05 أيار/مايو 2008
كريستوفر كونتي
الأميركيون منذ القدم يجلّون الأعمال الصغيرة، ليس لأنها تبني الاقتصاد فحسب، بل أيضا لأنها تنمّي وتعزز الديمقراطية. وقد طبقت الولايات المتحدة على مدى أكثر من قرن قوانين تهدف إلى الحيلولة دون تنافس الأعمال الكبيرة بدون إنصاف مع الأعمال الصغيرة. وسواء ولّدت الأعمال الصغيرة عدداً غير متناسب من الوظائف أم لا ليس واضحاً، ولكنها أثرت بوضوح على الأعمال الكبيرة التي تبنت الممارسات المرنة للأعمال الصغيرة.
كريستوفر كونتي محرر ومراسل سابق لجريدة وال ستريت جورنال وهو كاتب مستقل يكتب حول طائفة من قضايا السياسة العامة.
لقد أعلن كالفين كوليدج رئيس الولايات المتحدة خلال فترة عشرينيات القرن الماضي "الصاخبة" بشكل رائع أن "كنه أميركا هو العمل". ومن الممكن القول بدقة خلال القرن الأول من وجود الولايات المتحدة – حتى فترة الثمانينيات من القرن التاسع عشر – أن عمل أميركا كان الأعمال الصغيرة، حيث أن جميع الأعمال تقريبا في البلاد كانت صغيرة في تلك الأيام. وقد غطّت المشاريع التجارية الخاصة الكبيرة الحجم على الأعمال الصغيرة إلى حد كبير منذ ذلك الوقت، بطبيعة الحال، ولكن الأغلبية الساحقة – 90 بالمئة تقريبا من أصحاب العمل يوظفون أقل من 20 موظفا – ما زالت صغيرة. كما أن الأعمال الصغيرة تستمر في إلهاب خيال الأميركيين.
ولم يكن للأعمال خيار سوى أن تكون صغيرة في أيام أميركا الأولى. فقد كان النقل بطيئا وغير فعال، مما أبقى الأسواق مفككة جدا بحيث لم تكن تستطيع دعم مشاريع تجارية خاصة ضخمة الحجم. كما أن المؤسسات المالية كانت صغيرة جدا بحيث كانت عاجزة عن دعم الأعمال الكبيرة. وكانت القدرة الإنتاجية محدودة لأن طاقة الريح والماء والحيوان كانت مصادر الطاقة الوحيدة. ومهما كانت أسباب صغر حجم الأعمال فإن الأميركيين أرادوها كذلك. وقد اعتقدوا بأن الأعمال الصغيرة تربي الخلق الفاضل وتعزز الديمقراطية. وكما قال توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، فإن أمة من المزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة ستتجنب الاتكال الذي "يسبب الخضوع والرشوة ويخنق بذرة الفضيلة ويعدّ الأدوات الملائمة للأهداف الشريرة للطموح".
وقد وضع إيمان الأميركيين بالأعمال الصغيرة على المحك في أواخر القرن التاسع عشر. فقد أوجدت السكك الحديدية والتلغراف وتطوير المحركات البخارية والنمو السكاني السريع جميعها أوضاعا كان من الممكن فيها لبعض الأعمال – خاصة الأعمال التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة كالمواد الأولية ومعالجة المواد الغذائية وصناعة الآلات والكيماويات – أن تصبح أكبر، ومن خلال ذلك أن تصبح أكثر كفاءة. وقد احتفى أشخاص كثيرون بارتفاع الأجور وانخفاض الأسعار التي رافقت المشاريع التجارية الخاصة الكبيرة الحجم، إلا أن آخرين ساورهم القلق من أن الخصائص التي مجّدها جيفرسون قد تضيع في تلك العملية. وقد كتب المؤرخ مانسيل بلاكفورد في كتابه "تاريخ الأعمال الصغيرة في أميركا" يقول "حتى حين احتضنوا ما اعتبروه الكفاءة والإنتاجية المتفوقة للأعمال الكبيرة فقد واصل الأميركيون إجلال أصحاب الأعمال الصغيرة لاعتمادهم على أنفسهم واستقلالهم".
التشريعات مقابل الواقع الاقتصادي
وعلى حدّ وصف بلاكفورد فإن صانعي السياسة سعوا مرارا إلى التوفيق بين تقدير الأميركيين للمزايا التي تجلبها الأعمال الكبيرة لهم وبين إجلالهم لأصحاب الأعمال الصغيرة. وقد أقر الكونغرس الأميركي في العام 1887 قانون التجارة بين الولايات لتنظيم السكك الحديدية، وذلك جزئيا لحماية الأعمال الصغيرة مما كان يعتبر احتكارا طبيعيا. ثم سعى قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار (1890) وقانون كلينتون لمكافحة الاحتكار (1914) للحيلولة دون ممارسة الشركات الكبرى سلطة مفرطة في سوق العمل. وبعد ذلك هدف قانون روبنسون – باتمان للعام 1936 وقانون ميلر – تايدنغز للعام 1937 إلى ضبط سلسلة محلات البيع بالتجزئة الكبيرة.
إلا أنه تعين على المدافعين عن الأعمال الصغيرة في كل من هذه القوانين أن يراضوا المشرّعين الذين عارضوا تدخل الحكومة في الاقتصاد ورأوا أن الأعمال الكبيرة أكثر كفاءة من الأعمال الصغيرة. وكانت النتيجة سلسلة من التنازلات التي حدّت من قدرة الأعمال الكبيرة على استخدام سلطتها لإخماد التنافس إلى حد ما على الأقل، ولكنها لم تمنعها من النمو لتصبح كبيرة عن طريق وسائل اعتبرت عادلة. فقانون شيرمان، مثلا، لم يتخذ إجراءات صارمة ضد الأعمال الكبيرة، بل إنه في الغالب كان يُستعمل لمنع التحالفات بين الأعمال الصغيرة كما والكبيرة. كما أن قانون كليتون لم يحظر كبر الحجم نفسه، بل منع الأساليب "غير العادلة" للتنافس.
وقد اتخذ المشرّعون موقفا مختلفا في العام 1953: إذ أسسوا إدارة الأعمال الصغيرة، وهي وكالة فدرالية تقدّم التدريب وتساعد المشاريع التجارية الخاصة الصغيرة على الحصول على التمويل وعقود الأراضي مع الوكالات الحكومية والحصول على رأس المال على أسس عادلة. ومن الصعب تحديد التأثير الفعلي لإدارة الأعمال الصغيرة. إلا أن الخبراء الاقتصاديين يعتقدون بأن الأعمال الصغيرة تمكنت من البقاء على مر السنين نتيجة للواقع الاقتصادي – وإبداعها الخاص – أكثر من كون ذلك نتيجة للتشريعات. وواصلت الأعمال الصغيرة في بعض الصناعات – كصناعة الأثاث ومناشر أخشاب الشجر والكثير من أعمال الخدمات، على سبيل المثال – القيام بدور هام لأن أنواع نظام اقتصاد الإنتاج الواسع النطاق التي أتاحت للأعمال النمو لتصبح كبيرة في القطاعات الأخرى كانت غائبة إلى حد كبير.
ووجدت الأعمال الصغيرة في بعض القطاعات بيئة ملائمة للسوق حيث كان الطلب قليلا جدا بحيث لا يتطلب إنتاجا على نطاق واسع. ويستشهد بلاكفورد بشركة باكاي لصب الفولاذ في كولومبوس بولاية أوهايو التي أسست في العام 1881 وازدهرت لسنين عديدة عن طريق إنتاج أدوات ربط أوتوماتيكية لحافلات السكك الحديدية، على سبيل المثال. كما أنه يصف كيف تمكنت طائفة من شركات النسيج في مدينة فيلادلفيا من البقاء حتى القرن العشرين عن طريق الإنتاج لسوق الملابس المتقلب حسب المواسم. وكمثل أحدث، ظهر عدد من شركات تكنولوجيا المعلومات لإنتاج برامج الكمبيوتر لتطبيقات بالغة التخصص في أجهزة الكمبيوتر، ولعدد من شركات الإنترنت الصغيرة التي تبيع منتجات تستهدف قطاعات أسواق صغيرة.
وقد بقيت بعض الأعمال صغيرة لمجرد أن أصحابها لا يريدون لها أن تنمو وتكبر. وفي أوقات التدهور الاقتصادي كالكساد الكبير في فترة الثلاثينيات والركود الاقتصادي في فترتي 1973 – 1975 و1980- 1982 قام أشخاص كثيرون ممن فقدوا وظائفهم في الشركات الكبيرة بتأسيس أعمالهم الصغيرة الخاصة بهم لمواجهة الأوقات العصيبة.
وبشكل عام، ففي حين أن الحلم الذي يراود شخصا ما لإدارة عمله الخاص قد أسهم في زيادة مستمرة في عدد الأعمال الصغيرة في أميركا، فإن الاتجاه العام منذ فترة الثمانينيات للقرن التاسع عشر هو ازدياد عدد الأعمال الصغيرة مع ازدياد عدد السكان، ولكن مع انخفاض حصتها النسبية من الإنتاج الاقتصادي، مع ظهور شركات كبرى في القطاعات المختلفة. وقد اعترفت إدارة الأعمال الصغيرة نفسها ضمنا بالاتجاه نحو كبر الحجم عن طريق إعادة تعريفها للأعمال الصغيرة بزيادة حجمها. وفي فترة الخمسينيات من القرن الماضي، اعتبرت الإدارة أي شركة صناعية توظف أقل من 250 شخصا عملا صغيرا، ولكنها حاليا تعتبر الشركات التي توظف عددا يصل إلى 500 موظف أعمالا صغيرة. وفي العام 2002، مثلا، كانت هناك 16,845 شركة فقط توظف أكثر من 500 شخص، مقارنة بعدد بلغ 5,680,914 شركة وظفت عددا أقل من الموظفين، وفقا لإدارة الأعمال الصغيرة.
أهمية الحجم
لقد أظهرت الأعمال الصغيرة ديمومتها خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي على وجه الخصوص. ففي تلك الفترة، أدى التنافس الأجنبي إلى انخفاض في الشركات الصناعية الأساسية الكبيرة الحجم في صناعات مثل الصلب والسيارات والنسيج. وأصبحت الخدمات أهم نسبيا في الاقتصاد العالمي الجديد في حين قلت أهمية التصنيع، مما يعني تزايد دور الشركات الصغيرة التي هيمنت تقليديا على الكثير من قطاعات الخدمات. إلا أن بعض الخبراء الاقتصاديين وجدوا أسبابا إضافية لأن تصبح الأعمال الصغيرة جزءا أهم من الوضع الاقتصادي. ويؤكد هؤلاء الخبراء الاقتصاديون أن بإمكان الشركات التي تستطيع الابتكار وإنتاج المنتجات حسب الطلب والتكيف بسرعة تبعا للظروف المتغيرة ستكون ذات أفضلية في الاقتصاد العالمي العالي التنافس والسريع التغير. ويبدو أن الأعمال الصغيرة التي تخضع بدرجة أقل لأنظمة هرم السلطة في التسلسل الوظيفي وللقوى العاملة النقابية تتمتع بميزات القوة هذه. كما أن الأعمال الصغيرة حصلت على دعم إضافي لأن تكاليف النقل الآخذة في الانخفاض وظهور الإنترنت سهّلت عليها أكثر من أي وقت مضى التنافس على الساحة الدولية.
وقد بلغ تصاعد الحماس نحو الأعمال الصغيرة ذروته في العام 1987 حين كتب ديفيد بيرش، وهو اقتصادي ومؤسس شركة كوغنيتيكس للأبحاث، يقول إن الأعمال الصغيرة تولّد معظم الوظائف الجديدة في الاقتصاد. وقد جذبت نتائج بيرش اهتماما هائلا وما زالت مرجعا يستشهد به حتى هذه الأيام. إلا أن اقتصاديين كثيرين يشككون في صحتها. ففي دراسة في العام 1993، مثلا، وجد المكتب القومي للبحوث الاقتصادية أنه في حين أن الشركات التي توظف أقل من 500 شخص ولّدت بالفعل عددا أكبر من الوظائف بين العامين 1972 و1988، فقد كان معدل إفلاس تلك الشركات أعلى من سواها. وخلصت منظمة الأبحاث الخاصة وغير الحزبية إلى أنه بذلك لم يكن أثرها الصافي على إيجاد الوظائف أكبر من الشركات الكبيرة.
وعلى أية حال، فقد تكون الأعمال الصغيرة قد حافظت على مكانتها خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لم تستعد حصتها في السوق التي خسرتها للشركات الكبيرة خلال القرن السابق. ويعزى ذلك جزئيا، كما تقول مجلة الإيكونومست، إلى أن الأعمال الكبيرة أصبحت أكثر تنافسية بعد أن تعلمت بعض الدروس من منافساتها الصغيرة. فقد ذكرت هذه المجلة البريطانية في العام 1995 أن الأعمال الكبيرة تتصرف بصورة متزايدة كالأعمال الصغيرة عن طريق "دفع صنع القرارات نحو المراتب الإدارية الأدنى، وإعادة تنظيم نفسها حسب فرق ووحدات مبنية على المنتجات، والتحول نحو أسلوب المشاريع التجارية الخاصة الصغيرة".
ويبدو في هذه الأيام أن المشاريع التجارية الخاصة الكبيرة والصغيرة قد وصلت إلى نوع ما من أنواع التوازن. فعلى سبيل المثال، تراوحت حصة الأعمال الصغيرة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي حول 50 بالمئة من العام 1980 بعد أن بلغت 57 بالمئة في العام 1958. ولو أن الرئيس كالفين كوليدج كان حيا فقد كان بوسعه أن ينظر إلى مثل هذه الأرقام ويتمسك باعتقاده بأن كنه أميركا هو العمل. ولكنه قد يضيف أن العمل في أميركا ياتي في جميع الأحجام، الكبير والصغير منها.