الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

22 نيسان/إبريل 2009

اختيار مهنة في زمن متغير

 
مدينة لوس انجلوس، بولاية كاليفورنيا، تدير خدمة وظائف في المدينة حيث يستطيع الباحثون عن العمل اصطياد الفرص على الانترنت.
مدينة لوس انجلوس، بولاية كاليفورنيا، تدير خدمة وظائف في المدينة حيث يستطيع الباحثون عن العمل اصطياد الفرص على الانترنت.

بقلم فيليس ماكنتوش

لقد أنتجت التكنولوجيات المتسارعة في تقدمها وإعادة الاصطفافات الاقتصادية انقلاباً ذا شأن في سوق التوظيف في الولايات المتحدة، وغيرت الطريقة التي يتبعها الشباب في اتخاذ خياراتهم وهم ينتقلون من الدراسة إلى مجال العمل.

فيليس ماكنتوش صحفية مستقلة  تقيم في واشنطن العاصمة وتملك خبرة واسعة في تغطية مسائل التوظيف والعمل.

 

إن سعي الشباب الأميركي لتأمين مهنة لم يكن من بعض النواحي، أسهل مما هو اليوم. فهناك ثروة من المعلومات حول فرص التعليم، وحول أصحاب العمل المحتملين، علاوة على وجود وظائف محددة شاغرة لا تبعد أكثر من أقرب كمبيوتر إليك. لكن الكثير من الشباب اليوم يحتاجون إلى وقت أطول من الأجيال السابقة لإكمال تعليمهم، وإيجاد وظيفة تناسبهم، والاستقرار في مسار مهني معيّن. فقد أصبحوا يدققون أكثر في اختيار الوظائف التي يلتحقون بها، كما من المرجح أن يغيروا وظائفهم بوتيرة أعلى. فبالنسبة لجيل اليوم، اصبح مفهوم الولاء بين صاحب العمل والموظف مفهوماً قديماً.

البحث عن الوظائف على الإنترنت

لم يكن لأي تطور تأثير أكبر على كيفية بحث الأميركيين عن الوظائف من قيام الإنترنت. ففي الماضي لم يكن أمام الطلاب المتخرجين خيار سوى حضور معارض الوظائف، ومقابلة ممثلي الشركات، ومراجعة أكوام من المعلومات المتوفرة في مركز المهن في الجامعة بغية معرفة إمكانيات العمل في حقل دراستهم. أمّا اليوم فيستطيع الطلاب، في الوقت وبالسبيل الذي يرتاحون إليه، دراسة أحوال أصحاب العمل المحتملين عبر مواقع إنترنت الشركات، وحتى تقديم طلبات الوظائف مباشرة على خط الإنترنت.

يقول إدوين دبليو كوك، مدير الأبحاث في الجمعية القومية للجامعات وأصحاب العمل (NACE): "يجد العديد من الطلاب انه من المريح اكثر لهم البحث دون الكشف عن هويتهم، أما الجانب السيء لذلك، فهو انه اصبح أكثر صعوبة على أصحاب العمل الحكم على الطالب المرشح لإشغال وظيفة معينة. فلا يزال أصحاب العمل هنا في الولايات المتحدة يعتمدون بدرجة كبيرة على التواصل المباشر وجهاً لوجه. وقد أظهرت الاستطلاعات التي قمنا بها ان الطلاب الذين حصلوا على وظائف خلال فترة أقصر كانوا أولئك الذين جمعوا بين البحث على الإنترنت والاجتماعات المباشرة مع أصحاب العمل."

إن أحدث أدوات الإنترنت المتوفرة للباحثين عن الوظائف هي مواقع الشبكات الاجتماعية الرائجة، مثل ماي سبيس  (MySpace)، وفيس بوك (Facebook)، ولينكدإين (LinkedIn)، والتي تُمكن المستعملين من جعل مئات الناس يعرفون فوراً بأنهم أصبحوا في سوق العمل لشغل نوع معين من الوظائف. أما أصحاب العمل الذين يسعون لملء الشواغر فإنهم أيضاً أصبحوا يستخدمون هذه المواقع. في الاستطلاعات التي أجراها إدوين دبليو كوك، كان هناك حوالي 16 بالمئة من أرباب العمل الذين قالوا انهم أصبحوا يستعملون مواقع الشبكات الاجتماعية لعمليات التوظيف، وقالت نسبة 7 بالمئة من الطلاب انه تم الاتصال بهم مباشرة من جانب صاحب عمل عبر موقع شبكتهم الاجتماعية. والجانب السيء بالنسبة لطالبي الوظائف هو ان عدداً أكبر من أصحاب العمل، أي 44 بالمئة منهم، يستعملون هذه المواقع للتحقق من السير الذاتية للمرشحين المحتملين لإشغال وظائف وذلك استناداً إلى استطلاع أجراه موقع الإنترنت www.Vault.com ، وهو موقع يركز اهتمامه على موضوع الوظائف. فقد قال اكثر من 80 بالمئة من أصحاب العمل هؤلاء انهم عند رؤيتهم ناحية سلبية في السيرة الذاتية على الإنترنت لمرشح متقدم لإشغال وظيفة معينة، فإن ذلك قد يؤثر على قرارهم في توظيفه.

وقد أصبحت شبكة الإنترنت أيضاً تُمكّن أعداداً اكبر فأكبر من الأميركيين من نيل شهادات جامعية عبر الإنترنت، وهي خدمة مفيدة على وجه الخصوص بالنسبة للطلاب الأكبر سناً الذين يحملون مسؤوليات وظائفهم وعائلاتهم. لكن في الاستطلاع، قالت نسبة 63 بالمئة من أصحاب العمل انهم يفضلون مرشحاً لوظيفة يحمل شهادة جامعية تقليدية بدلاً من شخص يحمل شهادة جامعية عبر الإنترنت. أما من الناحية الإيجابية، فإن 83 بالمئة من أصحاب العمل ومدراء التوظيف يعتبرون ان شهادات الإنترنت أصبحت اكثر قبولاً مما كانت عليه قبل خمس سنوات.

تأجيل بلوغ سن الرشد

الطلاب في كلية ولاية سنسناتي والكلية الأهلية الفنية يستطيعون البحث عن فرص العمل المعروضة على لوحات الإعلانات المركبة حول حرم الكلية.
الطلاب في كلية ولاية سنسناتي والكلية الأهلية الفنية يستطيعون البحث عن فرص العمل المعروضة على لوحات الإعلانات المركبة حول حرم الكلية.

في الحين الذي يبدو فيه ان البحث عن العمل بحد ذاته قد أصبح أسهل، يبدو أن الاميركيين الشباب أصبحوا يلاقون صعوبة اكبر في تخطيط مسار حياتهم. وبالفعل، فإنهم أصبحوا يعثرون على المهنة صدفة بدلاً من متابعة دراستهم بهدف مهني معيّن يكون شديد الوضوح في أذهانهم، وذلك استناداً إلى جون فلاتو،  نائب رئيس الأبحاث والاستشارات في مؤسسة فولت (Vault). فنصف عدد طلاب الجامعات يغيرون اختصاصهم الرئيسي خلال السنة الجامعية الأولى. وعلى الرغم من ان نسبة تزيد عن 40 بالمئة من طلاب السنة الجامعية الأولى يخططون لمواصلة الدراسة الجامعية بعد التخرج، أو للالتحاق بالكليات المتخصصة، فإن هذه النسبة تهبط إلى 20 بالمئة عندما يبلغون سنة التخرج. أظهرت دراسة أجرتها الجمعية القومية للجامعات وأصحاب العمل (NACE) ان معظم طلاب الجامعات يختارون اختصاصاً رئيسياً لأنهم يستمتعون بذلك العمل الدراسي نفسه. فباستثناء حقول دراسية كالهندسة، حيث تصمم الدراسة الجامعية بدقة لاعداد الطلاب لممارسة مهنة محددة، فإن الطلاب لا يربطون بين اختصاصهم الأساسي وبين ما سوف يفعلونه عند تخرجهم، حسب قول كوك.

 ويقول فلاتو، إنه ربما بسبب جميع هذه الشكوك يحتاج طلاب الجامعات اليوم إلى مدة معدلها ست سنوات لإكمال ما كان يستغرق في السابق أربع سنوات للحصول على الشهادة الجامعية الأولى. ويلاحظ ان أحد الأسباب هو ان الجامعات حريصة على الاحتفاظ بطلابها ولا تسمح لأولئك الذين يغيرون اختصاصاتهم الرئيسية بأخذ عبء دراسي إضافي من اجل التخرج ضمن الإطار الزمني التقليدي البالغ أربع سنوات.

كما أن التخرج من الجامعة لا يطلق تلقائياً الشباب إلى سن الرشد. وبصورة إجمالية، فقد أصبح الشباب يتزوجون في سن متأخرة، ويعود العديد منهم إلى ديارهم الأصلية لأسباب اقتصادية. أما الأهل الشغوفون بأولادهم فإنهم يرضون بتزويد أبنائهم ببعض الدعم المالي المتواصل، كما يبقى بعضهم منخرطاً بعمق في حياة أولادهم البالغين وحتى إلى نقطة مرافقتهم إلى مقابلات التوظيف، أو الاتصال بصاحب عمل لمعرفة سبب عدم توظيف ابنهم، حسب ما يؤكد ذلك خبراء المهن.

بالنسبة للعديد من المتخرجين، فان الوظيفة الأولى تكون كناية عن موطئ قدم: يغير النصف وظيفتهم خلال 12 إلى 18 شهراً التالية. ويقول دانيال ايتش بينك، مؤلف ومحاضر حول مسائل المهن والتوظيف، "من بعض النواحي، فإن العملية الاستكشافية التي كانت تحصل في الجامعات تحصل الآن خلال السنوات الأولى لدى القوى العاملة". ويضيف، "هناك قدر معين من التعثر ]في دخول مهنة[ لا يمكن تجنبه واعتقد ان هذا الأمر صحي عندما يكون لديك سوق عمل صعب التكهن به."

الاتجاهات المتبدلة

من أهم الاتجاهات السائدة في الولايات المتحدة هي اختفاء الولاء الطويل الأمد لصاحب العمل. يدرك الشباب أن تغيير العمل هو أسرع طريق للتقدم في الراتب والمسؤولية، وبعكس ما فعله آباؤهم وأجدادهم، فإن القليل منهم يتوقع البقاء في العمل لدى نفس الشركة لفترة من العقود. كما أنهم لا يتوقعون بالمقابل ولاءً طويل الأمد وضماناً للوظيفة من أصحاب العمل. يلاحظ فلاتو، "ان الناس يرون أصدقاءهم وأفراد عائلاتهم يمرون في فترات التسريح من العمل، وإنهاء الوظيفة، والاستحواذات التي تقوم بها الشركات الأخرى، لذلك فإنهم يقولون لأنفسهم إذا كانت الشركات تتصرف على هذا الشكل، فيتوجب عليّ ان أهتم بنفسي."

أما من ناحيتهم، فإن أصحاب العمل جعلوا عملية تغيير الوظيفة أسهل من أي وقت مضى. فالتأمين الصحي للموظفين الجدد يبدأ عادة فور توظيفهم، بدون فترة من الانتظار، وصناديق التقاعد التقليدية لدى الشركات قد حلّت محلها خطط التقاعد المسماة 401 (K)، حيث يساهم الموظفون أنفسهم مالياً بهذه الخطط، ويحتفظون بتلك الأموال عند تركهم العمل.

أما الأميركيون الشباب فإنهم يبحثون أكثر من أي جيل سبقهم عن المعنى الحقيقي لعملهم. فقد أظهرت الاستطلاعات انهم يسعون للعمل مع أصحاب عمل يكونون أصدقاء للبيئة، ومسؤولين اجتماعياً، كما أنهم يرغبون بوظائف يستطيعون فيها أن يحدثوا فرقاً من خلال عملهم. وينجذبون أيضاً إلى أصحاب العمل الذين يؤمنون خدمات متنوعة في مكان العمل، كمراكز اللياقة البدنية، والعناية الصحية، والعناية بالأطفال في موقع العمل، وصالونات الحلاقة، وخدمات غسل الملابس وتنظيفها الجاف، أي تلك الأشياء التي تجعل من الأسهل عليهم تأمين التوازن بين عملهم وحياتهم الشخصية. استناداً إلى عدة استطلاعات حديثة، أعطى طلاب الجامعات، الذين طلب منهم تسمية أصحاب العمل المثاليين، الميزة الأكبر إلى شركة غوغل التي تدير اكبر محرك للبحث على الإنترنت والتي اشتهرت بتوفير كافتيريات للذواقة تقدم الطعام بلا مقابل، بالإضافة إلى عدة خدمات اخرى للموظفين.

أما بالنسبة لعدد كبير من الشباب، فإن الموقع الجغرافي يُشكِّل عاملاً مساهماً رئيسياً في قبول الوظيفة. ويسعى بعضهم إلى نمط حياة معين في مدينته الرئيسية أو بالقرب منها أو في منطقة محددة من البلاد. ويفضل الكثيرون منهم أيضاً البقاء مع ما هو مألوف لديهم ويرفضون قبول وظيفة إذا كانت تبعد كثيراً عن منازلهم، وذلك استناداً إلى دراسة أجرتها الجمعية القومية للجامعات وأصحاب العمل.

وعلى الرغم من تدقيقهم أكثر في الاختيار، فإن المتخرجين حديثاً من الجامعات يستطيعون التوقع بأن تبقى فرص توظيفهم قوية نسبياً، كما يقول الخبراء، وذلك عندما يتجه الاقتصاد الأميركي للخروج من الركود. فالموظفون الشباب يشكلون جاذبية لأصحاب العمل لأن توظيفهم يكون اقل كلفة ويكونون أكثر قابلية للتدريب في موقع العمل من الموظفين الأكثر خبرة. ومع بدء العمال المولودين في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، أي من عرفوا باسم مواليد طفرة المواليد، بالتقاعد خلال السنوات القليلة القادمة، سوف تتوفر أعداد كبيرة من الوظائف، وبالأخص في القطاع الحكومي وقطاع التعليم، كما يتكهن كوك. وهو يضيف بان الاحتمالات الإجمالية لتوفر الوظائف سوف تبقى جيدة للمتخرجين المتخصصين في إدارة الأعمال، وهو الاختصاص الأكثر شعبية في الولايات المتحدة، رغم ان العديد من الوظائف في قطاع المال قد اختفت نتيجة الاضطراب في الأسواق المالية الأميركية الذي حصل في أواخر العام 2008.

يقول دان بينك انه مع تحويل المهمات الروتينية اكثر واكثر إلى أنظمة الكمبيوتر، "سوف تصبح المهارات كالإبداع الفني، والاختراع، والوجدانية، والتفكير في الصورة الكبرى، وهي التي تحوز على اهتمام خاص في يومنا الحاضر، حتى اكثر أهمية مما كانت قبلاً."

شيء واحد مؤكد: في اقتصاد اليوم، وهو أن ليس هناك شيء ثابت أكثر من التغيير، أكان ذلك في طريقة مقاربة الشباب الأميركي للمهن، أو لجهة أنواع الوظائف التي سوف يشغلونها. وكما يؤكد بينك، يمكن لبعض الشباب أن يتوقعوا الحصول على وظائف بعد 10 او 20 سنة من الآن في صناعات قد لا تكون موجودة اليوم، وأن يشغلوا وظائف ليس لدينا حتى المفردات اللغوية لوصفها في يومنا الحاضر.

________________

الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي