03 ايلول/سبتمبر 2008
السفير جون ك. فيرونو
يوفر لنا التاريخ والخبرات المتراكمة عبره الكثير من العِبر الهامة أثناء نظرنا إلى مستقبل النظام التجاري الدولي. وقد شكلت التجارة، خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دافعاً جوهرياً لا يمكن فصله عن التقدم الاقتصادي. فقد أسهمت الجولات الناجحة المتعاقبة لتحرير التجارة الدولية المتعددة الأطراف، سواء تحت مظلة الاتفاقية الدولية للتعريفات والتجارة (الغات)، أو تحت مظلة خليفتها، منظمة التجارة العالمية (WTO)، في إعادة بناء اقتصادات أوروبا التي دمرتها الحرب، ووفرت سبيلاً أثبت نجاحه للتنمية في الدول المستقلة والساعية إلى التحديث في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط، كما أنها انتشلت مئات الملايين من سكان العالم من وطأة الفقر.
وقد دأب جميع الرؤساء الأميركيين الذين تولوا رئاسة الولايات المتحدة خلال العقود السبعة الماضية، بدءاً من الرئيس فرانكلين د. روزفلت، وانتهاءً بالرئيس الحالي جورج دبليو. بوش، على تقديم الدعم الثابت لسياسة تقليص الحواجز التجارية بين الولايات المتحدة وشركائنا في شتى أنحاء العالم. وقد كانت هناك قناعة مشتركة بينهم بأن التجارة تلعب دوراً رئيسياً في رفع مستوى المعيشة وزيادة الازدهار وتأمين تشكيلة أكبر من الخيارات المتوفرة لمواطنينا ولمواطني الدول الأخرى أيضا. ونتيجة لهذه السياسة، غدت الولايات المتحدة الأميركية أكثر الاقتصادات الرئيسية في العالم انفتاحاً، ويشكل هذا الانفتاح بالذات مصدراً واضحاً لقوة الاقتصاد. ووفقاً لإحصاءات "مؤسسة بيترسون للاقتصاد الدولي"، ارتفعت المداخيل الأميركية بمقدار تريليون دولار أميركي سنوياًَ، أي ما يعادل ارتفاعاًً قدره تسعة آلاف دولار أميركي في الدخل السنوي لكل أسرة، بفضل سياسة تحرير التجارة منذ العام 1945.
ونحن نشهد الآن فترة من التحول السريع في السوق العالمي. ففي غضون السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وحدها، انضم حوالى ألفي مليون مستهلك وعامل إلى الاقتصاد العالمي نتيجة انهيار العوائق السياسية والتكنولوجية التي كانت تقف في طريق المشاركة في السوق. ويتعين علينا، لتمكين المزيد من الناس من متابعة تحقيق أحلامهم وتحسين دخل أسرهم، أن نطلق العنان لما تنطوي عليه التجارة من قدرة على تشجيع مزيد من النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل أفضل.
ويقدّر البنك الدولي أن إزالة الحواجز التجارية بشكل تام يمكنه انتشال عشرات الملايين الآخرين الإضافيين من الفقر؛ ولذا، فمن الواضح أنه يترتب علنا واجب أخلاقي بالتوصل إلى سبيل للتقدم في المجال التجاري. وعلاوة على ذلك، ففي حين أنه يمكن لتخفيف عبء الديون والمساعدات الخارجية أن يقدما مساهمة ذات شأن في تنمية الدول الفقيرة، إلا أن التجارة وتحرير التجارة سيكونان على الأرجح أداتين حتى أكثر قوة لتقليص الفقر وتوفير الموارد الاقتصادية للمجتمعات كي تواجه أكثر احتياجاتها إلحاحية. وتشير تقديرات البنك الدولي أيضاً إلى أن الزيادة في الدخل السنوي في الدول النامية، التي ستنجم عن إلغاء الحواجز التجارية المفروضة على السلع والبضائع وحدها دون غيرها، ستبلغ 142 بليون (ألف مليون) دولار على أقل تقدير. ويفوق هذا المبلغ مبلغ الثمانين بليون دولار الذي قدمته الدول الصناعية الكبرى إلى الدول النامية كمساعدات اقتصادية خارجية في العام 2005، حتى ولو أضفنا إليه مبلغ الـ 42.5 بليون دولار الذي سينجم عن إعفاءات الديون المقترحة.
إن المكاسب المحتمل جنيها من تحرير تجارة السلع المصنعة والخدمات والمنتجات الزراعية هائلة حقا. وقد كان تعليق مفاوضات "دورة الدوحة" التابعة لمنظمة التجارة العالمية في العام 2006 مخيباً للآمال بالنسبة لجميع المؤمنين بقدرة التجارة على تعزيز التنمية الاقتصادية وزيادة الفرص الاقتصادية وتسهيل سبل التعاون السلمي بين الدول. وهذا هو ما جعل الرئيس بوش يصدر تعليماته إلى الممثلة التجارية الأميركية لمواصلة السعي إلى التوصل إلى اتفاقية متوازنة تحقق أهداف التنمية التي تنشدها دورة مفاوضات الدوحة.
إن الوتيرة السريعة للتغير في الاقتصاد العالمي وما ينتج عنها من تأثير، سلبي وإيجابي، على المناطق والنواحي المحلية والأفراد، تثير بواعث قلق يمكن تفهمها. وعلى كل مجتمع أن يستنبط وسيلة ما لمعالجة أمر أولئك الذين قد تكون سرعة التغير ونتائجه قد أربكتهم ولتلطيف تأثير المرحلة الانتقالية. أما التراجع وتشييد الجدران والحواجز والعوائق أمام حرية التجارة، فلا يُشكِّل الوسيلة الناجعة لمعالجة الأمر: إن الحواجز الاقتصادية تحمي قلة قليلة من الناس على حساب الكثرة الكثيرة، والدول التي تفشل في مقاومة إغراء اعتماد سياسات حِمائية تعرض نفسها لخطر تحويل اقتصادها إلى اقتصاد يتصف بنموّ أبطأ وقطاعات غير كفؤة وغير قادرة على المنافسة وبطالة أكثر تفاقماً وتضخم أكثر ارتفاعاً على المدى البعيد.
وثمة مردود اجتماعي واسع أيضاً لازدياد حجم التبادل التجاري: فالدول الأكثر ثراء تكون أكثر ميلاً إلى، وقدرة على، تكريس بعض مواردها للمحافظة على بيئتها. كما أن العاملين في الصناعات المرتبطة بالتصدير يتقاضون في العادة أجوراً أكثر ارتفاعاً من أجور نظرائهم العاملين في القطاعات الصناعية غير المتصلة بالتصدير. والمكاسب المتأتية عن التجارة هي الآن حقيقة ملموسة بالنسبة لمئات الملايين من الأفراد الذين يتوقف رزقهم ورزق أسرهم عليها.
ونرجو أن يتوقف قراء هذا العدد ملياً أمام كل مقالة من المقالات الواردة فيه، وأن يستخلصوا منها إدراكاً أكبر، وتفهماً أعمق، للفوائد التي يعود بها تحرير التجارة العالمية على تحسين نوعية حياة جميع البشر في جميع أنحاء العالم.
السفير جون ك. فيرونو
نائب الممثلة التجارية الأميركية