03 ايلول/سبتمبر 2008
غاري هفباور وكوستانتينو بيشيدّا
عمدت الدول الآسيوية الشرقية التي دمّرتها الحروب إلى استخدام السياسات الحمائية لفترات قصيرة لإعادة إحياء اقتصاداتها. إلاّ أنه ينبغي ألا تسيء البلدان النامية اليوم تفسير التاريخ. إن اقتصاد اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان لم يحقق توسعاً سريعاً مستديماً إلاّ عندما فتحت أسواقها أمام الاستيراد. أما الحوافز الحمائية المتبقية لديها اليوم فهي لا تؤدي إلاّ إلى الانتقاص من هذه النجاحات الهائلة.
غاري هوفباور زميل ردجينالد جونز أول، في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن العاصمة وكوستانتينو بيشيدّا باحث مساعد في معهد بيترسون.
بعد الحرب العالمية الثانية، انتشلت آسيا الشرقية نفسها من الفقر المدقع إلى الازدهار المدهش. ولدى استعادة أحداث الماضي والتأمل فيها، يتم تصوير اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان أحياناً وكأنها أفضل ملصق دعائي على تشجيع النمو عبر السياسية الحمائية. وقد تبنت جميع هذه الدول بالفعل، وبدرجات متفاوتة، سياسات حمائية خلال العقد الأول من فترة نموها بعد الحرب. ويطرح المتشككون بجدوى التجارة الحرة السؤال التالي: إذا كانت الحمائية قد نجحت في تلك البلدان، فلم ينبغي على أفقر البلدان في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية عدم اعتماد نفس النهج اليوم؟
النظرية
إن الحجج النظرية الداعمة لسياسة حماية المصنوعات المحلية ترتكز إلى إخفاقات السوق الحرة التي يمكن تصحيحها عن طريق تدخّل الحكومات. وفي ما يلي بعض الأمثلة:
تُصور هذه الأمثلة الثلاثة إخفاقات للسوق الحرة يحتمل أن تبرر سياسة التدخل. ولكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت مثل هذه الاحتمالات النظرية مهمة في الواقع. فهناك عدد كبير من الحجج النظرية التي يمكن إيرادها للمجادلة بصحة وجهة النظر المقابلة حول الحمائية: نظرية الاقتصادي ديفد ريكاردو حول التميز المقارن لكل بلد، وقدرة المنافسة المُثبتة في تعزيز الكفاءة، والخطر المعترف به على نطاق واسع بأن الحماية ستشجع الفساد.
مثال: اليابان
في المرحلة الأولى من استعادة عافيتها الاقتصادية، بين نهاية الحرب العالمية الثانية ووقوع الحرب الكورية (1945-1955)، نعمت اليابان بدرجة نمو سريع. وقامت الحكومة بحماية القطاعات الأساسية كجزء من سياسة صناعية أوسع تهدف إلى استعادة المستويات الصناعية التي كانت قائمة قبل الحرب. وتركزت السياسة الحكومية على الصناعات الثقيلة التي كانت قد تضررت كثيراً في الحرب، مثل صناعات الصلب والكيميائيات ومعدات النقل.
وعند إلقاء نظرة متمعنة على الماضي نجد أن استعادة اليابان لعافيتها الاقتصادية كانت سهلة لأن الخبرات التقنية والمواهب الإدارية والشبكات الصناعية التي كانت متوفرة قبل الحرب خرجت من الحرب سليمة إلى حد كبير. أما ما كان مفقوداً فكان الادخار الداخلي والنقد الأجنبي لإعادة إعمار البنية التحتية المادية (كالمصانع مثلاً) ولشراء المُدخلات الإنتاجية والتكنولوجيا من الخارج. ولا ريب في أن التدخل الحكومي زاد من المُدخرات ورتّب تأمين النقد الأجنبي. وقد أدى تحقيق هذين الهدفين على الأرجح إلى تعجيل، لا إلى توليد، عملية استعادة العافية الاقتصادية بعد الحرب.
وفي المرحلة الثانية (أواسط الخمسينات إلى أواسط الثمانينات من القرن الماضي)، تم تحرير الاقتصاد الياباني تدريجاً (باستثناء الزراعة)، لكن اليابان ظلّت تنعم بنمو اقتصادي سريع، وسرعان ما أصبحت رائداً دولياً في التكنولوجيا. ولم تلعب القيود التجارية إلا دوراً صغيراً في النجاح الياباني المستديم. بل إن الواقع هو أنه يمكن لعلماء الاقتصاد، على أساس أخذ كل صناعة على حدة، إثبات وجود علاقة سلبية بين الحماية وبين أداء الصادرات في اليابان.
وعلى نفس هذا النحو، وفي ما يتعلق بالفترة ما بين 1955 و1990، بإمكان علماء الاقتصاد إظهار وجود علاقة سلبية بين معدلات الحماية الفعلية والتغيّرات في الإنتاجية. ويلحظ نفس هؤلاء العلماء أيضاً علاقة إيجابية بين مستوى الاستيراد والنمو في الإنتاجية. وهناك آليتان اثنتان على الأقل تفسّران هذه النتيجة: استيراد المُدخلات الإنتاجية الوسيطة الجديدة والمُحسّنة يزيد من كفاءة الشركات القومية؛ كما أن الواردات تعرض الشركات المحلية للمنافسة مما يحفز الإدارات على تحسين الأداء. والواقع هو أن نمو اليابان، رغم جودته، كان سيكون أفضل لو أن الحكومة وفّرت حماية أقل للشركات اليابانية.
مثال: كوريا الجنوبية
دمّرت الحرب الكورية (1950-1953) منشآت وتجهيزات كوريا الجنوبية، لكن العمال الذين بقوا على قيد الحياة حملوا مهاراتهم معهم إلى فترة ما بعد الحرب. وخلال العقد التالي، استمرت الحكومة في اعتماد النظرة الحمائية فلم تكتفِ بفرض حواجز تجارية عالية فحسب بل وحافظت أيضاً على سعر صرف مُغالٍ للعملة. ولكن الزعماء الكوريين، بدأوا في الستينات من القرن المنصرم، تحويل مزيج سياساتهم نحو التوجه الاقتصادي الخارجي. وقد دفعت مجموعة من الحوافز التجارية والضريبية والقروض، مع سعر صرف ملائم للعملة، الاقتصاد الكوري نحو الاتجاه في منحى يعطي الأولوية للتصدير.
وشهدت الفترة 1961-1980، ازدياد الصادرات الكورية بنسبة 24 بالمئة تقريباً سنوياً بالقيم الحقيقية، في حين قفزت حصة الصادرات من إنتاج الاقتصاد الكوري من 5 بالمئة إلى 33 بالمئة. وفي حين ركزت المرحلة الأولى للتنمية الصناعية على القطاعات التي تتطلب كثافة في اليد العاملة، انتقلت كوريا في مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى مرحلة ثانية تتطلب كثافة رأسمالية وكثافة في التكنولوجيا. وقد أصبحت كوريا الجنوبية اليوم بالطبع من المصدرين الرئيسيين للإلكترونيات والماكينات والصلب والسيارات.
غير أن الحماية المُتبقية انتقصت من إجمالي الأداء الكوري. وتدل المعطيات الخاصة بـ 38 صناعة كورية خلال الفترة بين 1963 و1983 على وجود علاقة سلبية بين السياسة الحمائية ونمو الإنتاجية. ويقول العالم الاقتصادي يونغ-وا لي، من جامعة كوريا بسيئول، إن "المعطيات الكورية توفّر الدليل على أن هناك صلة بين التدخل الأقل في التجارة والنمو الأعلى للإنتاجية". والواقع هو أن المصالح الخاصة تفسر نمط الحماية الكورية بصورة أفضل مما يفعله حساب المكاسب الاقتصادية.
مثال: تايوان
يمكن تقسيم انبعاث تايوان الاقتصادي إلى مرحلتين: في المرحلة الأولى، الممتدة من نهاية الحرب الأهلية الصينية سنة 1949 لغاية أواخر الخمسينات من القرن الماضي، وضعت الحكومة التايوانية حواجز مرتفعة من التعريفات وغير التعريفات للحدّ من الاستيراد ولتشجيع التوسع الصناعي المحلي.
وفي المرحلة الثانية، خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تحول القادة التايوانيون نحو سياسات ذات توجّه اقتصادي خارجي، فحرروا الاستيراد بدرجة لا يستهان بها وصحّحوا سعر صرف العملة التي كانوا قد بالغوا في تحديد قيمتها. فقد أدركت القيادات أن تركيز إيران على إنعاش الاقتصاد الداخلي حدّ من فرص نمو البلاد نظراً لحجم سوقها الداخلية الصغير.
وخلال مرحلة التوجه نحو الخارج، ازدادت صادرات تايوان بسرعة كبيرة. فقد ارتفعت حصة الصادرات من الناتج الاقتصادي من 8.5 بالمئة سنة 1952 إلى 44.5 بالمئة سنة 1976؛ وفي حين شكلت السلع المصنّعة أقل من 8 بالمئة من مجموع الصادرات سنة 1955 أصبحت تشكل أكثر من 91 بالمئة سنة 1976.
وقد أبقت تايوان، خلال المرحلة الثانية، على بعض الحواجز التجارية (التي كانت هامة بنوع خاص في الزراعة)، لكن الحماية المتبقية كانت عبارة عن تنازل للمصالح الخاصة وليس مساهمة في النمو الاقتصادي. وقد تحقق نمو تايوان على الرغم من، وليس بفضل، الإجراءات المُقيّدة. فقد توصلت عدة دراسات إلى أن الدافع إلى الحماية التجارية التايوانية كان الاعتبارات السياسية لا إخفاقات السوق.
العبر المستخلصة
إن العبرة التي تتضح من تجارب فترة ما بعد الحرب في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان واضحة: كانت الفترة الزمنية الطويلة من النمو اللافت للنظر مرتبطة بالتحرير الاقتصادي التدريجي، لا بالحماية الدائمة. وبعد فترة أولية من التوّجه نحو الداخل، فتحت البلدان الثلاثة اقتصاداتها أمام المنافسة الدولية. وقد حققت بقيامها بذلك، معدلات نمو اقتصادي ندر أن شهدها العالم عبر التاريخ. ولم تجر إزالة الحواجز بين ليلة وضحاها، وتوحي الأدلة بأن ترسبات الحماية المتبقية حالت دون تحقيق أداء إجمالي أكثر إدهاشاً للعالم.
وقد يجادل الذين يتبنّون نظرية وضع الحواجز العالية بوجه التجارة بأن نمو آسيا الشرقية بدأ في ظل سياسات حمائية. وفي حين أن هذا صحيح، إلا أنهم لا يميزون بين بداية عملية النمو واستمرارها على امتداد فترات زمنية طويلة. وفي جميع الأمثلة الثلاثة، بدأت التنمية في أعقاب حرب مُدمرة. وما حققه النمو الاقتصادي في المرحلة الأولى هو أنه قام بمجرد إعادة الاقتصادات الآسيوية الشرقية إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحرب.
وقد أقر أحد كبار المناصرين لنظرية التنمية المدفوعة بالصادرات، الاقتصادي الراحل بيلا بالاسا من جامعة جونز هوبكنز، بالدور الإيجابي الذي لعبته سياسة إيجاد بديل عن البضائع المستوردة في السنوات الأولى للنمو في كوريا وتايوان. غير أن هذا الدور الإيجابي للحماية كان محدوداً بمدة وجيزة عندما استعيض عن البضائع الاستهلاكية المستوردة بسلع مصنوعة محليا. وعندما استُكملت هذه العملية، احتاجت اقتصادات آسيا الشرقية إلى الانفتاح على الأسواق العالمية لتأمين المُدخلات الإنتاجية الوسيطة وللتمكّن من بيع منتجاتها على نطاق أوسع في آن واحد. أما من حيث نمو الإنتاج الاقتصادي الفردي، فقد تفوق أداء سنوات التوجّه الاقتصادي نحو الخارج على أداء سنوات فترة الاستعاضة عن الاستيراد. وفي ما يتعلق بكوريا، على سبيل المثال، بلغ نمو الإنتاج الاقتصادي الفردي السنوي 2.2 بالمئة بين العامين 1955 و1965، في حين بلغ 8.2 بالمئة خلال السنوات العشر التالية.
وقد اجتازت جميع البلدان النامية تقريباً منذ زمن طويل مرحلة الاستعاضة السهلة عن البضائع المستوردة بسلع مصنوعة داخل البلد. والعبرة الواضحة التي تقدمها تجربة دول شرق آسيا للدول انامية في العام 2006 (وليس 1946) هي أن النمو المستديم يتطلب التقليص التدريجي للحواجز الموضوعة في وجه التجارة العالمية.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية، أو معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.