إلى مركزها التكنولوجي المتفوق سوف يدرك المهمة الهائلة التي يجابهها أولئك الذين يسعون لتقليد نجاحها في أماكن أخرى من الولايات المتحدة أو في الخارج. قد يبدو وكأن عدداً من قادة المجتمع المدني والمؤسسات العاملة في المجتمع المدني قد قرروا أن المزيج "المناسب" المؤلف من الرأسمال، والدعم الجامعي، والمواهب، والحذاقة في إدارة الأعمال سوف ينشئ شبيهاً كفؤاً بسيليكون فالي. هذا أمر ممكن فهمه، ولكنه يقلل من قيمة القوى الثقافية التي جعلت سيليكون فالي تبلغ المركز الأول لصناعة التكنولوجيا المتطورة في العالم.

لو عدنا إلى الخمسينات من القرن العشرين، لكان من غير الممكن التوقع بأن مجموعة ضواحي تلك المدن المتشابكة التي تقع على بعد حوالي 65 كيلو متراً من سان فرانسيسكو ستكون العاصمة المستقبلية لتكنولوجيا الكمبيوتر. في ذلك الوقت، كان المواطنون المحليون يسمون المنطقة "ذي فالي أوف هارتس ديلايت" (وادي متعة القلب). لم تكن هناك أية رقيقة سيليكونية، بل بساتين أجاص وكرز وخوخ وغيرها من الفواكه المنتشرة في المنطقة الواقعة في وسط شبه الجزيرة بين خليج سان فرانسيسكو وجبال سانتا كروز.

يُشير مؤرخون عديدون إلى عودة وليام شوكلي عام 1956 من الساحل الشرقي للولايات المتحدة على انه كان المحفز لهذا التحول من أراضي زراعية زاهرة إلى ميادين للأعمال، وجادات طويلة مرتبة، ومجمعات للشركات المساهمة. يُعزى إلى شوكلي أنه كان من مخترعي الترانزيستور عام 1947 (كان يعمل آنذاك لدى مختبرات بل لابز)، وقد اختار بلدة ماونتين فيو، بولاية كاليفورنيا لتكون المركز الجديد لإنشاء شركته الجديدة لإنتاج أشباه الموصلات الإلكترونية المستندة إلى مادة السيليكون. كان بإمكانه اختيار دالاس، تكساس أو لوس انجلوس، كما كان ليفضّل المستثمر الذي أمده بالمال، ولكن شوكلي كان يحاول استعادة عافيته بعد وقت أمضاه في بيئة عمل صعبة وإثر طلاقه من زوجته، فاحتاج إلى التغيير، كما احتاج أيضاً لأن يظل قريباً من والدته التي كانت لا تزال تعيش في منزل العائلة في شمال كاليفورنيا القريب من جامعة ستانفورد.
يقول غوردون مور، المقيم القديم في سيليكون فالي، الذي كان يعمل في السابق لدى شوكلي، والذي أسس في ما بعد بصورة مشتركة مع غيره كل من شركتي فيرشايلد سمي كوندكتر وانتل كوربوريشن، إنه كان من الممكن ان تبرز إلى الوجود صناعة شبه الموصلات في مكان آخر لولا القرار الذي اتخذه شوكلي. جذب شوكلي بعض ألمع العقول في البلاد إلى منطقة ماونتين فيو وخاطر في ذلك الوقت باختياره السيليكون ليشكل المادة الأساسية التي قامت عليها جهوده في صنع أشباه الموصلات. تبين أن قرار شوكلي كان حاسماً في تطور سيليكون فالي، ولكن كانت هناك عدة عوامل تجارية وثقافية كامنة وراء إعداد سيليكون فالي للقيام بدورها الجديد ووفرت أقصى مدى من التأثير عند وصول شوكلي إليها.

كل الأمور بدأت بالراديو

عند بزوغ فجر القرن العشرين، بدأ هواة فضوليون ورجال أعمال خاصة نشطون العمل في حقل تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية والإلكترونيات. كانت منطقة خليج سان فرانسيسكو المكان الطبيعي لهذا العمل بسبب وجود مراكز سلاح البحرية الأميركية في المنطقة والرغبة في استعمال أنظمة الاتصالات اللاسلكية في عرض البحر.

في عام 1909، وسّع سيريل ألويل، أحد أشهر الخريجين الأوائل من جامعة ستانفورد، حدود الاتصالات اللاسلكية من خلال تأسيس ما سوف يصبح الشركة الفدرالية للبرق (فدرال تلغراف كومباني). صنعت هذه الشركة بعض أكبر أجهزة الإرسال القوسية في تلك الحقبة، وكانت هذه الأجهزة قادرة على إرسال الصوت عبر أمواج الأثير ضمن شعاع يصل إلى 240 كيلو متراً. خلال سنتين بعد تأسيسها صنعت شركة فدرال تلغراف لسلاح البحرية سلسلة من أجهزة الإرسال القوسية التي تربط سان فرانسيسكو بجزر هاواي. في هذه الأثناء، موّلت مختبرات الشركة في بالو ألتو العمل البالغ الابتكار على "الاديون"، وهو جهاز قادر على تضخيم الإشارات الكهربائية داخل أنبوب خاوٍ من الهواء. ساعدت هذه التكنولوجيا ومشتقاتها في تشغيل أجهزة الكمبيوتر الأولى.

هؤلاء الرواد الأوائل، الذين كثيراً ما عانوا من عدم توفر الاستثمارات، والمواهب والبنية التحتية، أُجبروا على تصميم طرق جديدة مبتكرة للتنافس مع منافسيهم من الشركات الأكثر عراقة على الساحل الشرقي. لذلك ركز مخترعون عديدون أوائل في منطقة الخليج اهتمامهم على صنع منتجات أقل كلفة وأعلى نوعية، أو على حل مشاكل دقيقة محددة جداً. وكثيراً ما وجدوا أنه من المفيد مشاطرة أفكارهم مع نظرائهم ومع منافسيهم. ولقد تجلى هذا الانفتاح والتقدير لهذه المهارات عبر كامل حقب الابتكارات الرئيسية التي شهدتها سيليكون فالي.

كانت شركات مثل آيتل، وماك كولو، ومختبرات ليتون انجنيرنغ، وفاريان اسوشياتس تقوم بنشاطات إلكترونية في وسط شبه الجزيرة. وبحلول العام 1939، خلقت جهودها ظروفاً مواتية تكفي لإغراء اثنين من خريجي جامعة ستانفورد هما بيل هيوليت وديفيد باكارد، بإنشاء شركتهما الخاصة لإنتاج معدات اختبار إلكترونية في بالو ألتو، الواقعة عند الطرف الشمالي لسيليكون فالي المستقبلية، ولمركز جامعة ستانفورد.

دخول فرد ترمان

قام فرد ترمان، الأستاذ في جامعة ستانفورد الذي يتميز بعقله الاستراتيجي والباحث في مجال الاتصالات اللاسلكية، باستغلال هذه الصناعة المتبرعمة وبدأ العمل على تشكيل روابط وثيقة مع طلابه ومع رجال الأعمال المحليين. عرّف طلابه برجال أعمال محليين ورتب حصولهم على تدريب لدى الشركات. وكان ترمان هو الذي شجع هيوليت وباكارد على إطلاق شركتهما.

من نواحي عديدة، كان ترمان رائد لهذا النموذج من ربط جامعة بارزة برجال الأعمال المحليين. ساعدت جهوده في تمكين طلاب ستانفورد الأذكياء من إيجاد عمل ومستقبل لهم في المنطقة بدلاً من الهرولة للعمل لدى شركات أكثر عراقة تعمل في الوسط الغربي وفي الساحل الشرقي. وقد ساعد ترمان بشكل مماثل في جذب وليام شوكلي إلى "فالي اوف هارتس ديلايت"، ووعده بتأمين دفق من الطلاب المتفوقين الراغبين بالعمل مع عالم فيزيائي رائد والتعلّم منه.

أثبتت قدرة شوكلي في اجتذاب بعض أبرع العلماء الشباب في البلاد إلى سيليكون فالي أنها كانت في غاية الأهمية في تشكيل تطور المنطقة مستقبلاً. ولكن، في نهاية ?لمطاف، أثبتت إدارته غير التقليدية، ان لم تكن الفجة للغاية، أنها كانت مساهمته الأكثر بقاءً. انفصل عن مختبر شوكلي ثمانية من أفضل الموظفين لديه لتشكيل شركة جديدة لأنهم لم يرغبوا في التعامل مع مزاج شوكلي المتقلّب وعدم امتلاكه الحذاقة في إدارة الأعمال.

حالف هؤلاء "الثمانية الخونة"، كما وصفهم شوكلي، الحظ بعد أن جذبوا اهتمام آرثر روك، المستثمر من الساحل الشرقي. رّتب روك صفقة كانت غير اعتيادية وفق مفهوم ذلك الوقت. اقنع شركة عريقة، تدعى فيرشايلد كاميرا أند إنسترومانت، بتوظيف المجموعة الكاملة من الموظفين السابقين لدى شوكلي لتأسيس شركة تابعة جديدة تعرف باسم فيرشايلد سمي كوندكتر. وبصورة أكثر أهمية، أعطي كافة الموظفين أسهم ملكية كبيرة في الشركة الجديدة. أثبت هذا النموذج من المزج بين الرأسمال المغامر وملكية الموظفين بأنه كان الأساس لتطور ونمو سيليكون فالي المستقبلي.

"أطفال فيرشايلد": نشر ثقافة الابتكار

حتى مع قيام شركة فيرشايلد سمي كوندكتر بتعزيز الدور القيادي لسيليكون فالي في صناعة أشباه الموصلات، ما لبثت وان رعت الشركة تقليداً آخر في سيليكون فالي. عندما قرر الباحثون في شركة فيرشايلد ان الشركة لا تتحرك بسرعة كافية لاستغلال أفكارهم، انفصلوا عنها لينشئوا شركاتهم الجديدة لصنع أشباه الموصلات، وكثيراً ما كان يُشار إليهم على أنهم "أطفال فيرشايلد".

أدت هذه الأعداد المذهلة (والنجاحات في كثير من الحالات) لهذه الشركات الجديدة إلى بروز المفهوم القائم على أنه لا بأس بالخروج من شركة سعياً وراء تحقيق أفكار المرء الخاصة به. كما كان مقبولاً أيضاً التنقل من شركة إلى شركة بحثاً عن الشيء الكبير التالي. كانت هذه المفاهيم جديدة وفريدة. ففي أماكن اخرى من الولايات المتحدة، كان من المتوقع من الموظفين البقاء في شركة واحدة طوال فترة حياتهم المهنية.

باتباعهما هذا الاتجاه، ترك اثنان من مؤسسي شركة فيرشايلد سمي كوندكتر، هما روبرت نويس وغوردون مور، العمل في الشركة عام 1968 لتأسيس شركة إنتل. وخلال سنوات قليلة تمكنت شركة إنتل من إنتاج أول جهاز معالجة مُصغّر حقيقي.

مع مرور الوقت، جذبت الصناعة المزدهرة لشبه الموصلات الإلكترونية الناس الذين يريدون استخدام هذه التقنية الجديدة. ومرة أخرى بدأ المتحمسون المحليون بإجراء تجارب على أجهزة المعالجة المصغرة  لمعرفة أنواع الآلات التي يستطيعون صنعها. تحولت سيليكون فالي إلى قوة ابتكار لا يمكن وقف مسيرتها.

باشر الباحثون في مختبرين، هما زيروكس بارك ومؤسسة ستانفورد للأبحاث (SRI) بتطوير العديد من الأفكار التي كانت ستشكل أساس ثورة الكمبيوتر. وكثيراً ما كان هذان المركزان يثبتان انهما يرغبان في مشاركة ابتكاراتهما مع غيرهما من مجتمع سيليكون فالي. وهكذا وجدت اختراعات مثل الماوس (الفأرة)، وأجهزة الاتصال بالمستخدم عبر الصور، والايثرنت طريقها إلى أيدي رجال أعمال محليين بهذه الطريقة. ومن الممكن إرجاع أصول شركات أبل، وسيسكو، وصنّ مايكروسيستمز، على سبيل المثال، إلى مختبر زيروكس بارك.

ومرة أخرى، قاد التبادل المفتوح للأفكار إلى نجاح الشركات التجارية في سيليكون فالي. فعلى سبيل المثال، وظف مؤسس شركة ابل كمبيوتر، ستيف جوبز، مصممي الكمبيوتر الشخصي من مختبر زيروكس بارك للعمل في مشاريع شركته الخاصة، وفي غضون ذلك استعان أحد مؤسسي صنّ مايكروسيستمز، وهو آندي بكتولشيم، بنفس ماكنة بارك وتكنولوجيا الإيثرنت للربط الشبكي كمصدر إلهام له في صنع أول كمبيوتر خادم.

وخلال السنوات التالية، سوف تقوم أعداد متزايدة من رجال الأعمال الخاصين بالبناء على هذا العمل. أظهر طلاب جامعة ستانفورد، بشكل خاص، موهبة في الاستفادة من الاتجاهات التكنولوجية، من أمثال شركتي غوغل وياهو اللتين بدأتا كمفاهيم في مهاجع نوم الطلاب.

قد يبدو وكأن الحجم الهائل للشركات العملاقة في حقل الابتكارات والتكنولوجيا المرتبطة بسيليكون فالي يصعب فهمه تقريباً. فعلى سبيل المثل، ولّدت سان فرانسيسكو التلفزيون عبر عمل شركة فيلو فارنزورث، وصناعة التكنولوجيا البيولوجية من خلال شركة جننتيك. وولدت المنطقة الأوسع لسيليكون فالي شركات عملاقة مثل إنتل، ايتش بي،  سيسكو، صنّ، أوراكل، الكترونيك أرتس، أس جي آي، ياهو، إي باي، غوغل، وآي أم دي.

مقومات النجاح

كانت قصص النجاح هذه نتيجة للصفة المميزة لسيليكون فالي، التي تقدّر الابتكار وتيسّر تدفق المعلومات بين المبادرين. من الممكن فهم رغبة شركات التكنولوجيا، مثل نظيراتها في مجالات أخرى، في الاحتفاظ بأوثق سيطرة ممكنة على حقوق ملكيتها الفكرية. فهي تأمل في السيطرة على ابتكاراتها وتسويقها والاستفادة منها.

لكن شركات عديدة في سيليكون فالي تدرك أيضاً أن إحدى أهم المزايا التي تملكها يكمن في الجذور الطويلة والعميقة لكون سيليكون فالي كما النادي الضخم لمشاطرة الأفكار الجديدة. يَحِث المتحمسون واحدهم الآخر على تقديم شيء جديد وأفضل. ينتقل الموظفون من شركة إلى أخرى حاملين معهم مفاهيم يمكن استغلالها لخلق اختراع جديد. ويسافر هؤلاء الموظفون على طريق ساند هيل رود في سيليكون فالي لعرض أفكارهم على رأسمالي مغامر بعد أن يغرسوا في عقول اللاعبين المؤثرين في سيليكون فالي أفكاراً حول الاتجاهات التي سوف ستنتقل عبرها التكنولوجيا.

من خلال جميع هذه النشاطات، يقبل الناس في سيليكون فالي المبدأ القائل بأن الفشل يمثل جزءاً من الصفقة. وبدلاً من الخجل من مجموعة من الشركات الناشئة التي فشلت، يحمل المرء تلك التجارب كميدالية فخر، ويَعرف ان من المفروض عليه ان يستمر في التقدّم حتى الوصول إلى تحقيق "الضربة الكبيرة". ربما يعود تاريخ نشوء هذه الروح إلى حقبة الاندفاعة للتنقيب عن الذهب في كاليفورنيا عام 1849، هذه الموجة من المخاطرة والاندفاع الشخصي التي تركت بصمتها الفريدة على نفسية المنطقة.

هذا المزيج الغني من القوى المتشابكة هو الذي يجعل من الصعب استنساخ سيليكون فالي. يتحمل الناس أجور السكن العالية، والطبيعة الصعبة لعملهم لأنهم يشعرون بأنه لا يمكن إنجاز نفس العمل في أي مكان آخر. هناك تقريباً شعور بأن الفرد يعيش داخل معرض تجاري، معرض مفتوح للشمس كذلك، حيث تجد عند أطراف أصابعك كل ما تحتاج إليه للاندفاع وراء إلهامك أو فكرتك: التكنولوجيا، والتمويل، وبالطبع المواهب.

تواجه سيليكون فالي بالتأكيد ضغوطاً تنافسية. هناك أماكن متنوعة حول العالم تملك ما يكفي من المواهب والرساميل والتصميم لتحسين قدرتها التكنولوجية. ولكن التفاعل بين القوى المتعلقة بالثقافة والأعمال التي ساعدت سيليكون فالي في أن تبقى نابضة بالحيوية وأن تستمر في الحفاظ على مركز المنطقة كمحطة توليد لطاقة التكنولوجيا لا مثيل لها.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي