الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

22 نيسان/إبريل 2009

التحية للوظائف القذرة، والصعبة، والخطرة

 
مايك رو يأخذ قسطاً من الراحة خلال عمله لذلك اليوم في مكب نفايات في سانت لويس، بولاية ميزوري.
مايك رو يأخذ قسطاً من الراحة خلال عمله لذلك اليوم في مكب نفايات في سانت لويس، بولاية ميزوري.

مقابلة مع مايك رو

لم يكن متوقعاً لأحد البرامج التلفزيونية أن يحقق هذا النجاح المدهش وأن يحظى بتلك القاعدة الوفية له من المشاهدين. فقد دخل برنامج وظائف قذرة الذي يعرض على قناة ديسكفري موسمه الرابع وأصبح من أشهر المسلسلات في الولايات المتحدة التي تعرضها هذه المحطة منذ أن بدأ بثه عام 2005. يقوم مضيف البرنامج، مايك رو، في كل حلقة بزيارة موقع عمل مختلف، فيشمر عن ساعديه ويعمل جنباً إلى جنب مع أناس يقومون بهذه الوظائف لتأمين سبل معيشتهم اليومية. ويسعى البرنامج عن قصد وراء أناس يقومون بأعمال قذرة جداً، وغير معروفة كثيراً، وحتى في بعض الأحيان لا يمكن للناس الذين يعملون في وظائف اكثر نظافة مجرد تصورها.

 

كان مايك رو قد أمضى حوالي 20 سنة في مهنة التمثيل والعمل التلفزيوني قبل ان يبتكر برنامج وظائف  قذرة وينجح في إقناع قناة ديسكفري بدعم المشروع. وهو يتحدث هنا مع شارلين بوتر، المحررة الإدارية للمجلة الإلكترونية إي جورنال يو إس آيه.

سؤال: لديك مقدمة معدة لكل برنامج تلفزيوني. أرجو ان تعيدها لي وأن تشرح ماذا تقول لنا تلك المقدمة عن نظرتك حول الوظائف القذرة والعمل اليدوي.

رو: اسمي مايك رو، وهذه هي وظيفتي: أجوب البلاد بحثاً عن أشخاص لا يخشون من أن تتسخ ملابسهم، أي رجال ونساء كادحين في عملهم، ويقومون بمهمات تجعل من الحياة المتحضرة لبقيتنا نحن ممكنة. والآن استعدوا لكي تتسخوا.

هذه هي مهمة البرنامج. فإننا نبحث عن أناس يقومون بأعمال يسعى معظمنا للهرب من طريقها وتجنبها. أقضي يوماً كاملاً مع هؤلاء الناس كمتدرب، وأحاول ان أتابع العمل معهم وأن أمرح قليلاً. أعتقد أن نجاح البرنامج جاء نتيجة هذه المواضيع الأساسية حول العمل بحد ذاته والتي نعود إليها باستمرار، وليس فقط بسبب المراحيض الفائضة او البلايا الطفيفة التي تحصل خلال تربية الحيوانات.

سؤال: هناك الكثير من الأمور التي تحدث خلال برنامجك. فأنت تُعرّف المشاهدين على وظائف غير ظاهرة، وحتى غير معروفة لملايين الاميركيين الذين يعيشون حياتهم في الضواحي الجميلة والنظيفة. وفي نفس الوقت، فإنك تسلّط الأضواء على المهارة، والكرامة، وروح الدعابة لدى هؤلاء الناس الذين يؤدون هذه الأعمال. هل ان المزج بين هاتين الناحيتين المختلفتين للموضوع هو أمر مقصود؟

رو: كان مقصوداً جداً. فقد بدأ البرنامج كجزء صغير من برنامج محلي في سان فرانسيسكو. وقد تمكنت من إجراء تجارب حول الأشياء التي يستجيب لها المشاهدون قبل ان أقدّم البرنامج إلى شبكة التلفزيون. فقد تعلمت من العمل على هذه النبذات الشخصية الأصغر بأن هناك امتزاجاً حقيقياً بين اهتمام المشاهدين بالوظيفة نفسها وبالناس الذين يقومون بالعمل. فليست هناك كرامة في العمل بحد ذاته، إذ أن الكرامة تكمن في الناس. فأنت لا تستطيع عرض برنامج تلفزيوني حول عمل ما وتسلط فيه الأضواء فقط على الأجزاء الحسنة من هذا العمل، ما لم تشمل أيضاً الناس المعنيين وتسلط الأضواء على النواحي الحسنة لديهم.

سؤال: كم يبلغ عدد الوظائف القذرة التي غطيتها منذ ان بدأت البرنامج؟ وهل يمكنك أن تعطينا قائمة ببعض هذه الوظائف.

رو: لقد أنهيت تغطية الوظيفة رقم 200 قبل شهرين. ونحن الآن في الموسم الرابع للبرنامج، ولكن عندما بدأنا كان في نيتنا ان ننتج 12 حلقة، حول 12 وظيفة. لكن لم يبقَ لدي أي أفكار جديدة بحلول البرنامج رقم 50، ومنذ ذلك الوقت حولنا برمجة العرض إلى المشاهدين أنفسهم، ومعظم الأفكار تأتي الآن من أناس يشاهدون البرنامج فعليا.

لقد صورت كل شيء بدءاً بعملية التقاط الحيوانات النافقة على الطرقات، إلى محدد جنس الدجاج، والملقح الاصطناعي للأبقار، وبنّاء الطوب، والدبّاغ، وعامل صب الأسطح بالإسفلت، فأي شخص يعمل بالإسفلت الساخن يستحق ميدالية. وتشمل القائمة أي شيء قد يخطر للتو ببالك، وبعد كل هذا تبقى هناك مجموعة أخرى كاملة من الأشياء التي لم تحلم بها أبداً.

سؤال: سمعتك في إحدى المرات تقول خلال البرنامج، "وكما يقول جدي، لا تأمن لشخص يرتدي حذاءً نظيفاً". هل قال جدك ذلك فعلاً؟ ماذا كانت مهنة جدك؟

رو: جدي هو سبب عرض برنامج  وظائف قذرة على التلفزيون. فهو تابع دراسته حتى الصف السابع ولكنه من أولئك الأشخاص الذين ولدوا حاملين معهم استعداداً فطرياً لفهم  أعمال البناء والمهن الفنية. بنى جدي سيارتي الأولى، وبنى المنزل الذي ولدت فيه بدون الاعتماد  على مخطط هندسي، وعندما بلغ سن الخمسين من عمره، أصبح معلم سمكرة، وكهربائيا بارزا، وبنّاء طوب، وبنّاء حجر. كان يعرف ببساطة في قرارة نفسه كيف كانت الأشياء تعمل ميكانيكاً وفنياً.

لم أرث هذه المورثة منه.

كان رجلاً ذكياً بطبيعته، ولكنه كان دائماً قذراً، ويقوم دائماً بإصلاح الأشياء والعمل على المعدات المعدنية. ذكرياتي الأولى عنه وعن والدي، الذي عمل كمتدرب على يديه، إنهما كانا يبدآن اليوم نظيفين ثم يعودان إلى المنزل قذرين بعد ان يحلا أنواعاً مختلفة من المشاكل التي يصادفونها في طريقهما.

سؤال: من الواضح من كلامك ونبرة صوتك أنك معجب جدا به.

رو: نعم.

سؤال: ولكن بعض الناس في يومنا الحاضر قد ينظرون بعين الازدراء إلى الأشخاص الذين يرتدون أحذية قذرة. ما هو سبب ذلك؟

رو: بعد أن قمت بحوالي مئتي وظيفة بنفسي، كونّت بضعة نظريات بسيطة حول هذا الأمر. لا أعتقد أن أيا كان يحاول فعلاً الحط من قدر العامل، ولكننا كمجتمع أعلنا نوعاً من الحرب الباردة على المفاهيم التقليدية للعمل اليدوي. فنحن نقوم بذلك وفق الكثير من الطرق المختلفة. وقد لاحظت ذلك أولاً على التلفزيون في برنامج أساليب حياة الأثرياء والمشاهير، وهو أول برنامج يتبنى عن قصد ما هو عكس أخلاقيات العمل الجاد البيوريتاني. واليوم يمكنك ان ترى صور الأناس العاملين في ذروة أوقات العروض التلفزيونية بطريقة يمكن التكهن بها مسبقاً تماماً. فالسباك يزن 300 رطل وسرواله يسقط عن جسده. وسائقو سيارات تسليم البضائع أجسامهم هائلة بضخامتها، وهم كسالى ويمثلون هدفاً للاستهزاء.

ثم تأتي صناعة الإعلانات لتقنعنا بالرسالة التي تقول إننا لسنا سعداء إلى الحد الذي نستطيع ان نكونه لأننا نعمل بجهد أكثر مما يجب. أي نعمل أكثر من اللزوم ويجري تذكيرنا باستمرار بأننا نتوق للوصول إلى عطلة نهاية الأسبوع بسرعة أكبر، لكي نسجل بطاقة انصرافنا من العمل في وقت أبكر قليلاً، ولكي نتمتع بالتقاعد في وقت أسرع قليلاً.

وهكذا فقد أصبحت المفاهيم التقليدية للعمل مستهدفة. لكن الحرب على العمل تولد ضحايا، مثل التدهور في نوعية المهن اليدوية والتداعي في البنية التحتية، وهذه هي أشياء تؤثر فينا جميعاً.

ثم هناك الاتجاهات القومية الأوسع: سياسات تقود إلى تحويل الآلاف من وظائف المصانع الأميركية لتنفيذها في الخارج، واختراع الرقيقة الإلكترونية المصغرة، وغير ذلك من الأدوات الفنية الحديثة التي تحل محل صندوق العدّة التقليدي.

سؤال: تعني الانتقال من اقتصاد الإنتاج الصناعي إلى الاقتصاد المستند إلى المعلومات.

رو: تماماً. لذلك أعدنا تحديد مظهر الوظيفة الجيدة. ولا يعني ذلك بالضرورة أنك تعتبر الناس الذين يرتدون أحذية موحلة سيئين. فلقد أصبحوا يعتبرون مجرد أناس هامشيين. لم نعد نحترم الأناس الذين يلبسون مثل جدي، كما اننا لا نحتقرهم بالضرورة، بل نتجاهلهم فقط.

رو يساعد في إخراج شاحنة عسكرية من الوحول.
رو يساعد في إخراج شاحنة عسكرية من الوحول.

العمل الشاق يحتاج إلى حملة علاقات عامة، ولذلك بدأت أدير موقعاً على الإنترنت يركز بعض الاهتمام على هذه المسائل. وقد أطلقت على الموقع اسم مايك رو يعمل  [www.mikeroweWORKS.com] وأفكر بطريقة منظمة تنظيم الناخبين الأميركيين "روك ذي فوت" (Rock the Vote) التي تدعو إلى إشراك الشباب في العمل السياسي من خلال التصويت، ولكن بما يشبه اكثر "عودة إلى العمل!"

سؤال: لقد كنت ممثلاً، ومغنياً، وشخصية تلفزيونية، وكلها أعمال نظيفة. وعندما أصبحت في سن تقرير ماذا ستكون عندما تكبر، هل قمت عن وعي باختيار الحصول على وظيفة نظيفة؟

رو: اتخذت خياري عن قصد عندما كنت في سن الثامنة عشرة. كان جدي يعيش بجوار منزلنا مباشرة، وكان حاضراً في حياتي مثلما كان والدي. لكني لم أستطع أن أعمل كل الأشياء التي كان جدي يستطيع القيام بها، وهكذا سئمت من فشلي. كنت أكن التقدير والاحترام لنوع الأعمال التي يقوم هو بها، ولكني قررت ان ابتعد عنها بقدر ما أستطيع وان أحاول ان أجد شيئاً يسهل علي عمله، تماماً  كما كانت حرفة البناء سهلة عليه.

سؤال: ماذا تعني بالفشل؟ أعطاك جدك مطرقة ولكنك لم تتمكن من طرق المسمار؟

رو: كنت أتمكن من إدخال المسمار في الخشب، وإنما لم يكن ذلك سهلاً. أستطيع ان أركِّب ألواح الجبس الجدارية، لكن ذلك يأخذ مني وقتاً أطول. وكنت أكافح باستمرار لكي أعمل ما كانا يعملانه بسهولة. فسئمت من ذلك. لم أكن أعرف شيئاً عن مجال الترفيه، ولم أكن أعرف شيئاً عن التمثيل، ولكني كنت أعرف أن ذلك سيتطلب جزءاً مختلفاً بالكامل من دماغي. وكما قال الشاعر الأميركي روبرت فروست "الطريق تقود إلى طريق" (من القصيدة "الطريق الذي لم يُتبع")، صحيح؟ الشيء التالي الذي أذكره انني أصبحت ارتدي ملابس الفايكنغ، وأغني في دار الأوبرا القومية. ثم بعد ذلك بدأت أبيع أشياء في منتصف الليل على محطة كيو في سي (QVC) (قناة تسوق عبر التلفزيون الكبلي). وثم أنتجت برنامجاً لشركة أميركان إيرلاينز يتم عرضه على كافة رحلات طائراتها. ثم عملت مع ديك كلارك، ثم مع جون ريفرز، ثم كوكيل سفريات مستقل، ثم أصبحت في قناة ديسكفري.

من سخرية القدر بالنسبة لي هو انه بعد 18 سنة من العمل الحر في التلفزيون توصلت أخيراً إلى تحقيق النجاح الكبير لدى شبكة دولية تعتبر المقدمة الرئيسية لبرامج الترفيه غير الروائية في العالم. كل ما كان علي ان أفعله للحصول على هذا العمل هو الرجوع وتبني الأشياء ذاتها تماماً التي أمضيت حياتي المراهقة وأنا أتهرب منها.

لقد هربت من ذلك لأني لم أرغب في أن افشل أمام والدي وجدي. والآن فإن أي نجاح أحققه له ثمن محدد جداً. أي ان أقبل بالفشل كل يوم، ليس فقط أمامهما، بل أمام ملايين المشاهدين في 173 دولة. فالطريق الوحيد لتكريم مهندس تنسيق الحدائق الجيد في الواقع هو ان تضع منسق حدائق مبتدئا بجانبه، أي أنا، وثم تترك المشاهد يراقب ويقارن بين الاثنين وهما يؤديان نفس العمل الأساسي. هذه هي الطريقة التي يُكرم فيها البرنامج هؤلاء الناس. فمن خلال مراقبتي أنا من ناحية ومراقبة منسق الحدائق من ناحية أخرى، أو أي عمل آخر قد نعرضه في البرنامج، يستطيع المشاهدون ان يضعوا النقاط على الحروف وان يدركوا بان معظم الأعمال هي أصعب مما تبدو عليه.

سؤال: قلت أيضاً في البرنامج إن بعض أسعد الأشخاص الذين قابلتهم يعودون إلى منازلهم في كل يوم وتفوح منهم رائحة كريهة لأنهم يعملون في أشياء كالمجاري والنفايات. هل تريد أن تقول إن العمال الذين تقابلهم في أعمال قذرة هم بوجه عام أسعد من أولئك الذين تقابلهم في مهن أنظف؟

رو: هذا تعميم، ولكني سوف أقف بجانبه. فتعريف السعادة شيء صعب وموضوعي. ولكني أقول إنه بعد مئتين أو أكثر من هذه التجارب، الشيء الذي أجده هو التوازن في حياة الناس الذين قابلتهم. فالأشخاص الذين يؤدون أعمالاًَ قذرة يملكون توازناً في حياتهم لا ألاحظ وجوده لدى أصدقائي المحاسبين في شركات التأمين أو مصرفيي الاستثمار. يبدأون يومهم نظيفين، وينتهون بالعودة إلى منازلهم قذرين، ولكن نوعاً ما يبدو عليهم انهم يعيشون أوقاتاً أفضل من بقيتنا.

لدي الكثير من النظريات حول ذلك، ولكن في الأساس، من المفروض أن تكون المسألة مرتبطة بالشعور بإكمال المهمة. وهكذا، لا تعطيك العديد من الوظائف "الجيدة" هذه الأيام شعوراً بالانجاز. فبالنسبة للكثيرين من العاملين في وظائف مكتبية يظهر مكتب العمل عند السادسة مساءً كما كان عليه في السادسة صباحاً. فكيف تعرف متى أنهيت عملك؟

الناس الذي أعمل معهم في البرنامج، قد يجدون غزالاً نافقاً في الطريق، فيقومون بعملهم وينتهي الأمر. يحفرون حفرة لوضعه فيها. وفي الصباح لن تجده. أما في المساء فقد كان هناك. يعيش الناس الذين يقومون بأعمال قذرة في عالم من التغذية الاسترجاعية المتواصلة. فمهما كان الأمر، سواء للأفضل أو للأسوأ، فإنهم يعرفون دائماً كيف وماذا يعملون. هذا أمر مهم.

فالناس الذين يعملون في حرف البناء، مثل بنّاء الحجر الذي يستطيع أن يجول عبر المدينة ويشير إلى الأبنية التي أنشأها، يكون هذا إرثه. حتى العامل الماهر في المصنع يجد أن عمله مجزٍ فعلاً عندما يتقنه. هذا هو الشيء المحدد الذي لا نصوره بطريقة منصفة في ثقافتنا اليوم. إذ نقدم معظم الأعمال اليدوية الآن كشكل من المشقة.

يجب ان لا تحاول وضع خط واضح بين الأعمال النظيفة أو القذرة، والصعبة أو السهلة. فهي ليست أشياء متضادة، إنما جوانب مختلفة من الشيء نفسه. بيد ان الناس الذين يؤدون أعمالاً قذرة يملكون فهماً فطرياً حول ذلك، وتوازناً أفضل في حياتهم.

سؤال: بالإضافة إلى هذه الوظائف القذرة، فإنك تقدم أيضاً حلقات عن بعض الأعمال الخطرة. لقد شاهدتك تسبح مع سمك القرش، وتمسك بالتماسيح، وتتعلق بحبل يتدلى من قاطرة في أعلى جرف بعلو 3000 متر. تؤدي هذه الأعمال ليوم واحد وتأمل بان يحالفك الحظ. لكن حسب رأيك ما هي دوافع الناس الذين يقومون بأعمال خطرة يوماً بعد يوم؟

رو: سوف أخبرك قصة. لقد ذكرت السباحة مع سمك القرش. كنت في ذلك اليوم اعمل مع جيريميا سوليفان، الشخص الذي اخترع بذلة سمك القرش التي يمكن أن يرتديها الغطاسون للنزول إلى الماء حيث تدور اسماك القرش ويخرجون منها دون فقدان أي طرف من أطرافهم. وهكذا، كنت أقف في طرف القارب بينما كان جيريميا على وشك ان يغطس في خضم اندفاع أسماك القرش وهم يلتهمون الطعام. ارتديت هذه البذلة الواقية من سمك القرش التي تشبه درعا من الزرد كان يرتديه الناس في القرون الوسطى. كنت خائفاً حتى الموت في تلك اللحظة وقبل ان نقفز في الماء مباشرة قال لي جيرميا بواقعية باردة، "أنظر، يا مايك، علي ان أكون صريحاً معك كرجل لرجل."

"ما الأمر؟" سألت.

أجاب، "ان هذا سوف يكون مؤلماً. لن تموت، ولكن سوف يؤلمك إلى أقصى الحدود. وعليك ان تعرف ذلك". كانت لحظة مهيبة إلى حد مدهش لانه في تلك اللحظة وضع المسؤولية والوعي على كتفي بالكامل ]أنظر المقال الجانبي[.

سؤال: سوف تتألم، وسمك القرش يتقاذفك ويعضك، وجريميا يقوم بهذا العمل على كل حال يوماً بعد يوم؟

رو: في كل يوم. ومن الملفت أن تكون الأماكن التي كنت فيها والتي تذكر أنها كانت خطرة، وعن حق، لديها سجل منخفض جداً من حالات الإصابات والحوادث في مواقع العمل، ذلك لان العمال في هذه الأماكن يملكون هذا الشعور الخاص حول سلامتهم الشخصية. فهم لا يستكينون للشعور بالرضا الذاتي حول هذا الأمر. وأعتقد ان هذا قد يحدث في مصنع او مكان عمل حيث تعلق الإدارة لافتات تنبه إلى وجوب الاهتمام "بالسلامة أولاً". فإن ذلك يصبح تحذيراً مبتذلاً، جملة طنانة، وهذا هو الحين الذي يتعرض فيه الناس للأذى. سلامتك هي شأن خاص بك، ولا يمكنك ان تجعلها تغيب عن نظرك.

سؤال: بالعودة إلى مسار مهنتك المتعرج، ماذا تقول لشخص على وشك بلوغ سن الرشد يحاول ان يقرر ما سوف يقوم به من عمل عمل في الحياة؟

رو: هناك مصطلح في الأدب اليوناني يصف التبدّل في الحظ، وهو Peripeteia: أي عندما يدرك الشخص انه أخطأ في كل شيء، عندما أدرك أوديب انه كان ينام مع والدته. وعندما أدرك بروس ويليس في نهاية فيلم "الحاسة السادسة" بأنه كان ميتاً طوال الفيلم. انه اكتشاف انقلابي. لذلك أقول إلى شخص في التاسعة عشرة انه من الجيد الاعتراف بأنك كنت مخطئاً كلياً حول شيء ما.

لقد خبرت إحدى هذه اللحظات قبل سنتين. كان كل شيء اعتقدت اني اعرفه حول العمل خاطئاً وكان ما رأيته خلال ترعرعي صحيحاً. أدركت كيف اني بالغت في ردة الفعل بسبب نيتي بالابتعاد عن ذلك بأقصى ما يمكن. والآن من خلال القدر، أو الحظ، أو موهبة اكتشاف الطريق السديد مصادفة، فقد انجذبت إلى الخلف، وأصبحت محاطاً كلياً بالأناس الذين ترعرعت معهم. أمضيت 20 سنة وأنا أتجنب شيئاً يبدو اليوم انه كان مقدراً لي، وهذا كله شيء جيد. كل شيء أصبح يحدث وفق الطريقة المفروض ان يحدث بها.

لذلك فالنصيحة العملية التي تستخلصها من ذلك إلى شخص بعمر 19 سنة هي أن لا تضع حدوداً لخياراتك. لا تفعل ذلك. فاليوم هناك الكثيرون في سن 18 و19 سنة لم يعد يقال لهم انه بإمكانهم الحصول على وظيفة مربحة في الحرف اليدوية الفنية. فليس ذلك جزءاً من المسار الذي يفترض معظم الأهل ان على أولادهم أن يتخذوه.

طريق الجامعة، الوظائف "المثالية"، الملابس "المثالية"، أسلوب الحياة، كل ما تحتفي به في هذه الحضارة لا يعود بالفعل إلى السباك، والكهربائي، ومُرّكب شبكة البخار او مُرّكب الأنابيب. هناك فرص في جميع هذه المجالات، وقد أصبحت أعداد العاملين فيها قليلة في الولايات المتحدة اليوم. ان بنيتنا التحتية تتداعى. أصبحت هناك فرصة حقيقية لإتقان حرفة وممارستها على مسؤوليتك الخاصة او بالتوظف في شركة محترمة، فتحقق بذلك حياة جيدة، وتربي أولادك، وتدرب فريق البيسبول الذي يلعبون فيه، وتكون لك حياة متوازنة.

قد تنظر إلى تلك الحياة وتقول، كلا أفضّل أن أكون مسؤولاً في شركة. حسناً، كل ما اقترحه هو ان تدرس بإمعان كافة خياراتك قبل ان تتخذ تلك القرارات.

أريد من موقع الإنترنت هذا mikeroweWORKS، أن يساعد فعلاً الشباب في اتخاذ بعض تلك القرارات، وعرض خيارات الفرص المتوفرة في الأعمال اليدوية الماهرة. لقد تلقيت الكثير من ردود الفعل ومعظمها من الأهل الذين يريدون مكاناً يستطيعون هم وأولادهم ان يتحروا فيه عن خيارات المهنة التي لا تعتمد بالضرورة على الشهادات الجامعية. لذلك أريد من الشباب ان يكونوا قادرين على عمل ذلك، وان يستطيع السباكون، والكهربائيون، وكافة أنواع المقاولين القول إنهم يرغبون بمكان يستطيعون فيه الدردشة وتبادل القصص والتجارب. وفي نهاية المطاف أرى في موقع الإنترنت mikeroweWORKS مكاناًَ متيناً يستطيع الناس ان يجتمعوا فيه لمشاطرة المعلومات، والتعليم، والاحتفاء بموضوع العمل.

_______________

الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي