الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

22 نيسان/إبريل 2009

رحلة من المراجعات

 
تظهر المؤلفة هنا خلال حفل توقيع الكتاب عندما نشرت أول كتاب لها.
تظهر المؤلفة هنا خلال حفل توقيع الكتاب عندما نشرت أول كتاب لها.

بقلم ماغي ليفلر

إن اختيار مهنة واحدة أمر صعب، أما اختيار مهنتين فإنه بلا شك أكثر صعوبة. لكن كاتبة هذه المقالة تقول ان اختيار مهنة روائي ومهنة طبيب معاً كان الخيار الوحيد الذي بدا لها مناسباً.

الدكتورة ماغي ليفلر طبيبة تمارس الطب الأسري في بتسبيرغ، بولاية بنسلفانيا. كما نشرت أول رواية لها تحت عنوان تشخيص الحب عام 2007. وتنوي نشر روايتها الثانية التي ستحمل عنوان وداعاً يا أبناء العم، في حزيران/يونيو 2009.

إني أتذكر تماماً ذكرى الاحتفال بيوم اختيار المهنة في مدرستي الابتدائية: هذه الفتاة، التي هي أنا، البالغة من العمر تسع سنوات حينئذ، بشعرها المجدول، ترفع يدها لتقول إنها تريد أن تصبح طبيبة وكاتبة. قوبل حلمي بعدم التصديق فاق قدرة عدم تصديق رغبة أحد الشباب الذي قال إنه يأمل باللعب في بالتيمور اوريولز (فريق بيسبول محترف).

كان والدي ووالدتي طبيبين وكانت جدتي روائية. وفي سن مبكرة أوحى ذلك لي بأن أقوم بالمهنتين معاً. في وقت لاحق، إثر وفاة والدي، أدركت أن المهنتين مرتبطتان بكوني فانية. أردت ان أنقذ نفسي وأحبائي من خلال المعرفة الطبية ولكني أردت أيضاً أن أكتب شيئاً يبقى حياً بعد زوالي. وبمرور الأيام، أصبحت آمل فقط بالوصول إلى الناس طالما بقيت الفرصة سانحة لي. وكان ذلك أقوى حافز يدعوني إلى ممارسة الطب وربما كان أقوى حافز يدفعني على الكتابة أيضاً.

أحببت أن أضع كلماتي على الورق منذ أن تعلمت القراءة والكتابة، حيث كنت أشكل من حقائقي الصغيرة قصصا. ومنذ أن كنت طالبة في المدرسة الابتدائية، بدأت أكتب قصصاً قصيرة أسميتها "الخمسة الكبار"، وكانت هذه مصممة لتكون مطابقة لما كانت عليه عائلتي وإن كانت أقل انسجاما منها. في المدرسة المتوسطة انتقلت إلى كتابة القصص القصيرة المستوحاة من الروائية جودي بلوم، وفي المدرسة الثانوية كتبت سيناريو لمسرحية، وفي السنة التالية لتخرجي من جامعة ديلاوير أكملت كتابة أول رواية غير منشورة لي. فأنا لا أذكر وقتاً في حياتي لم أكن أكتب فيه.

نشرت دار النشر بانتام ديل في عام 2007 أول رواية لليفلر بعد سنوات من العمل الدؤوب.
نشرت دار النشر بانتام ديل في عام 2007 أول رواية لليفلر بعد سنوات من العمل الدؤوب.

من ناحية أخرى، كان قرار دراسة الطب قراراً واعياً لكنه وضع أمامي عائقين كبيرين: العلوم والاختبارات المعيارية. ولم أستطع تجاوز العائق الأول بسهولة، والذي تضمن دراسة الكيمياء، والفيزياء، والكيمياء العضوية. أما العائق الثاني، الذي يشمل اختبارات دخول كلية الطب (MCAT)، فقد سبب لي بالفعل نوبات من الهلع والتعرّق في راحتي يدي لدرجة أنني وجدت، خلال الأيام التي تسبق امتحانات المجلس الطبي التي تجري عبر الكمبيوتر، أنه من الصعب علي حتى الإمساك بقلم. رغم ذلك، ثابرت على متابعة الدورات الدراسية الملزمة التي تهدف إلى "التخلص من الطلاب الضعفاء"، وذلك طوال 16 أسبوعاً من الدراسة الصيفية المضنية، ثم تابعت حصص مراجعة اختبارات دخول كلية الطب. فقدمت طلباً للالتحاق بكلية الطب في خريف سنة تخرجي من الجامعة.

عندما كنت أتجول في النمسا في ذلك الربيع حاملة حقيبتي على ظهري، اتصلت بأسرتي من هاتف عمومي في نزل للشباب لأعلم أن طلباتي المقدمة إلى 27 كلية قد رفضت جميعها. ربما كان السبب أني ركزت اهتماماً زائداً على الأدب الأميركي خلال سنوات الجامعة أو ربما لأنني لم أظهر في طلباتي أنني أملك جانباً علمياً كافياً.

وبطريقة ما، نسجت والدتي الوقائع السوداء وحولتها إلى فرصة: "لقد أتت الآن فرصتك لكي تحلمي بالفعل. ماذا ستفعلين، هذا إذا كان بمقدورك أن تفعلي أي شيء؟" سألتني ذلك عبر أميال طويلة من أسلاك الهاتف. أجبتها: "أريد ان أؤلف كتباً سوف يقرؤها الناس ويعيدون قراءتها." ولكني في الحقيقة كنت أفكر: "سوف أكون طبيبة."

حان الوقت الذي حصلت فيه على أول "وظيفة جدية" في جامعة ماريلاند بالعمل في مختبر بلا نوافذ، أسميته في سرّي "السجن المظلم." تحت توجيه الباحث الرئيسي، كنت أجري العمليات  المخبرية الفنية، مثل قياس الميكرومترات التي تقطعها البروتينات المفصولة بفعل مادة جل، ولكني كنت أشعر طوال الوقت كما لو أني أقيس دقائق حياتي نفسها. خلال الوقت الضائع، بينما كنا ننتظر غليان الكاشفات الكيميائية او انطلاق أجهزة التوقيت، كنت أنهمك بالكتابة. لم يلبث الباحث الرئيسي أن تخلى عن سؤالي حول كلية الطب وبدلاً من ذلك بدأ يسألني حول روايتي، واعتبرت ذلك منه إشارة إلى فشل مزدوج. فالواقع، أنني كنت قد أرسلت إلى وكلاء نشر الأعمال الأدبية رسائل استفسار يزيد عددها عن الطلبات التي قدمتها للالتحاق بكلية الطب. لم يُبد أي وكيل للنشر اهتمامه حتى بقراءة مخطوطتي، ولا طبعاً القبول بتمثيلي لدى دور النشر. بدا لي حينئذٍ أنه يمكن ان أقضي حياتي وأنا اكتب كلمات لا أحد سيقرؤها وأسعى إلى مهنة لا أحد يريد مني أن احترفها.

بعد ستة أشهر، وفي أحد أيام شهر كانون الثاني/يناير القارسة، ركبت الطائرة إلى جزيرة غرينادا للالتحاق بكلية الطب في جامعة سان جورج خارج الولايات المتحدة، التي تجرأت على قبولي، وما كان مدعاة للدهشة أكثر هو أنني تجرأت على الالتحاق بها. كانت الحياة في دولة من دول العالم النامي فرصة للاستكشاف، اكتشاف الشيء الأهم: وهوأنني كنت ذكية، وهو الشيء الذي كنت أشك فيه خلال الأشهر التي تلت حصولي على شهادتي الجامعية الأولى. في جامعة سان جورج خطرت لي فكرة تأليف كتاب جديد، وهو الذي أكملته هناك قبل تخرجي. وأعدت كتابة هذه الرواية خلال ممارستي الطب العائلي كطبيبة متدربة مقيمة في بتسبيرغ، ثم أعدت كتابة الرواية من جديد بعد ان صرت أعمل في عيادة خاصة. وتمّ قبول كتابي تشخيص الحب للنشر في نفس السنة التي ولد ابني فيها.

علمتني السنوات التي أمضيتها في المستشفى أن الكتابة وممارسة الطب لا يختلفان كثيراً. فكل يوم يزودني المرضى بقصص متفرقة كنت استخلص منها النقاط الهامة، حيث كانت مهنتي كطبيبة تقيدني بحيث أضحي بالتفاصيل التي أحب أن أذكرها في مقابل التفاصيل الهامة فعلاً في القصة المتعلقة بحالاتهم. ومن دواعي الشرف لي انني كنت بمثابة المحرر الشبح لنصوص رواياتهم.

وهكذا، كانت رحلة حياتي بمثابة رحلة من المراجعات، أكان ذلك في قصصي الخاصة أو في توقعاتي الشخصية. لم أخطط على الإطلاق لأن أترك البلاد لأصبح طبيبة إلا أن هذه المهنة أعطتني شيئاً لأكتب حوله. أما في مهنة الطب، كما في مهنة التأليف، فإن مراجعة الأفكار والآراء ليست لها نهاية. ففي كل يوم نقوم بالاختيار: ما هي المفاهيم البالية التي أستطيع التخلي عنها وما هي تلك التي أستطيع الاحتفاظ بها؟ الطب هو بمثابة تصفية لمثال أعلى يصعب إدراكه، أما في الكتابة فهناك دائماً نسخة أخرى لما كتبته.

لقد أصبحت ما أريد أن أكون عندما تقدمت في العمر، ولكني لا أزال أواصل  السعي إلى ما يجب أن أكون.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي