06 أيار/مايو 2008
تشجيع المجازفة والمشاريع التجارية الخاصة
ناتالي مارتن
لا ينظر إلى الفشل في الأعمال في الولايات المتحدة نظرة سلبية، وذلك خلافا لما يحصل في العديد من الدول الأخرى. وفي الحقيقة فإن قوانين الإفلاس الأميركية مبنية على أساس تشجيع الأشخاص الذين يفشلون في العمل على مواصلة جهودهم المتعلقة بالمشاريع التجارية الخاصة. ويقول كاتب المقال "إذا فشل عمل في الولايات المتحدة فإن بوسع الفرد أن يمضي في حياته أو حياتها دون أن يعيش في عار أو في فقر تام. والقدرة على البدء من جديد هي ما يجعل بعض الأميركيين مستعدين للمجازفة في العمل، مما يعود بالفائدة على الاقتصاد ككل".
ناثالي مارتن أستاذة ديكاسون في القانون بجامعة نيو مكسيكو عملت أخيرا كباحثة علمية مقيمة في معهد الإفلاس الأميركي.
تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على استخدام التسليف من قبل الأفراد والأعمال لدعم اقتصادها. كما أن البلاد تطبق قوانين إفلاس متسامحة تحمي الأفراد والأعمال إذا أصبحوا عاجزين عن أداء ديونهم. وبذلك تدعم هذه القوانين النظام الرأسمالي ونمو الأعمال الصغيرة عن طريق تشجيع الناس على القيام بمجازفات في الأعمال.
وهناك نوعان رئيسيان من الإفلاس بالنسبة للأفراد:
* يتيح أحد هذين النوعين، وهو معروف بالفصل السابع، للأشخاص الذين يعانون من متاعب مالية "التحرر" من تسديد معظم ديونهم التي لا يوجد لها ضمان إضافي (ضمان). ولا يساعد هذا النوع من الإفلاس الشخص على تسديد ديونه المضمونة، حيث يكون المقترض قد قدّم تعهداً من نوع ما من الضمان الإضافي كالممتلكات.
* والنوع الآخر، وهو معروف بالفصل الثالث عشر، يتيح للأشخاص الذين يواجهون متاعب مالية تسديد جزء من ديونهم عن طريق خطة دفع تستمر على مدى ثلاث إلى خمس سنوات. وفي نهاية الفترة، وافتراضا بأن المدين قد قدّم كل دخله المتيسر لخطة الدفع، تشطب الديون الباقية. ويمكن استخدام هذا النوع لتسديد دين مضمون فات موعد تسديده، وبذلك يحفظ ضمانه الإضافي.
ولكن القانون يختلف قليلا بالنسبة للأعمال. ويمكن لبعضها مواصلة العمل بموجب الفصل 11 فيما تعيد تنظيم ديونها. وهكذا تتيح القوانين الأميركية، خلافا لمعظم قوانين الإفلاس حول العالم، لشركة مفلسة أن تواصل عملها، بنفس الإدارة، فيما هي تحاول إعادة تنظيم ديونها. أي أنه لا يتم تعيين وصي أو قيّم في العادة على هذه الأعمال. ويعتقد بعض الناس أن هذا النظام، المعروف بنظام امتلاك المدين، يشجع النمو الاقتصادي ونمو الوظائف لأن عددا أكبر من الشركات تواصل عملها وتتم حماية أصولها. ويمكن للأعمال ببساطة تصفية أصولها بموجب الفصل السابع واستخدام إيرادات مبيعاتها للدفع للدائنين.
الفلسفة الأساسية
يتميز الاقتصاد الأميركي بالحيوية والنشاط. وكلما ازداد النشاط في الاقتصاد كلما ازداد الاقتصاد قوة. وقد طور نظام الأنظمة الأميركي لتشجيع الناس على تأسيس الأعمال، أملا في أن ينجحوا ويوظفوا الموظفين ويدفعوا الضرائب ويحسنوا الاقتصاد ككل. ونحن ندرك أن بعض الأعمال ستفشل خلال هذه العملية. وهكذا، فإننا نقيّم كثقافة استعداد الشخص للمجازفة بوظيفته وماله (وأيضا بالمال المقترض) لاغتنام الفرصة لتحقيق النجاح.
وهذه الأفكار ليست جديدة. فقد شجع الأميركيون دائما، كمجتمع، النشاط الاقتصادي عن طريق الاستخدام الواسع النطاق للتسليف. وعودة إلى القرن الثامن عشر، حين كان الاقتصاد الأميركي يتنافس مع اقتصاديات أوروبية أكثر تقدما، نما الاقتصاد الأميركي أسرع مما كان أحد يتخيل وأصبح بسرعة أكبر اقتصاد في العالم.
وكان الاستخدام الواسع النطاق للتسليف في بداية الاقتصاد الأميركي فريدا في العالم، حيث كان يدفع بعض الناس ثمن السلع والإمدادات بعد مضي أشهر أو حتى سنوات بعد منح التسليف. وأتاح ذلك للناس فرصة الشروع في الأعمال دون أن تكون بحوزتهم مبالغ كبيرة من المال. ونتج عن توفر التسليف ازدياد في النشاط الاقتصادي، وشهد ذلك بداية لاقتصاد قوي مبني على التسليف.
وكان لوجود هذا القدر من التسليف جانب سلبي أيضا. فقد فشلت بعض الأعمال. ومع ذلك فإن أميركا حافظت على الروح الرأسمالية لأن هدفها كان تشجيع الناس على المجازفة في العمل لتنشيط اقتصادها الحديث العهد. وتطورت ثقافة قانونية للتسامح مع عدم تسديد الديون، الأمر الذي شجع الناس على مواصلة جهودهم المتعلقة بالمشاريع التجارية الخاصة، حتى ولو أنهم كانوا قد فشلوا قبل ذلك.
وقد سبّب التسامح النسبي لقانون الإفلاس الأميركي، عند مقارنته بقوانين القارة الأوروبية، صدمة لبعض الناس، بمن فيهم الفيلسوف الفرنسي أليكسس دي توكويفيل، الذي علق في أوائل القرن التاسع عشر على "التساهل الغريب" الذي يتم مع الشركات المفلسة في الاتحاد الأميركي. وادعى أن الأميركيين من هذه الناحية "يختلفون ليس فقط عن دول أوروبا، بل أيضا عن جميع الدول التجارية في عصرنا".
قوانين الإفلاس الحديثة قيد التطبيق
إذا ما فشل عمل في الولايات المتحدة، فإن الشخص الذي يتولاّه يمضي بحياته دون أن يعيش في عار أو في فقر تام. وهذا أكثر من مجرد نظرية جميلة.
وقد فشل كثيرون من أكثر رجال الأعمال الأميركيين نجاحا في جهود أعمالهم المبكرة، بمن فيهم ثري الكيتشاب جون هنري هاينز وهنري فورد رئيس شركة فورد للسيارات وفينياس بارنوم الذي أسس السيرك الأميركي. وقد أصبح جميع هؤلاء الرجال في النهاية رجالا أثرياء جدا. ويعود ذلك جزئيا إلى أنهم منحوا الفرصة لمحاولة عمل جديد والفشل ثم البداية من جديد.
والأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة هي القوة الدافعة للاقتصاد، حيث توظف عددا أكبر من الناس مما توظفه الشركات الضخمة المتعددة الجنسيات. ويدعم نظام التسليف ونظيره نظام الإفلاس بوضوح الأعمال الصغيرة والمشاريع التجارية الخاصة. ومع ذلك فإن الحجم الهائل للتسليف المتوفر في الولايات المتحدة مخيف بالنسبة للمعايير العالمية، حيث يمكن للكثيرين من الأميركيين العاديين الحصول على خمسين ألف دولار أو أكثر كتسليف من قروض البنوك وبطاقات الائتمان وغيرها من المصادر، حتى بدون تقديم ضمان إضافي. ويبدأ كثيرون من أصحاب المشاريع التجارية الخاصة أعمالهم بأموال يحصلون عليها من هذه المصادر.
ويجد أشخاص كثيرون خارج الولايات المتحدة قوانين الإفلاس الأميركية غريبة، ويعزى ذلك جزئيا إلى اختلافها الكبير عن القوانين في بلادهم. فالدين لا يشطب بسهولة في معظم أنحاء العالم، وهناك في العادة وصمة عار مرتبطة بالفشل المالي. وينظر إلى أي فشل في الأعمال في أجزاء كثيرة من أوروبا كشيء محرج، حتى ولو أن الشخص كان يعمل في عمل مملوك لشخص آخر ومني العمل بالفشل. وقد يواجه الشخص الذي له علاقة بفشل في العمل صعوبة في الحصول على وظيفة أخرى. وقد أظهرت أبحاثي في بعض أجزاء العالم، كاليابان، أن وصمة العار من الفشل المالي قوية بما فيه الكفاية بحيث تؤدي في بعض الناس إلى الانتحار.
ومع ذلك فإن دولا أخرى – بما فيها اليابان وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا – بدأت في سن قوانين أكثر تسامحا لتشجيع المشاريع التجارية الخاصة ودعم اقتصاديات أكثر نشاطا. ويعتقد المشّرعون في بعض الأماكن بأن وجود نظام إفلاس أكثر تسامحا سيوفر أصولا وسيدعم الاقتصاديات التي لا تنمو بسرعة. وتقدم اليابان التي يتقلص فيها التضخم مثلا على دولة تحاول أن تستخدم قوانين إفلاس أكثر تسامحا لتوليد المزيد من الاقتراض والنشاط الاقتصادي. وبما أن معظم هذه القوانين جديدة فليس من الواضح بعد ما إذا كانت هذه التغيرات ستساعد على تشجيع تنمية الأعمال الصغيرة. وقد تحول العوامل الثقافية أحيانا دون استفادة الناس من هذه القوانين الأكثر تسامحا.
وهناك شعور أقل بوصمة العار المرتبطة بالأعمال الفاشلة في الولايات المتحدة. وقد يعتبر بعض أصحاب الأعمال المحتملين الموظف السابق في شركة فاشلة أكثر قيمة بسبب الدروس التي تعلمها في وظيفته السابقة. كما أن الأبحاث تظهر أن كثيرين من أصحاب الأعمال الأميركيين الناجحين في أعمالهم فشلوا في مشاريع أعمالهم السابقة. والقدرة على البدء من جديد هي ما تجعل بعض الأميركيين مستعدين للمجازفة في الأعمال، مما يخدم الاقتصاد ككل. كما أن توفر التسليف الواسع النطاق مساعد جدا لصاحب المشروع التجاري الخاص الجديد.
الدور الاقتصادي لدين المستهلكين
بالإضافة إلى الدين الذي يتحمله الأميركيون للشروع في أعمالهم، فهم يستخدمون رصيد الدائن لشراء بنود استهلاكية كالمنازل والسيارات والأثاث والملابس. ويستخدم الأميركيون بطاقات الائتمان بدلا من النقد أكثر من سكان أجزاء العالم الأخرى. ويشترون كمجموعة من السلع الاستهلاكية أكثر من الناس الذين يعيشون في الدول الغنية الأخرى كاليابان وكندا. وتسهم المحافظة على مستوى عال للإنفاق الاستهلاكي إسهاما كبيرا في الاقتصاد الأميركي، خاصة حين ينخفض إنفاق مشاريع الأعمال.
إلا أن قوانين الإفلاس الأميركية ليست على نفس القدر من التسامح الذي تظهره تجاه الأعمال فيما يتعلق بالمستهلكين الأفراد الذين يستخدمون التسليف على نطاق واسع لشراء سلع استهلاكية. وكما يظهر الرسم البياني المرفق فإن هناك ارتباطا قويا بين ديون المستهلكين والفشل المالي، والإفلاس الناتج عن الإنفاق الاستهلاكي.

كما أن الأفراد الذين يفرطون في الإنفاق على السلع الاستهلاكية سيواجهون صعوبة أكبر في تسديد ديونهم. وهذه نتيجة لتغيير حديث في قوانين إفلاس المستهلكين الأميركيين تهدف إلى التحكم في إنفاق المستهلكين.
كلمة أخيرة
يمكن لدعم اقتصاد نشيط في الولايات المتحدة أن يعتبر واجبا مدنيا تقريبا. فالقيام بمجازفة الحصول على التسليف للشروع في عمل قد يعود بمكافئات مالية كبيرة. وإذا ما نجح العمل فإن صاحب المشروع التجاري الخاص سيزدهر. وإذا ما فشل فإن الشخص سيحصل على فرصة ثانية. أما ديون الستهلكين الواسعة النطاق فهي تنطوي على نفس المجازفات ولكن بدون الحصول على أي من المكافئات المالية تقريبا.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.