22 نيسان/إبريل 2009

بقلم جين هولدن
مطعم بنز تشيلي بول هو مطعم صغير ولكنه ذو سمعة هائلة في مدينة واشنطن، وفي خارجها. مهاجر من منطقة البحر الكاريبي جاء إلى الولايات المتحدة وباشر المشروع قبل أكثر من 50 سنة، وأبناؤه يديرون هذه المؤسسة الآن في عقدها السادس.
جين هولدن كاتبة مستقلة.
"الأمر يتعلق بالناس. ولقد كان الأمر دائماً يتعلق بالناس"، هذا ما يقوله نظام علي عندما يُسأل لماذا انخرط في مشروع العمل الذي تديره عائلته، مطعم بنز تشيلي بول. وويضيف قوله إنه: "في نهاية المطاف أصبح الأمر هو مساعدة عائلتي وإدراكي إلى أي حد يعني مطعمنا لهذا العدد الكبير من الناس."
لم يكن نظام، البالغ الآن 38 سنة، يريد دائماً إدارة محل الهوت دوغ والتشيلي، وهو المطعم الذي بات مَعلَما مشهورا كان أهله قد افتتحوه قبل 50 سنة في مدينة واشنطن. فالواقع أنه كان قد أصبح في أواخر العشرينات من عمره عندما قدّر فعلاً معنى إنجازات والديه.
جاء محبوب بن علي، والد نظام، إلى الولايات المتحدة سنة 1945 من ترينيداد، في البحر الكاريبي حيث وُلد. يقول نظام إن مسار والده بن علي كان مسار المهاجر الفقير الذي كان عليه أن ينجح. "أهل الوالد كانوا من أصحاب الأعمال"، كما قال نظام. وكانت الولايات المتحدة أرض الفرص. وكان بن علي قد جرّب عدة مهن، من تجارة الاستيراد والتصدير، إلى الدراسة في كلية لطب الأسنان، ووصولاً إلى خدمة الموائد في المطاعم.
وفي 22 آب/أغسطس 1958، افتتح محلاً صغيراً لبيع الهوت دوغ والتشيلي (طبق من اللحم المفروم الممزوج بالفلفل والتوابل) في حي يعج بالحياة في العاصمة الأميركية كان يُعرف بـ "برودواي السوداء" لأن أشهر الفنانين الأميركيين الأفريقيين كانوا يمارسون فنونهم في أندية المنطقة. وقد افتتح بن علي المطعم بمساعدة فرجينيا رولنز، وهي المرأة التي أصبحت زوجته في ما بعد. كانت فرجينيا تعمل في شارع يو، في بنك إندستريال بواشنطن، أحد أقدم وأكبر المؤسسات المصرفية التي يمتلكها أميركيون أفريقيون في الولايات المتحدة.
ترعرعت فرجينيا في مزرعة في بلدة تشانس بولاية فرجينيا، على مسافة 100 كيلومتر تقريباً في جنوب شرقي واشنطن. يقول نظام، "أخلاقيات والدتي الشديدة الالتزام بصدد العمل الجاد، وطريقتها الدافئة التي تستقبل بها الناس – ما نسمّيه روح الضيافة الجنوبية – جاءت متممة لروح الأعمال عند الوالد." لقد كانا يحبان أحدهما الآخر، لكن زواجهما كان أمراً معقداً. فبن كان من أصول آسيوية جنوبية وفرجينيا رولنز كانت أميركية أفريقية. وآنذاك، كان الزواج بين الأعراق غير قانوني في بعض الولايات. وبعد عدة محاولات، تزوج بن علي من فرجينيا رولنز ولكن في مراسم مدنية في إحدى محاكم واشنطن، وكان ذلك بعد مرور شهرين على افتتاح مطعم بنز تشيلي بول.
استخدم الزوجان خمسة آلاف دولار لافتتاح مطعم للحي، المطعم الذي عرف ببساطته، وطعامه الجيد وموظفيه اللطفاء. كان رواق يو ستريت كوريدور، مركزاً للمجتمع الأسود ويضم عددا من مؤسسات الأعمال، والدكاكين، والمطاعم. وكان مطعم بنز تشيلي بول شعبياً فاجتذب خليطاً من الفنانين والمهنيين والناس العاديين الأميركيين الأفريقيين. في السنوات الأولى، كان فنانو الجاز المشهورون من أمثال ديوك إلنِغتون وبسّي سميث من الزبائن الدائمين. ولاحقاً، كان بيل كوزبي، الكوميدي الشهير والإنساني المُحسن، يحب الحضور إلى المطعم برفقة كميل، عندما كانا يتواعدان قبل أن يتزوجا.
مر مطعم بنز تشيلي بول بأوقات جيدة وأوقات صعبة. عندما اغتيل الدكتور مارتن لوثر كينغ سنة 1968، اندلعت أعمال الشغب في عدة مدن. وفي واشنطن، أقفلت معظم مؤسسات الأعمال في رواق يو ستريت كوريدور، لكن مطعم بنز ظل مفتوحاً. وفي الثمانينات من القرن الماضي، أدّى توسيع شبكة قطار الأنفاق إلى شارع يو ستريت إلى حفر الشارع لكن مطعم بنز ظل مفتوحاً طوال سنوات الإنشاء هذه.
قال نظام إن فلسفة والديه هي التي أمّنت استدامة المطعم. وأضاف، "في الأساس، قامت هذه الفلسفة على حسن معاملة كل الناس، من الأصدقاء والموظفين والزبائن، فإذا أنت عاملت مجتمعك جيداً، فإنه سيكون دوماً إلى جانبك."
وُلد نظام، الإبن الأصغر بين أبناء علي الثلاثة، سنة 1970 وترعرع في المطعم. وهو يتذكر قائلاً، "عندما أصبحت قادراً على الوصول إلى الطاولات، بدأت أمسحها". كان نظام يساعد في المطعم بعد المدرسة وخلال موسم الصيف لكن المطعم لم يكن الشيء الوحيد الذي يشغل وقته، فقد كان يشارك أيضاً في مخيمات ونشاطات أخرى. "لم يزعجني أبداً أن تكون لي عائلة تملك مطعماً"، وأضاف "كان مكاناً جذاباً جداً ومناسباً لتدعو أصدقاءك إليه".
أمّا حيدر، شقيق نظام الأكبر، فقد ساعد في أعمال المطعم لفترة قصيرة لكنه كان دائماً يرغب في أن يكون موسيقاراً. وهو يعيش الآن مع زوجته في كاليفورنيا. ومن جهته، كان الشقيق الأوسط، كمال، يأتي للعمل في المطعم مباشرة بعد ساعات الدراسة في الجامعة. وكان كمال، الذي يكبر نظام بثماني سنوات، هو الولد الذي وعد بن علي بأنه سوف يواصل أعمال العائلة. لذلك، لم يتعرض نظام للكثير من الضغط من جانب العائلة للانضمام إلى المشروع وكان قادراً على استكشاف خياراته الخاصة.

في الجامعة، أدرك نظام أنه يحب الراديو. فعمل كلاعب اسطوانات في الحفلات (ديسك جوكي) في ثلاث محطات للإذاعة في الجامعة وحاز على فترة تدريب عملي لدى محطتي إذاعة تجاريتين. وكان آنذاك في سن العشرين. وقال "كانت لي قدم في المطعم وقدم في الإذاعة"، وأضاف، "كنت أحب الاثنين، لكنني لم أكن أقوم بأفضل ما يمكنني القيام به في أي منهما". عندها قرر نظام تمضية سنة تفرغ بعد الجامعة وكرّس نفسه للعمل في مطعم بنز تشيلي بول.
تعلّم هناك أن أعمال المطاعم شاقة بصورة لا تُصدق. "كان المطعم يعمل سبعة أيام في الأسبوع وكنا لا نقفل إلاّ يومين في السنة، في عيد الميلاد ويوم الشكر"، وأردف، "خلال الأسبوع، كنا نفتح الساعة السادسة صباحاً ونقفل عادةً عند الثانية صباحاً. وفي ليالي الجمعة والسبت، كنا نقفل عند الرابعة صباحاً. أما الأحد فهو يومنا القصير، من الساعة 11 قبل الظهر لغاية الثامنة مساءً."
لم يكن نظام قد عرف أي اتجاه سوف يختار في الحياة. ألح شقيق نظام الأكبر، حيدر، على نظام أن يضع لائحة بأهدافه: امتلاك شركته الخاصة، زيارة دول العالم، واختيار زوجة وتأسيس عائلة. ثم راحا يناقشان كيفية تحقيق ذلك. "كان حيدر على قناعة بأن كلية الحقوق كانت الوسيلة التي تحقق كافة الأهداف"، كما يشرح نظام. قبلت كلية الحقوق في جامعة ماريلاند نظام، لكنه خشي أن لا تكون لديه المقدرة على إكمال ثلاث سنوات أخرى من الدراسة. كان شقيقه حازماً: "إذا كانت لديك الفرصة والإمكانية للالتحاق بكلية الحقوق، فعليك مسؤولية الالتحاق بها."
نجح نظام في امتحان مهنة المحاماة وأدّى اليمين كمحام في كانون الأول/ديسمبر 1996. ومارس نظام المحاماة في ماريلاند سنة 1997 ومطلع 1998. ومع اقتراب موسم الصيف، أدرك أن 22 آب/أغسطس 1998 سيصادف الذكرى الأربعين لافتتاح والديه المطعم.
كان نظام يرغب في الاحتفال بالذكرى الأربعين هذه. فقال، "آنذاك، كان الوالد قد بلغ 71 سنة والوالدة 65" من عمريهما. وأضاف، "خطرت لي فكرة: لماذا لا نقفل الشارع مقابل المطعم ونعقد مؤتمراً صحفياً. سوف ندعو رئيس البلدية والرسميين في المدينة لتكريم الوالدة والوالد لكون مطعم بنز تشيلي بول قد ظل قائماً على الرغم من كافة الشدائد ولمحافظتهم على هذا المكان." راح نظام وشقيقه كمال يُعدّان الخطط، ويجريان الاتصالات الهاتفية، وينشران الأخبار القصيرة في الصحف، ويعلقان الملصقات.
أما ما لم يكن نظام وكمال يعرفانه، فهو أن أحد زبائنهما سيقوم هو أيضاً بالترويج للحدث. "كان يعتقد أن تاريخ مطعم بنز تشيلي بول يشكل قصة إخبارية كبيرة، وكانت زوجته تعمل في محطة سي إن إن (شبكة التفلزيون الإخبارية)"، كما قال نظام. وهكذا، وقبل الاحتفال بوقت قصير، حضر مراسلو سي إن إن إلى مطعم بنز تشيلي بول لإجراء مقابلة مع عائلة بن علي. وأجروا أيضاً مقابلة مع أحد أشهر عشاق المطعم، الممثل الكوميدي بيل كوزبي، حول مطعم بن علي التاريخي. أما القصة الاخبارية التي نتجت عن ذلك فقد ظهرت مراراً وتكراراً على شبكة سي إن إن وفي العناوين الرئيسية للأخبار.
قال نظام "لقد تحوّل فجأة الحدث الذي بدأ كمجرد مناسبة شكر متواضعة إلى شيء أكبر بكثير." كان ذلك نجاحاً كبيراً. فقد جاء الرسميون والزبائن سوية للاحتفال بمطعم الجوار الرائع الذي يخصهم. وقد تلقت أسرة علي شهادة تكريمية من المدينة معلقة الآن ضمن إطار على حائط المطعم. وخلال الأسبوعين اللذين تليا الاحتفال، ظلت طوابير الزبائن تمتد إلى خارج أبواب المطعم.
"لقد ذهبت في عطلة بعد مناسبة ذكرى الأربعين سنة مباشرة"، قال نظام. وأضاف، "لكني كنت أتصل بالمطعم يومياً، وكانت عائلتي تقول إن الحشود كانت عارمة – لا نهاية لها. في اليوم الذي عُدت فيه، ذهبت مباشرة إلى المطعم، وما زلت أعمل هناك منذ ذلك الوقت. لم أفكر أبداً في عدم المساعدة، ولم أندم أبداً على ذلك."
قال نظام إن الاحتفال بالذكرى الأربعين جعله يدرك كم كانت كبيرة المحبة التي كان الناس يشعرون بها إزاء مطعم بنز تشيلي بول. "كنا نتلقى كل ذلك الإطراء وكنت أعرف أن على المطعم أن يستمر." وأضاف، "وأدركت أيضاً أن شقيقي لا يمكنه إدارة المطعم وحده. كان من الضروري وجود شخص هناك يومياً للحفاظ على الجودة، والنزاهة، والنظافة. ولغاية اليوم، نعمل كِلانا ستة أيام في الأسبوع."
الإنخراط في الأعمال العائلية لم يكن ضمن خطة نظام، لكنه كان يعلم في صميم قلبه أن هذا هو الشيء المناسب الذي يجب أن يفعله. أما والده، بن، فكان أكثر حيرة. فمن جهة، كان نادماً لأن نظام لا يمارس المحاماة، ومن جهة ثانية، كان فخوراً فعلاً لأن ابنه يساعد في استمرار المشروع.
ولنظام وزوجته جيوتيكا الآن طفل في الثالثة من عمره، يدعى طارق. ولدى شقيقه كمال وزوجته توأمان في الثامنة من العمر. يقول نظام إنه يأمل أن يعمل أحد الأبناء في مشروع العائلة في المستقبل.
في مطلع هذا العام، احتفلت عائلة بن علي بالذكرى الخمسين لتأسيس المطعم حيث أحيوا سهرة برعاية بيل كوزبي، وحفلة في الشارع، وحفلة موسيقية لشكر الزبائن، وكانت جميع هذه الأحداث مجانية.
يقول نظام إن بعض مظاهر المطعم لا يجوز أن تتغيّر، "العاملون لدينا هم كعائلة. زبائننا هم كالزائرين الذين يأتون إلى دارنا. لقد بتنا نعرفهم." العديد من الناس اقترحوا إمكانية تحويل مطعم بنز تشيلي بول إلى نظام امتياز (فرانشايز) لكن نظام يقول إنه من المبكر التفكير بذلك. فعليه هو وكمال أن يفكرا بنوعية حياتهما أولاً. "إذا أعطينا امتيازا لمطعم بنز، سوف نصبح من أصحاب الملايين، لكن هل سيعرف إبني من أنا؟"، سأل نظام، وأضاف، "الأمر أبعد بكثير من المال."
"بنز هي سفينة أمير البحر"، يقول نظام. "خشيتي الكبرى أن يقول أحد ما ممن يعرفون ويحبون المطعم إن بنز لم يعد كما كان. إن احترامنا للإرث هو ما يُفسر حُب الناس لمطعم بنز إلى هذا الحد."
_______________
الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.