الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

15 نيسان/إبريل 2009

الرئيس أوباما يتحدث عن الاقتصاد الأميركي: الأساس الجديد

نص خطابه في 14 نيسان/أبريل، 2009

 
الرئيس أوباما يتحدث عن الاقتصاد الأميركي: الأساس الجديد
الرئيس أوباما يتحدث عن الاقتصاد الأميركي: الأساس الجديد

واشنطن،- استعرض الرئيس باراك أوباما في خطاب ألقاه يوم 14 نيسان/إبريل وضع الاقتصاد الأميركي، وتحدث عن مستجدات التقدم الذي تم إحرازه والمطبات المتوقعة في الطريق. وقال إن "كل إجراء نتخذه وكل سياسة ننتهجها مدفوعان برؤيا أشمل لمستقبل أميركا."

في ما يلي نص خطاب الرئيس كما أعد للإلقاء وأصدره مكتب السكرتير الصحفي للبيت الأبيض:

بداية النص

أساس جديد

لقد انقضى 12 أسبوعا منذ بدء ولاية حكومتي. وأعتقد أنه حتى منتقدينا يوافقوننا الرأي بأننا على الأقل كنا منشغلين في هذه الفترة. ففي فترة ثلاثة أشهر فقط تصدينا لطائفة غير عادية من التحديات الإقتصادية بعمل استثنائي – عمل كان غير مسبوق في حجمه وفي سرعته.

إنني أعلم أن البعض اتهمنا بالاضطلاع بمسؤوليات كبيرة جدا مرة واحدة.  ويعتقد آخرون أننا لم نقم بما هو كاف. ويتساءل عدد كبير من الأميركيين كيف تتقاطع كل برامجنا وسياساتنا معا في إستراتيجية واحدة وجامعة ستعمل على الإنتقال بهذا الإقتصاد من حال الركود الى التعافي، وفي نهاية المطاف إلى الإزدهار.

ولهذا أود هذا اليوم أن أعود لحظة الى الوراء، وأن اشرح إستراتيجيتنا بوضوح قدر الإمكان.  وأود أن أتحدث عما أنجزناه ولماذا أنجزناه وما تبقى علينا أن ننجزه.  وأود أن أطلعكم على مستجدات التقدم الذي أحرزناه وأن أكون صادقا بشأن المطبات التي تنتظرنا في الطريق.

وأهم من ذلك كله أريد من كل أميركي أن يعلم أن كل إجراء نتخذه وكل سياسة ننتهجها مدفوعان برؤيا أشمل لمستقبل أميركا – مستقبل يتولد فيه النمو الاقتصادي المستدام فرص عمل جيدة وزيادة في المداخيل، مستقبل يتولد فيه الرخاء لا بالدين المفرط والمضاربات الطائشة والارباح المحولة الى الخارج، بل بالعمال المنتجين والمهرة، والاستثمارات السليمة التي تنشر الفرص في الوطن وتمكن هذه الامة من قيادة العالم في مجالات التكنولوجيا والإبداع والإكتشافات التي سترسم صورة القرن الحادي والعشرين.  وهذه هي أميركا التي أراها وذلك هو المستقبل الذي يمكن أن ينتظرنا.

ومن أجل فهم كيف سنصل إلى تلك المرحلة، علينا أولا أن نفهم كيف وصلنا إلى هنا.

فحالات الركود ليست بالأمور غير الشائعة. والاسواق والاقتصادات هي بطبيعة الحال ترتفع وتهبط، كما شهدنا مرات عديدة في تاريخنا. إلا أن هذا الركود مختلف ذلك لأنه لم يسببه انكماش عادي في الدورة الإقتصادية.  بل ما سببه هو عاصفة متكاملة من صنع القرارات غير المسؤولة والرديئة التي امتدت من وول ستريت الى واشنطن وطالت الشارع العادي.

وكما ذكر على نطاق واسع، فقد بدأت هذه الأزمة في سوق الإسكان.  فخلال فترة عقد من الزمن تغيرت معادلة شراء منزل--فبدلا من إدخارهم المال لشراء منزل أحلامهم، اكتشف أميركيون كثيرون أن بمقدورهم أن استلاف المال والقروض التي وفق المعايير المعهودة تعجز  مداخيلهم عن تسديدها. وقد تم الإحتيال على البعض كي يوقعوا على عقود قروض ذات معدلات فائدة بسيطة من قبل مقرضين كانوا يسعون لتحقيق ربح سريع.  والسبب وراء توفر هذه القروض السريعة هو أن وول ستريت، او حي المال في نيويورك، توقع تحقيق أرباح طائلة. فلجأت بنوك الإستثمار إلى شرا ودمج الرهونات العقارية المريبة وتحويلها إلى أوراق مالية، متحججة بأنه من خلال خلط كل هذه الرهونات العقارية فان المخاطر تتقلص. كما أن هيئات الإئتمان التي من المفترض أن تساعد المستثمرين على التثبت من سلامة الإستثمارات المختلفة  صنفت هذه الأوراق المالية في الفئة الأكثر أمانا بدلا من دمغها بعبارة "احترس أيها المشتري."

ولم يعلم احد حقيقة ما كانت عليه القيمة الحقيقة لهذه الأوراق المالية، لكن في ضوء أن سوق العقاررات كان مزدهرا وكانت أسعار العقارات ترتفع تباعا، واصلت المصارف والمستثمرون شراءها وبيعها، وظل هؤلاء يحولون المخاطر المقترنة بها الى جهة أخرى لغرض جني ربح طائل دون أن تحمل أية مسوؤولية..  وهكذا كدست البنوك ديونا أكثر مما تستطيع تحمله. أما شركتا "فاني ماي" و"فريدي ماك" المدعومتان من الحكومة والتي يدعو تفويضهما إلى المساعدة في دعم الرهونات العقارية التقليدية، فقررتا أن تلتحق بالقافلة بشرائهما واحتفاظهما بالأوراق المالية هذه التي بلغت قيمتها عدة بلايين الدولارات. أما شركة AIG وهي أكبر شركة تأمين في العالم فقررت أن تجني أرباحا من بيعها لمستندات مالية معقدة بلغت قيمتعا بلايين الدولارات كان يفترض انها تأمينات للأوراق المالية. وكان الكل يحقق أرباحا قياسية لكن هذه الثروات كانت حقيقية فقط على الورق. ومع تضخم الفقاعة لم يكن هناك اي إشراف أو اي محاسبة تقريبا من الحكومة في واشنطن.

ثم انفجرت فقاعة سوق المنازل، فهبطت أسعار المنازل وبدأ الناس يعجزون عن تسديد قروض رهاناتهم العقارية وهوت قيمة جميع هذه الأوراق المالية والقروض.  ولم يجد اي من البنوك والمستثمرين أحدا كي يشتريها. وتحول الجشع إلى خوف.  فسحب المستثمرون أموالهم من السوق.  وانهارت كبرى المؤسسات المالية التي لم تكن بحوزتها ما يكفي من السيولة لتسديد مستحقاتها. وبعض البنوك الأخرى حرصت على الإحتفاظ بالأموال التي بحوزتها وتوقفت عن الإقراض.

وعندها انتشرت الأزمة من وول ستريت إلى الشارع العام. فالقدرة على الحصول على قرض تنطوي على كيفية تمكن المرء من تمويل شراء كل شيء من المنزل الى السيارة الى التعليم الجامعي بواسطة القروض. والقروض هي أيضا التي تساعد المحال التجارية على ملء رفوفها بالبضائع والمزارع على شراء المعدات والشركات على دفع رواتب موظفيها.  وهكذا حينما أحجمت البنوك عن الإقراض بدأت الشركات بتسريح موظفيها ولما تناقصت لدى العمال العاطلين عن العمل كميات المال اللازمة للإنفاق اضطرت مؤسسات أعمال إلى تسريح أعداد أكبر من العمال. وحينما لم يتمكن الناس من تأمين قروض لشراء السيارات تفاقم واستشرى الوضع السيء لشركات صنع السيارات. وحينما عجز الناس عن تأمين قروض لشراء المنازل تعمقت الأزمة في قطاع السكان. ولأن الأوراق المالية الفاسدة كانت تتداول على نطاق عالمي وكانت لدى دول أخرى نظم هزيلة، اتسعت رقعة الركود ليصبح عالمي النطاق. وحينما لا يكون بمقدور دول أخرى شراء بضائعنا  فإن وتيرة إقتصادنا تتباطأ إلى حد ابعد.

وذلك كان الوضع الذي واجهناه يوم تسلمنا مقاليد الرئاسة. وهكذا كانت مهمتنا الأكثر إلحاحا تتمثل في إزالة الحطام وإصلاح الضرر الآني الذي لحق بالإقتصاد، وعمل كا ما يمكننا للحؤول دون حصول إنهيار أوسع. ولأن المشاكل التي نحن بصددها مترابطة وتعتمد على بعضها البعض لإذكاء إنكماش إقتصادي شرس، لم يكن أمامنا خيار سوى المبادرة الى شن هجوم على جميع جبهات أزمتنا الإقتصادية في الحال.

وكانت الخطوة الأولى مكافحة النقص الحاد في الطلب في الإقتصاد.  وقام مجلس الإحتياط الفدرالي بخطوة دراماتيكية، فخفض معدلات الفائدة في العام الماضي لغرض زيادة الإستثمار.  كما زادت حكومتي والكونغرس طلب المستهلكين من خلال إقرار اكبر خطة إنتعاش في تاريخ أمتنا.  وهي خطة بدأت بإنقاذ أو استحداث 3.5 مليون فرصة عمل على مدى العامين القادمين.  وهي تنطوي على وضع المال مباشرة في جيوب الناس مع استحداث خفض ضريبي يطال نسبة 95 في المئة من الأسر العاملة وهو خفض بدأ ينعكس في رواتب الناس عبر البلاد. ومن أجل التخفيف من أثر ضربة هذا الركود مدّدنا أمد مستحقات البطالة التي تقدم للعاطلين عن العمل وواصلنا الرعاية الصحية للأميركيين ممن فقدوا وظائفهم نتيجة لأخطاء الغير.

وقد جادل البعض بأن خطة الإنتعاش هذه هي حالة من حالات الإنفاق الحكومي اللامسؤول.  وأن الخطة هي وراء توقعاتنا بالعجز الطويل الأمد وأن الحكومة الفدرالية ينبغي أن تقلص الإنفاق بدلا من زيادته في الظرف الحالي.  لكن دعوني أتطرق الى هذه الحجج بصورة مباشرة.

بداية، الإقتصاديون، في اليمن واليسار، يوافقون على أن آخر شيء يفترض في الحكومة أن تقوم به في حال الركود هو خفض الإنفاق.  حين بدأ الركود، جلست الأسر حول طاولات المطبخ في منازلها وحاولت تخمين المجال الذي يمكنها فيه أن تقلل مصاريفها. وهكذا فعلت مؤسسات أعمال كثيرة. وهذا رد فعل مسؤول ومفهوم. لكن إذا قلصت كل أسرة في أميركا من إنفاقها فلن يقوم أحد بإنفاق المال، ما يعني انه ستحصل تسريحات إضافية من الوظائف ومن ثم سيتفاقم الوضع الإقتصادي. ولهذا السبب يكون لزاما على الحكومة أن تتدخل لزيادة الإنفاق بصورة مؤقتة لغرض تحفيز الطلب. وهذا بالضبط ما نقوم به في الوقت الراهن.

ثانيا، إني أوافق حتما بأن عجزنا في المدى البعيد يمثل مشكلة رئيسية علينا إصلاحها. لكن الحقيقة هي أن خطة الإنتعاش هذه تمثل جزءا بسيطا فقط من العجز الطويل الأجل. وما سأتطرق إليه بعد لحظات هو أن مفتاح معالجة مشكلة عجزنا المالي وديننا يكمن في ضبط نفقات الرعاية الصحية الخارجة عن حدود السيطرة – لا الوقوف موقف المتفرج والإقتصاد في حالة هبوط غير مضبوطة.

إذن خطة الإنتعاش كانت الخطوة المبدئية في مجابهة هذه الأزمة الإقتصادية. أما الخطوة الثانية فكانت علاج المنظومة المالية كي يتسنى للإئتمان ان ينساب ثانية إلى مؤسسات الأعمال والأسر التي تعوّل عليه.

وجوهر الأزمة المالية هذه هو أن عددا بالغا من البنوك والمؤسسات المالية توقف عن إقراض وتسليف المال. وفي مناخ يشوبه الخوف لا تقدر البنوك على تعويض خسائرها عن طريق اكتتاب رساميل جديدة من جانبها كما لا تكون مستعدة لإقراض الأموال التي بحوزتها لأنها تخشى الا يقوم أي مستلف بتسديدها. ولهذا السبب لجأت الحكومة المنصرفة (للرئيس بوش) إلى "برنامج إغاثة الأرصدة المتعثرة" الذي يعرف باختصار بـ"تارب" وذلك لتوفير المساعدات المالية المؤقتة لهذه البنوك كي يصبح بمقدورها أن تقوم بتقديم القروض مجددا.

ومع أنني لا أتفق وبعض الطرق التي أدير فيها برنامج "تارب"، فإنني أوافق بالتأكيد مع التعليل الأوسع بأن علينا أن نزود البنوك بالرساميل والثقة الضرورية لاستئناف الإقراض. وهذه هي الغاية من الخبرات التجريبية التي سترشدنا بشأن كم من الرساميل الإضافية ستكون ضرورية لدعم الإقراض في كبرى مصارفنا. وبطريقة مثلى فإن هذه الإحتياجات المالية سيلبيها مستثمرون من القطاع الخاص. لكن إذا استحال ذلك وأصبح لزاما أن تطلب البنوك موارد كبيرة إضافية من الحكومة فإننا سنحاسب أولئك المسؤولين عن ذلك، وسنرغم تلك البنوك على تبني التعديلات الضرورية، وتوفير الدعم لتنطهير ميزانياتها ولضمان استمرارها كمؤسسات قوية وقابلة للحياة قادرة على أن تخدم شعبنا واقتصادنا.

وبالطبع هناك البعض ممن يجادلون بأن الحكومة يجب الا تقف موقف المتفرج وتدع هذه البنوك تتهاوى وتفشل—خاصة لأنه في كثير من الحالات فإن قراراتها السيئة هي التي ساهمت في استيلاد هذه الأزمة في المقام الأوّل. لكن سواء شئنا أم أبينا، فقد بيّن التاريخ مرارا أنه حينما تحجم الدول عن اتخاذ اجراء مبكر بإقدام لدفع عجلة الإئتمان مجددا، فإن الأزمات التي تجابهها تدوم سنوات وسنوات بدلا من عدة شهور، وسنوات من النمو الضعيف وتوليد بطيء لفرص العمل  واستثمارات متدنية يمكن أن تكلف تلك البلدان أكثر بكثير من مجرد مسار عمل جريء ومباشر. ورغم أن كثيرا من الأميركيين يدركون  محقين أن أموال الحكومة ستنفق بوجه أفضل لو قدمت مباشرة للأسر والشركات عوضا عن المصارف -- حيث ان البعض يتساءل: "أين خطة إنقاذنا نحن؟ -- فحقيقة الامر أن دولارا من الرأسمال في مصرف يمكن أن يولد 8 او 10 دولارات من القروض إلى الأسر ومؤسسات الأعمال مباشرة، ويكون للدولار لدى المصرف أثر مضاعف يمكن أن يؤدي في النهاية الى وتيرة اسرع من النمو الإقتصادي.

وعلى الجانب الآخر هناك من لا يطعن في حقيقة أننا بحاجة لمساندة النظام المصرفي لكنهم يوحون بأننا كنا متقاعسين للغاية في كيفية القيام بذلك. وهم يجادلون بأن الحكومة الفدرالية تصرفت بصورة استباقية لتضع يدها على المؤسسات المالية بنفس الصورة التي تتدخل فيها هيئة ضمان الودائع الفدرالية لدى البنوك الصغيرة وأن إخفاقنا في عمل ذلك ما هو إلا مثال آخر على مغازلة واشنطن لوول ستريت.  لكن دعوني أكون واضحا: إن السبب وراء عدم اتخاذنا هذه الخطوة لا علاقة له بأي اجتهاد سياسي او عقائدي حيال تدخل الحكومة في عمل المصارف، ويقينا ليس بسبب أية مشاغل حيال الإدارة والمساهمين الذين ساهمت أعمالهم بالتسبب بهذه الفوضى.

بل إن السبب هو لأنه نعتقد أن تولي الحكومة الاستباقي للمؤسسات المالية يرجح أن يكلف دافعي الضرائب ثمنا أكبر في نهاية الأمر ولأنه يرجح أكثر أن يقوض بدلا من أن يوجد الثقة.  وعلى الحكومات أن تمارس نفس المبدأ الذي يتقيد به الأطباء: أولا لا تؤذ نفسك. ثم كونوا متأكدين أننا سنقوم بكل ما هو ضروري لتسيير عجلة الإقراض ثانية لكننا سنقوم بذلك بطرق تقلل إلى أدنى حد من الاخطار  على دافعي الضرائب والاقتصاد عموما. وتحقيقا لذلك الهدف وبالإضافة إلى برنامج توفير الرساميل للبنوك، أطلقنا خطة مزاوجة بين موارد الحكومة مع الإستثمارات الخاصة لغرض استجلاء وضع وتسوية القروض والاوراق المالية القديمة، والتي تعرف بالأرصدة الفاسدة التي تحول دون تسليف بنوكنا مبالغ نقدية.

والآن أدركنا أنه خلال هذه الأزمة فإن بنوكنا ليست المؤسسات الوحيدة التي تأثرت سلبا بفعل الأرصدة الفاسدة هذه التي تشكل عثرة في النظام المالي.  فشركة AIG للتأمين مثلا ليست مصرفا، لكن بسبب اختيارها أن تؤمن أرصدة وموجودات محفوفة بالمجازفات بقيمة تريلوينات الدولارات فإن فشلها يمكن أن يهدد كامل النظام المالي وأن يجمد الإقراض الى حد أبعد.  ولهذا السبب-- ورغم ما تسببه من إحباط وأنا أقول لكم لا يوجد من هو أكثر شعورا بالإحباط مني – كان علينا أن نقدم الدعم لشركة AIG.  ولهذا السبب نحن بحاجة لسلطات قانونية جديدة كي يصبح بمقدورنا أن نتدخل في مؤسسات مالية من هذا القبيل، تماما كما تنظر محاكم التفليس في أمور مؤسسات أعمال تواجه فترت عصيبة صعبة، كي يكون بإمكاننا أن نعيد تنظيم بنية هذه المؤسسات بصورة منظمة لا تدعو الى الرعب ولكي يكون من الممكن إعادة تنظيم عقود دفعات تشجيعية غير مناسبة بدون إيجاد انطباع بأن بمقدور الحكومة أن تبدل قوانين التعويض بصورة نزوية.

ولهذا السبب، فإننا نتصرف بإقدام من أجل تسييل الأسواق من جمودها وإعطاء دفعة للإقراض خارج النظام المصرفي الذي يمثل أكثر من نصف مجموع التسليف في أميركا.  ومن أجل عمل ذلك، بدأنا برنامجا يزيد من الضمانات للقروض التي تقدم للأعمال الصغيرة وفتح اسواق القروض لشراء السيارات وللقروض الطلابية. ومن أجل إشاعة الإستقرار بسوق الإسكان أطلقنا خطة ستقي عددا يصل حتى 4 ملايين من مالكي البيوت الذين يتحلون بالمسؤولية من وضع اليد على أملاكهم من قبل المؤسسات العقارية ومساعدة ملايين غيرهم على إعادة تمويل رهوناتهم العقارية.

وخلال أسابيع قليلة سنقوم بإعادة تقييم حالة شركتي كرايزلر وجنرال موتورز وهما شركتان تتمتعان بمكانة هامة في تاريخنا وبتأثير بالغ في اقتصادنا، لكنهما شركتان تواجهان أوقاتا عسيرة.

وفي نهاية العام الفائت قدمت الحكومة السابقة للشركتين قروضا إنتقالية لدعمهما في فترات عصيبة وهما تعملان على تطوير خطط عمل حيوية. لكن الخطط التي طورتاها كانت منقوصة ولهذا منحناهما وقتا إضافيا للعمل على هذه القضايا المعقدة.  ونحن كنا مدينين  لمئات الآلاف من العمال الذين كانت أرزاقهم في خطر وليس لمدراء الشركتين الذين ساهمت رهاناتهم في إضعاف شركتيهما.

وأملنا الحثيث في الاسابيع القادمة هو أن تجد كرايزلر شريكا تجاريا حيويا وأن تطور جنرال موتورز خطة عمل تعيدها إلى مسار الربحية بدون دعم لا متناه من دافع الضرائب الأميركي. في غضون ذلك، فإننا نتخذ خطوات لحفز الطلب على السيارات الأميركية وتقديم الغوث لعمال مصانع السيارات ومجتمعاتهم. وسنواصل التأكيد مجددا على التزام هذه البلاد بصناعة سيارات أميركية في القرن الحادي والعشرين توجد فرص عمل وتصنع سيارات وشاحنات ذات كفاءة في استهلاك الوقود تنقلنا إلى مستقبل من الطاقة النظيفة.

وأخيرا، من أجل تنسيق الرد العالمي على هذا الركود العالمي، ذهبت لحضور اجتماع دول مجموعة العشرين في لندن منذ أسبوعين. وقد قدمت كل دولة من الدول الأعضاء في المجموعة حوافز كبيرة من أجل تحفيز الطلب. واتفقنا جميعا على ضرورة تطبيق إصلاحات تنظيميّة صارمة. واتفقنا كذلك على مضاعفة قدرة الإقراض لدى صندوق النقد الدولي بمقدار ثلاثة أضعاف، وصندوق النقد الدولي هو عبارة عن مؤسسة ماليّة دولية تدعمها جميع الاقتصاديات الرئيسية في العالم، وتقوم بتقديم مساعدة مباشرة إلى الدول النامية والسكان المعرضين للخطر –لأن نجاح أميركا يعتمد على ما إذا كانت الدول الأخرى قادرة على شراء ما تبيعه. وقد تعهدنا بأن نتجنب الحواجز التجارية والسياسات الحمائية التي تضر بنا جميعا في نهاية المطاف. وقررنا أن نجتمع مجددا في الخريف (المقبل) لقياس مدى التقدم الذي أحررناه، واتخاذ خطوات إضافية إذا لزم الأمر.

ولذلك فإن كل هذه التدابير – مثل قانون الانتعاش الاقتصادي، وبرنامج رسملة المصارف، وخطة الإسكان، وتعزيز سوق الائتمان غير المصرفي، وخطة إنقاذ شركات صناعة السيارات، وما قمنا به في مؤتمر قمة مجموعة العشرين - كان أمرا ضروريا لاستعادة القطعة المفقودة من اللغز. وكان الهدف منها زيادة الطلب الكلي، وجعل الائتمان يتدفق مرة أخرى على العائلات ومؤسسات الأعمال التجارية، ومساعدتها على الصمود أمام العاصفة. وإذا ما أخذنا هذه التدابير جميعها بعين الاعتبار، فإنها قد أصبحت تبشر بعلامات تدل على حدوث تقدم اقتصادي. وبفضل خطة الانتعاش الاقتصادي التي لدينا، فقد ألغت المدارس ومراكز الشرطة الخطط التي كانت قد وضعتها لتسريح الموظفين. وقد عاودت شركات الطاقة النظيفة وشركات البناء توظيف العمال لبناء كل شيء من النوافذ الموفرة للطاقة إلى الطرق الجديدة والطرق السريعة. وقد ساعدت خطة الإسكان التي وضعناها في حدوث زيادة كبيرة في عدد مالكي المنازل الذين يستفيدون من الانخفاض التاريخي في نسبة الفائدة على القروض العقارية بإعادة تمويل الرهن العقاري على منازلهم، وهذا يعادل الاستفادة من حسم ضريبي بمقدار ألفي دولار. وشرع برنامجنا الخاص بدعم سوق قروض السيارات والقروض الطلابية يذيب الجليد عن هذا السوق وتم تأمين المزيد من هذه القروض خلال الأسابيع القليلة الماضية. وقد أخذت شركات الأعمال التجارية الصغيرة تشهد قفزة في نشاط القروض لأول مرة منذ أشهر.

كل هذا يعتبر خبرا سارا ومشجعا نرحب به، ولكن هذا لا يعني أن الظروف القاسية قد ولت. إذ إن العام 2009 سيكون عاما صعبا بالنسبة للاقتصاد الأميركي. وستؤدي خطورة هذا الركود إلى المزيد من فقدان الوظائف، ومصادرة المزيد من المنازل أي وضع حبس على الرهون العقارية ، والمزيد من المعاناة قبل أن ينتهي. وسيواصل السوق صعوده وهبوطه. فالائتمان لم يبدأ في التدفق بالسهولة التي يجب أن يتدفق بها. وستتضمن العملية الخاصة بإعادة هيكلة شركة إيه آي جي وشركات صنع السيارات اتخاذ قرارات صعبة قد لا تحظى بشعبية في بعض الأحيان. كل ذلك يعني أن هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به. وهذا كله يعني أن بإمكانكم أن تتوقعوا من هذه الإدارة بذل جهود يومية ثابتة ودءوبة لا تكل للكفاح على كل الجبهات من أجل استعادة الانتعاش الاقتصادي.

لكن حتى ونحن نواصل إزالة الحطام ونعالج الأزمة الفورية، فإنني أعتقد اعتقادا راسخا بأن مهمتنا التالية هي التأكد من أن هذه الأزمة لن تتكرر مرة أخرى أبدا. وحتى في الوقت الذي نعمل فيه على تنظيف سجلات الميزانيات ونجعل الائتمان يتدفّق؛ وحتى حين يبدأ الناس في الإنفاق وتبدأ شركات الأعمال التجارية في توظيف موظفين جدد – فلابد أن ندرك أننا لا يمكن أن نعود ثانية إلى فقاعة الفوران والانكماش اللذين أديا بنا إلى هذه النقطة.

إن المسألة ببساطة هو أنه لا يمكننا أن نستمر على هذا المنوال حينما يكون لدينا نظام مالي للقرن الحادي والعشرين تحكمه لوائح وأنظمة من القرن العشرين وهي التي سمحت لهذا التهور والطيش بتهديد الاقتصاد برمته. إننا لا يمكن أن تحمل وجود اقتصاد بلغ نسبة أرباح الشركات فيه من القطاع المالي الذي كان يقوم على أسعار المنازل المضخمة 40 في المئة، وبلغت فيه الأموال المسحوبة على حساب بطاقات الائتمان حدها الأقصى، وتمت فيه المبالغة في استغلال المصارف وتضخيم قيمة الأصول؛ أو وجود اقتصاد ارتفع فيه دخل  الطبقة العليا التي تبلغ نسبتها 1 في المئة من السكان إلى أعلى مستوى له بينما شهدت الأسر العاملة العادية دخلها يتدنى بمقدار 2000 دولار.

وحتى في حين كان فيه عدد كبير جدا من الموظفين يركضون وراء مبالغ أكبر من المكافآت وجني أرباح قصيرة الأجل على مدى العقد المنصرم، فقد واصلنا إهمالنا للأخطار الطويلة المدى التي تهدد ازدهارنا ورخاءنا مثل: العبء الثقيل المتمثل في ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية  على كاهل الأسر والمؤسسات التجارية؛ وإخفاق نظامنا التعليمي في إعداد عمالنا لعصر جديد؛ والتقدم الذي تحققه الدول الأخرى بشان صناعات وتقنيات الطاقة النظيفة في حين أننا لا نزال مدمنين على استيراد النفط الأجنبي؛ وتراكم الديون التي نورثها لأطفالنا وأحفادنا. وحتى بعد أن نخرج من الركود الحالي، فإن هذه التحديات سوف تظل تمثّل عقبات كبرى تقف حجرة عثرة في طريق نجاحنا في القرن الحادي والعشرين.

إن موعظة الجبل تنتهي بحكمة تروي لنا قصة رجلين: الأول بنى منزله على كومة من الرمل فما لبث أن دمرته العاصفة. أما الرجل الآخر، وهو إنسان حكيم، فإنه عندما تساقط المطر واجتاحت الفيضانات الأرض وهبت الريح المزمجرة على ذلك المنزل فإنه ظل صامدا كالطود لأنه بني على صخرة. ولا يسعنا أن نعيد بناء اقتصادنا على الكومة ذاتها من الرمال. وإنما يجب علينا أن نبني بيتنا على صخر. ينبغي علينا أن نضع أساسا جديدا للنمو والازدهار – أساسا ينتقل بنا من عهد الاقتراض والإنفاق إلى آخر حيث نقتصد ونستثمر، وحيث نقلل من استهلاكنا في الداخل ونصدّر المزيد إلى الخارج.

إنه أساس يبنى على عماد خمسة تنمّي اقتصادنا وتجعل من هذا القرن الجديد قرنا آخر لازدهار أميركا. فيه أحكام وقواعد جديدة لوول ستريت (سوق الأسهم والمال) من شأنها مكافأة المبادرة والابتكار، واستثمارات جديدة في التعليم تجعل قوتنا العاملة ماهرة قادرة على المنافسة، واستثمارات جديدة في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا التي تخلق فرص عمل جديدة وصناعات، وتوفيرات جديدة في ميزانيتنا الفدرالية من شأنها تخفيض الدين لأجيال المستقبل. هذا هو الأساس الجديد الذي يجب أن نرسيه. فهو ينبغي أن يكون مستقبلنا – وقد صممت سياسات حكومتي بشكل يحقق ذلك المستقبل.

إن أول خطوة سنتخذها لبناء هذا الأساس هي إصلاح القواعد والنظم العتيقة التي سمحت أساسا لهذه الأزمة بأن تحدث. فقد آن الأوان كي نضع قواعد جديدة متشددة لسير عمل وول ستريت لضمان عدم وقوعنا أبدا في مثل هذه الورطة. إنها قواعد تعاقب على الالتفاف الانتهازي والإساءة. قواعد تربط مرتب الفرد بالأداء الفعلي لوظيفته، قواعد تحمي الأسرة الأميركية العادية عندما تشتري منزلا أو تحصل على بطاقة ائتمان أو تستثمر في شهادات التوفير للتقاعد ((401k. وقد بدأنا العمل بالفعل مع الكونغرس لتشكيل هذا الإطار التنظيمي الجديد، وأتوقع أن يصل إلى مكتبي مشروع قانون بهذا الصدد لتوقيعه قبل نهاية هذا العام.

العماد الثاني في هذا الأساس هو نظام تعليمي يعمل في نهاية المطاف على إعداد عاملينا لاقتصاد القرن الحادي والعشرين. ففي القرن العشرين أدخل قانون جي آي (قانون الفوائد والمساعدة وتعليم العسكريين) جيلا إلى الجامعات وبقينا عقودا متقدمين على العالم في التعليم والنمو الاقتصادي. لكننا في ظل هذا الاقتصاد الجديد تخلفنا عن المتقدمين في العالم في معدل الخريجين الجامعيين والإنجاز. ولهذا السبب وضعنا نصب أعيننا هدفا يعزز كثيرا من قدرتنا على التنافس على الوظائف ذات الدخل العالي ووظائف تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين المتقدمة. وسيصبح لأميركا بحلول العام 2020 أكبر نصيب من الخريجين الجامعيين في العالم.

وبدأنا من أجل تحقيق هذا الهدف بالتوسع الفعلي الكبير في تعليم الأطفال مبكرا. فنحن نستثمر في البرامج المبتكرة التي برهنت على أنها تساعد المدارس في تحقيق المستويات التعلمية العالية وسد الفجوات القائمة في مجال الإنجاز. ونحن بصدد خلق مكافآت جديدة ترتبط بأداء المعلمين وإيجاد مجالات جديدة للتقدم. وقد طالبت كل أميركي بأن يلتزم بالحصول على سنة واحدة على الأقل أو أكثر من التعليم العالي أو التدريب المهني وعرضنا إعفاءات ضريبية لجعل التعليم الجامعي في مقدور كل أميركي.

العماد الثالث في هذا الأساس الجديد هو تسخير الطاقة المتجددة التي يمكن أن تخلق ملايين فرص العمل الجديدة وصناعات مستجدة. ونحن جميعا نعلم أن البلد الذي سيسخّر هذه الطاقة سيكون رائد القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك فقد تركنا المجال لبلدان أخرى غير بلدنا كي تتقدم علينا في هذا السباق إلى المستقبل.

حقا، أنا لا أرضى بمستقبل تنبت وتنمو فيه الأعمال والوظائف وصناعات الغد خارج حدودنا. فقد آن الأوان كي تتصدر أميركا وتقود من جديد.

إن الاستثمارات التي أقدمنا عليها بموجب قانون الإنعاش ستضاعف عرض بلادنا الإمدادي من الطاقة المتجددة في السنوات الثلاث القادمة. وفتحنا بها المجال أمام الأميركيين للعمل في جعل المنازل والمباني أكثر كفاءة (في المحافظة على الطاقة وتخفيض استهلاكها) كي نتمكن من توفير بلايين الدولارات من إنفاقنا على الطاقة ونتمكن في الوقت ذاته من تنمية اقتصادنا.

غير أن السبيل الوحيد لإشعال جذوة هذا التحول يكمن في وضع غطاء تدريجي كحد أعلى مرتبط بالسوق لانبعاثات الكربون المسبب للتلوث بحيث تصبح الطاقة النظيفة هي نوع الطاقة المدر للربح. لقد جادل البعض ونادى بأن لا نحاول مثل هذا التحول حتى ينتعش اقتصادنا، وهم على حق في قولهم إن علينا أن نأخذ تكاليف التحول في الاعتبار. لكنه لم يعد بوسعنا الانتظار أكثر من ذلك ونتأخر في وضع إطار لاقتصاد قائم على الطاقة النظيفة. فإذا أدركت المؤسسات وأصحاب الأعمال التجارية اليوم أننا بدأنا بسد فجوات تلويث الكربون التي يتخذونها كمنافذ، سيبدأون هم بالاستثمار في الطاقة النظيفة منذ الآن. وسنشهد عما قريب مزيدا من الشركات التي تركّب الألواح الشمسية والعمال ينشؤون أبراج توليد الطاقة الرياحية وشركات صناعة السيارات تنتج سيارات ذات كفاءة وقود عالية. وسيستثمر المتمولون بعض المال في تكنولوجيا الطاقة الجديدة، وتنشأ مؤسسات صغرى تبدأ في بيعها. وبهذه الطريقة نستطيع أن نحقق نمو هذا الاقتصاد ونعزز أمننا ونحمي كوكبنا في نفس الوقت.

العماد الرابع في الأساس الجديد هو نظام للرعاية الصحية يواكب القرن الحادي والعشرين لا تنوء في ظله ميزانيات الأسر والشركات والحكومة تحت ثقل عبء أقساط التأمين الصحي المفرطة في الارتفاع.

قد يفقد مليون ونصف المليون أميركي مساكنهم هذا العام لمجرد أنهم يواجهون أزمة طبية. فالشركات الأميركية الكبرى تجاهد مكافحة لتتنافس مع نظيراتها الأجنبية في حين تغلق الشركات الصغرى أبوابها. ولذا لا ينبغي لنا أن ندع تكاليف الرعاية الصحية تواصل خنق اقتصادنا.

ولذا سنستثمر بموجب قانون الإنعاش في التحول إلى السجلات الطبية الإلكترونية التي من شأنها أن توفر المال وتنقذ الأرواح مع إيجاد معايير متشددة للخصوصية. وقد قمنا بأكبر استثمار على الإطلاق في الرعاية الصحية الوقائية لأنها أفضل السبل في السيطرة على التكاليف. وتشمل الميزانيات التي أقرها الكونغرس لتوه التزاما تاريخيا بالإصلاح الذي من شأنه أن يجعل الرعاية الصحية النوعية في المتناول ومقدورا عليها بالنسبة لكل أميركي في نهاية المطاف. ولذا أنا أتطلع إلى العمل مع الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) في الكونغرس لجعل هذا الإصلاح حقيقة واقعة في الشهور القادمة.

فإصلاح نظامنا للرعاية الصحية سيحتاج إلى موارد ولا شك. لكننا التزمنا في ميزانيتي بأن ندفع تكاليف الإصلاح دون أي زيادة في العجز المالي، وحددنا بالفعل مجالات التوفير التي يمكن أن تجعل من نظام الرعاية الصحية أكثر كفاءة وتخفض التكاليف بالنسبة لنا جميعا.

والحقيقة إننا قمنا بمجهود غير مسبوق لاكتشاف هذا النوع من التوفير في كل زاوية من زوايا الميزانية لأن العماد المالي في بناء الأساس الجديد هو استعادة الانضباط المالي حالما ينتعش الاقتصاد. وقد حددنا مجالات تخفيض ترليوني (مليوني مليون) دولار في العجز المالي على مدى العقد القادم. وأعلنا إصلاح نظام المشتريات بشكل يقلل إلى حد كبير من العقود بغير مناقصات أو عطاءات، ويوفر على الحكومة 40 بليون (40,000 مليون) دولار. وأعلن (وزير الدفاع روبرت) غيتس مؤخرا عن مجموعة من الإصلاحات الجريئة التي تستهدف بشكل مباشر الحد من الإسراف والإضافات الزائدة عن التكاليف التي تكلف مئات بلايين الدولارات والتي زادت من تضخم ميزانيتنا الدفاعية ودون أن تجعل أميركا أكثر أمنا. وسنعمل عل إنهاء البرامج التعليمية غير الناجحة ونستأصل الإسراف والتبذير والغش والاستغلال من برنامج الرعاية الطبية (مديكير).

ستعمل هذه الميزانية، إجمالا، على تخفيض الانفاق الاجتهادي في البرامج المحلية كنصيب منها في الاقتصاد بنسبة تزيد عن 10 بالمئة خلال العقد القادم وإلى أدنى حد منذ بدأنا بحفظ السجلات قبل نحو نصف قرن من الزمان. وإننا إذ نستمر في استعراض الميزانية الفدرالية سطرا فسطرا سنعلن عن توفيرات إضافية تتحقق من إلغاء أو دمج برامج لسنا بحاجة لها ونفسح المجال لأمور نحتاجها.

الآن أنا أدرك أن كل هذا ليس كافيا بالنسبة للبعض. وأعلم أن هناك انتقادات مفادها أن حكومتي تنفق بشكل مغرق في التهور وتضغط من أجل تطبيق برنامج ليبرالي اشتراكي، وتقوم برهن مصير أبنائنا.

دعوني أعرض هنا ثلاث نقاط.

أولا، كما سبق وقلت، إن أسوأ ما يمكن أن نفعله في ركود اقتصادي بهذه الحدة هو أن نحاول تخفيض الإنفاق الحكومي في نفس الوقت الذي تعمل فيه الأسر والمؤسسات التجارية حول العالم على التقتير في إنفاقها. ومع خطورة عجزنا المالي ومشاكل الدين – وهي فعلا خطيرة جدا – فإن الجهود الرئيسية التي يجب أن تبذل لمعالجتها يجب أن تصب اهتمامها على منظور الميزانية على المدى المتوسط وعلى المدى الطويل.

ثانيا، إننا في معالجتنا لمشكلة العجز لا نستطيع أن نضحي ببساطة باستثمارات المدى البعيد التي تمس حاجتنا إليها لخلق ازدهار على المدى الطويل. فكما قد تلجأ أسرة مخنوقة ماليا إلى الحد من إنفاقها الكمالي ولكنها تصر على الإنفاق على إرسال أبنائها إلى الجامعة، نحن أيضا علينا، كبلد، أن ننتقي اختياراتنا الراهنة مع النظر إلى المستقبل. فإذا نحن لم نستثمر الآن في الطاقة المتجددة أو في قوة عاملة ماهرة أو في نظام للرعاية الصحية نحن أكثر قدرة عليه، فإن هذا الاقتصاد لن ينمو بالوتيرة التي يحتاجها في سنتين أو خمس أو عشر سنوات من مسيرته. وإذا نحن لم نرس هذا الأساس الجديد، فلن يمضي طويل وقت حتى نجد أنفسنا وقد عدنا إلى نفس الوضع الذي نحن فيه اليوم. وأؤكد لكم أن النمو بشكل بطيء مزمن لن يفيد وضع ميزانيتنا على المدى الطويل.

ثالثا، إن المشكلة في عجزنا المالي وديننا ليست جديدة. فقد ظلت تتراكم بشكل دراماتيكي على مدى السنوات الثماني الماضية، والسبب الرئيسي هو التخفيضات الضريبة الكبيرة مقرونة بزيادة الإنفاق على حربين، وزيادة تكاليف برامج الرعاية الصحية على الحكومة. وستزداد هذه الفجوة الهيكلية بين المبالغ الداخلة والمبالغ الخارجة في ميزانيتنا سوءا عندما يكبر مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية سنا وستؤدي بنا إلى طريق لا تتيسر المحافظة في السيرعليه. لكن دعونا لا نخدع أنفسنا بالقول إننا نستطيع أن نعالجها بإلغاء عدد قليل من اعتمادات المشاريع الخاصة وتخفيض المنح القومية للفنون في الميزانية. فأكبر نسبة من مخصصات الميزانة تدفع، علاوة على الفائدة على الدين القومي والدفاع،  للبرامج المخولة الجارية كالرعاية الطبية والمساعدة الطبية والضمان الاجتماعي التي تزداد تكلفتها سنة بعد سنة. وعليه، فإننا إذا أردنا أن نكون جادين في انضباطنا المالي – وأنا فعلا كذلك – فإن علينا عندئذ أن لا نخفض الإسراف والتبذير في الإنفاق الاجتهادي في ميزانيتنا وحسب - وهو ما بدأناه فعلا - بل وعلينا أيضا أن نكون جادين في إصلاح برامج الفوائد المخولة الجارية.

ما من شيء أهم لتحقيق هذا الهدف من الموافقة على إصلاح الرعاية الصحية بشكل يؤدي إلى تخفيض التكاليف بالنسبة للنظام برمته بما فيه الرعاية الطبية والمساعدة الطبية. ولا يخطئن أحد في أن إصلاح الرعاية الصحية يعني إصلاح التخويل الجاري. وهذا ليس رأيي أنا، وإنما هو خلاصة آراء مجموعة كبيرة من الذين شاركوا في قمة المسؤولية المالية التي عقدت في البيت الأبيض في شباط/فبراير، وهذا هو السبب الذي يحدوني على الإيمان الشديد بأنه ينبغي علينا أن نصلح نظام الرعاية الصحية هذا العام.

وينبغي علينا أيضا بعد أن نعالج تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة أن نعمل في سبيل إرساء الضمان الاجتماعي على أسس راسخة. فقد آن الأوان كي يتضافر الحزبان ويعملا معا من أجل إيجاد الوسائل الكفيلة بالمحافظة على الوعد بتقاعد مضمون لأجيال المستقبل. وعلينا أن نستعيد مفهوم الإنصاف والتوازن في نظامنا الضريبي عن طريق إغلاق الفجوات التي تستغلها الشركات والتأكد من أن الكل يدفع ما يترتب عليه.

هذه الجهود كلها تتطلب اتخاذ خيارات صعبة وتنازلات. غير أنه لا ينبغي للمصاعب أن تتخذ ذريعة للجمود وعدم الفعل.... ليس بعد الآن.

وهذا يوصلني إلى النقطة الأخيرة التي أود أن أعرضها اليوم. فقد تحدثت مطولا عن الضعف الأساسي في اقتصادنا والذي أدى إلى بنا إلى يوم الحساب هذا. ولكن ما أوصلنا إلى هذا أيضا هو ضعف أساسي في نظامنا السياسي.

فقد ظل كثيرون هنا في واشنطن يؤجلون زمنا طويلا اتخاذ القرارات الصعبة لوقت آخر وفي يوم آخر. وكانت هناك نزعة لتصفية الحسابات السياسية بدلا عن التشمير عن السواعد والانكباب على حل المشاكل الفعلية. وكان هناك نوع من التململ وعدم الاصطبار انطبعت عليه هذه المدينة – وزادت فترة الاهتمام والانتباه قصرا مع دورة الأربع والعشرين ساعة الإخبارية مع الإصرار على الرضى الآني عن طريق النتائج الفورية أو النسب العالية للاستطلاعات. وعندما كانت تحل أزمة كان الأغلب في معظم الأحيان هروب من الصدمة إلى الذهول والكل يصد ويرد زوبعة الساعة حتى تهدأ الضجة وتنتهي التغطية ويعود الإعلام إلى سيرته المعتادة وذلك بدلا من مجابهة التحديات الرئيسية التي تشكل مستقبلنا بأسلوب مواظب ومركز.

زمننا هذا لن يكون من تلك الأزمان. فالتحديات جسيمة، والمصالح كبيرة. وأنا أدرك الصعوبة التي تواجه أعضاء الكونغرس من الحزبين في محاولتهم اتخاذ بعض القرارات الهامة التي تواجهنا الآن بالذات. فهي أعظم مما يستطيع معظم مجالس الكونغرس ومعظم الرؤساء معالجته في فترة حياتهم.

لكننا دعينا إلى الحكم في ظروف غير اعتيادية، مما يتطلب شعورا غير اعتيادي بالمسؤولية – سواء أكان بالنسبة لنا أو للرجال والنساء الذين وضعونا في هذا الموقع أو الأجيال العديدة التي ستتأثر حياتها نفعا أو ضرا نتيجة لما نفعله هنا.

لا شك أن الأوقات لا تزال عصيبة. فنحن لم نخرج من الأزمة بعد. لكننا بدأنا نرى من حيث وصلنا ونقف الآن لأول مرة بارقة أمل. ومن وراء ذلك نشهد في البعيد رؤيا مستقبل أميركي مختلف كليا عن ماضينا الاقتصادي المضطرب. نرى أميركا تعج بصناعات جديدة وتجارة، وتطفح بالطاقة والمكتشفات التي تنير العالم من جديد، نراها مكانا يستطيع كل آت من أي مكان صاحب فكرة جيدة وإرادة للعمل أن يعيش فيه الحلم الذي طالما سمع عنه.

إنها (أميركا) البيت المبني على الصخر، عزيزة قوية راسخة في وجه أعتى العواصف. لن نكمل البناء في عام واحد أو حتى في أعوام كثيرة، لكننا إذا اغتنمنا هذه اللحظة كي نضع ذلك الأساس الجديد، وإذا نحن اتحدنا وبدأنا عمل البناء الصعب، وإذا ثابرنا وصبرنا على النكسات وخيبة الأمل التي لا شك تنتظرنا على الطريق، فلي ملء الثقة بأن هذا البيت سينهض، وسيبقى حلم مؤسسي بلادنا حيا في زماننا. وشكرا لكم وليبارككم الله, وليبارك الله الولايات المتحدة الأميركية.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي