الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

20 تموز/يوليو 2009

صعود الطبقة المبدعة

التكنولوجيا المتطورة توجد أدواراً للمفكرين المتيقظين وللأنماط المتنوعة من أساليب حياتهم

 

بقلم ريتشارد فلوريدا

ريتشارد فلوريدا هو أستاذ في إدارة الأعمال والإبداع في كلية روثمان للإدارة في جامعة تورونتو  حيث يشغل أيضاً منصب المدير الأكاديمي لمؤسسة لويد ودلفين مارتن للازدهار. وهو كاتب "من هي مدينتك؟" اقتُطف هذا البحث من مقاله بعنوان "صعود الطبقة المبدعة"، الذي نشر في الأصل في مجلة واشنطن مونثلي.

شاهدت عندما كنت أمشي عبر حرم جامعة كارنيغي ميلون في بيتسبرغ في أحد أيام الربيع المبهجة طاولة تحيط بها مجموعة من الشباب يتبادلون الأحاديث ويتمتعون بالطقس الرائع. كان العديد منهم يرتدون قمصان تي شيرت زرقاء اللون كُتب عليها "تريلوجي @ سي أم يو" (Trilogy@CMU). تُشير كلمة تريلوجي إلى شركة تنتج برامج كمبيوتر يقوم مركزها الرئيسي في أوستن، بولاية تكساس وتتمتع بشهرة توظيف طلابنا المتفوقين. اتجهت نحو الطاولة، وسألتهم "هل أنتم هنا من أجل توظيف الطلاب؟ فأجابوني بقوة، "كلا على الإطلاق. لا نسعى لتوظيف الطلاب. نحن هنا نقضي بعض الوقت ونلعب لعبة الفريسبي مع أصدقائنا". فكرت، كم كان ذلك الأمر مثيراً للاهتمام. لقد جاؤوا من أوستن إلى الحرم الجامعي في يوم عمل لمجرد قضاء الوقت مع بعض الأصدقاء الجدد.

لاحظت ان أحد هؤلاء الشباب كان جالساً مسترخياً على العشب وهو يرتدي قميصاً دون أكمام. كان لهذا الشاب شعر منتصب متعدد الألوان، ويحمل أوشاما على سائر أنحاء جسمه وكانت أذناه مثقوبتين في أماكن عديدة. اعتقدت انه كما هو واضح شاب كسول وربما عضو في فرقة موسيقية. سألته: "ما هي قصتك؟" فأجاب "يا رجل، لقد وقعت للتو عقداً مع هؤلاء الشباب." وبالفعل، كما كنت سأعلم لاحقاً، كان طالباً موهوباً وقّع عقد توظيف كان الأعلى لناحية الراتب من أي طالب في تاريخ قسمه من الجامعة، وقد وقعه هنا على تلك الطاولة الموجودة على العشب مع موظِفي الطلاب الذين "لا يوظِفون".

كم بدا ذلك مُختلفاً عن أيام دراستي في الجامعة، أي أكثر بقليل من 20 سنة عندما كان الطلاب يرتدون أفضل ملابسهم ويخفون جيداً أية ميول مناهضة لقيم المجتمع لديهم لكي يُثبتوا أنهم يتلاءمون مع الشركات. أما اليوم، على ما يظهر، فإن الشركة هي التي تحاول أن تتلاءم مع الطلاب. وفي الواقع، قدمت له شركة تريلوجي ما لذ وطاب من الطعام خلال حفلات المارغريتا في بيتسبرغ ثم نقلته بالطائرة إلى مدينة أوستن ليشارك في حفلات خاصة أقيمت في نوادٍ ليلية وعلى متن مراكب تملكها الشركة. وعندما اتصلت هاتفياً بالناس الذين وظفوه للاستفسار عن سبب ذلك، أجابوا، "الأمر بسيط. لقد أردناه أن يعمل معنا لأنه نجم موسيقى روك لامع."

في حين كنت مُهتماً بمُتابعة التغيير الحاصل في استراتيجية التوظيف التي تتبعها الشركات، لفت نظري شيء حتى أكثر من ذلك. هنا كان لدينا نموذج آخر لشاب موهوب يغادر بيتسبرغ... سألت الشاب ذا الشعر المنتصب عن سبب ذهابه إلى مدينة أصغر تقع في وسط تكساس، مكان يوجد فيه مطار صغير، خالٍ من الفِرَق الرياضية المحترفة، وليس فيها فرقة موسيقى سيمفونية رئيسية، أو فِرَق باليه، أو أوبرا أو متحف فني يمكن مقارنته مع بيتسبرغ. فأجابني، بأن الشركة ممتازة. وهناك في المدينة أيضاً أناس متميزون والعمل فيها يطرح تحدياً. ولكن الحجة المُفحمة، كما قال، هي "أن الشركة تقع في أوستن". وانطلق يشرح بأنه يوجد هنالك الكثير من الشباب كما الكثير من النشاطات التي يمكن الانخراط بها: مشهد موسيقي مزدهر، تنوع اثني وثقافي، وسائل ترفيهية هائلة في الهواء الطلق، وحياة ليلية عظيمة. رغم أنه تلقى عدة عروض عمل جيدة من شركات التكنولوجيا المتطورة في بيتسبرغ ويعرف المدينة جيداً، لكنه قال انه شعر أن المدينة تنقصها الخيارات المتعددة في أساليب الحياة، والتنوع الثقافي، والمواقف المتسامحة التي تجعل العمل فيها اكثر جاذبية. وكما أوجزه: "كيف يمكنني أن أتلاءم مع العيش هنا؟"

هذا الشاب وميوله تجاه أسلوب حياته يمثلان قوة جديدة عميقة التأثير في الاقتصاد والحياة في أميركا. انه عضو في ما سوف أسميه "الطبقة المبدعة": جزء من القوى العاملة التي تنمو بسرعة، والمثقفة بدرجة عالية، والتي يحصل أعضاؤها على رواتب جيدة كما أصبحت الشركات الكبرى تعتمد على جهود هذه الطبقة بصورة متزايدة لزيادة الأرباح والنمو الاقتصادي. يؤدي أفراد الطبقة المبدعة مجموعة واسعة من الأعمال في مجموعة متنوعة من الصناعات، بدءاً من التكنولوجيا وحتى الترفيه، ومن الصحافة حتى الشؤون المالية، ومن الصناعة المتطورة حتى مختلف الفنون. إنهم لا يعتبرون أنفسهم عن وعي كطبقة، ومع ذلك يتشاطرون معتقدات مشتركة تقدّر الإبداع، والإنجاز الشخصي، والاختلاف، كما الجدارة.

السكرتير المبدع

السِمة المِميزة لأفراد الطبقة المبدعة هي أنهم ينخرطون في عمل تكون وظيفته "خلق أشكال جديدة ذات معنى". تشمل النواة المبدعة المتفوقة لأفراد هذه الطبقة الجديدة العلماء والمهندسين، أساتذة الجامعات، الشعراء والروائيين، والفنانين، ومحترفي الترفيه، والممثلين، والمصممين، والمعماريين، كما "القيادات الفكرية" للمجتمع الحديث: الكُتّاب غير الروائيين، والمحررين، والشخصيات الثقافية، والباحثين في مؤسسات الفكر والرأي، والمحللين، وغيرهم من صُنّاع الرأي. ينتج أفراد هذه النواة المبدعة الرفيعة أشكالاً أو تصاميم جديدة يمكن تحويلها فوراً وبصورة واسعة إلى أشياء مفيدة، وعلى سبيل المثال، تصميم منتج يمكن صنعه، وبيعه، واستعماله بصورة واسعة، أو أنهم يقدمون نظرية او استراتيجية يمكن تطبيقها في حالات مختلفة، أو يؤلفون قِطعاً موسيقية يمكن تأديتها مرة إثر المرة.

وخلف هذه المجموعة النواة، تشمل الطبقة المبدعة "محترفين مبدعين" يعملون في مجال واسع من الصناعات التي تعتمد على المعرفة المكثفة، مثل قطاعات التكنولوجيا المتطورة، والخدمات المالية، والمهن القانونية، ومهن العناية الصحية، وإدارة شركات الأعمال. ينخرط هؤلاء الناس في إيجاد حلول إبداعية للمشاكل، بالاعتماد على مجموعات معقدة من المعارف لحل مشاكل معينة. يتطلب تنفيذ ذلك عادةً الحصول على تعليم رسمي عالي وبالتالي مستوى عالٍ من الرأسمال البشري. الناس الذين ينخرطون بمثل هذا النوع من العمل قد ينتجون أحياناً أساليب أو مُنتجات قد تحقق فائدة واسعة دون أن يُشكِّل ذلك جزءاً من الوصف الأساسي لوظيفتهم. فالمطلوب منهم بانتظام هو التفكير من تلقاء أنفسهم، وهم يطبقون أو يوحدون مقاربات معتمدة بطرق فريدة تناسب الوضع، ويمارسون قدراً كبيÐاً من حسن الحكم على الأمور، وقد يقومون بتجربة أشياء جديدة بصورة جذرية من وقت لآخر.

يصح مثل هذا القول كثيراً على العدد المتزايد من الفنيين وغيرهم الذين يطبقون مجموعات معقدة من المعارف للعمل على مواد حسية. ففي حقول كالطب والبحث العلمي، مثلاً، يتولى الفنيون مسؤولية متزايدة لتفسير عملهم واتخاذ القرارات، وهو ما يغيّر صورة التمييز القديم بين العمل المكتبي (الذي يقوم به صنّاع القرار) والعمل اليدوي (الذي يقوم به أولئك الذين يتبعون الأوامر). يكتسب هؤلاء الناس مجموعات المعارف الخصوصية لعملهم ويطورون طرقاً فريدة خاصة بهم لتنفيذ العمل. مثال آخر هو ما يقوم به السكرتير في المكاتب التي اختصرت موظفيها في يومنا الحاضر. ففي الكثير من الحالات لا يتولى هذا الشخص مجموعة من المهمات التي كانت تؤديها في السابق مجموعة كبيرة من موظفي السكرتارية فحسب، بل يصبح أيضاً مديراً حقيقياً ... يوجه تدفقات المعلومات، ويصمم، ويبتكر أنظمة جديدة للشركة، وكثيراً ما يتخذ قرارات أساسية فورية. يساهم هؤلاء الأشخاص بأكثر من الذكاء او مهارات الكمبيوتر. انهم يضيفون قيمة خلاّقة. فأينما ننظر نرى انه يتم تقدير الإبداع بصورة متزايدة. الشركات والمنظمات تقدر الإبداع نظراً للنتائج التي يمكن ان يولدها، والأفراد يثمنون الإبداع كطريقة للتعبير الذاتي وتحقيق الرضى في الوظائف. النتيجة النهائية: مع زيادة تقدير الإبداع، تتعزز الطبقة المبدعة.

تضم الطبقة المبدعة الآن أكثر من 38.3 مليون أميركي أي نسبة 30 بالمئة تقريباًَ من إجمالي القوى العاملة في الولايات المتحدة... يمثّل ذلك ارتفاعاً من نسبة كان قدرها 10 بالمئة فقط في بداية القرن العشرين، ومن نسبة أقل من 20 بالمئة في العام 1980. تملك الطبقة المبدعة قوة اقتصادية كبيرة. ففي عام 1999، كان معدل راتب الفرد من الطبقة المبدعة يصل تقريباً إلى 50 ألف دولار (48,752 دولار) بالمقارنة مع معدل راتب الفرد من الطبقة العاملة الذي كان يبلغ 28 ألف دولار، ومعدل راتب العامل من طبقة الخدمات البالغ 22 ألف دولار.

ليس مستغرباً والحال هذه أن تكون المناطق التي يتواجد فيها أعداد كبيرة من أفراد الطبقة المبدعة هي التي تملك أيضاً بعض الأفراد الأكثر ثراءً ونمواً.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي