03 أيار/مايو 2008

بقلم بيترا ريفولي
بدأ كل شيء في اجتماع لمنظمة التجارة العالمية عام 1999، سأل ناشط معارض بيترا ريفولي، الأستاذة المشاركة في فرع تدريس العلوم المالية في كلية ماكدونو لإدارة الأعمال في جامعة جورجتاون: "من صنع قميص التي شيرت الذي ترتدينه؟" في سعيها لإيجاد الجواب، سافرت ريفولي إلى الصين، وتكساس، وتنزانيا حيث لمست بالتجربة المباشرة تعقيدات الاقتصاد العالمي. سردت القصة في كتابها، "رحلات قميص تي شيرت في الاقتصاد العالمي: عالمة اقتصادية تدرس الأسواق، السلطة وسياسة منظمة التجارة العالمية". وفي المقال التالي، تتأمل في تجاربها وتتعجب كيف تملك التجارة القدرة على أن تجذب سوية ناساً متباينين.
عندما قررت أن اتبع حول العالم رحلة قميص التي شيرت الذي ارتديه، كان ما أردت أن أفعله أكثر من أي شيء آخر أن أحكي قصة عظيمة. لم أبدأ بمحاولة إثبات صحة نقطة معينة أو تقديم درس، رغم أن الدروس برزت بالتأكيد من خلال رحلاتي. كان لدي إحساس بان هذا الشيء البسيط كان يملك قصة ساحرة ومعقدة، يود أن يحكيها، قصة قد تحدث صدى لدى كل فرد يرتدي ملابسه صباح كل يوم، وأردت أن أسرد تلك القصة.
وجدت أن الناس في كافة أنحاء العالم يرغبون في التمكّن من شرح أمور إلى أساتذتهم. لا بد وأن تولّد هذه الرغبة نوعاً من الإثارة المنحرفة. إن كنت في مزرعة قطن في تكساس أو في متجر صغير في الهواء الطلق في أفريقيا يبيع قمصان تي شيرت، كان الناس يريدونني أن أفهم موقعهم في الاقتصاد العالمي، أرادوا أن يشرحوا لي كيف يعمل عالمهم المصغر في مجال العولمة، أرادوا أن أفهم مدى التعقيد، مدى الصعوبة، ولكن أيضاً مدى الإثارة في مواجهتهم للتحديات كل يوم.
خلال رحلاتي حول العالم لأجري مقابلات للكتاب، سمعت الكثير من وجهات النظر والآراء المتضاربة حول الإعانات المالية المقدمة لمزارعي القطن وحول السياسة التجارية، حول الصين وحول فقد الوظائف، لكني لم أقابل أي أشرار. لا يوجد أناس سيئون في قصة حياة قميص التي شيرت خاصتي. كان الجميع، كل مؤسسة أعمال، كل صاحب مشروع تجاري، كل رجل سياسي من بين المشاركين في حياة قميص التي شيرت يحاولون شق طريقهم في سوق تنافسية، سوق كثيراً ما تتغير تحت أقدامهم.
ألّفت هذا الكتاب خلال أوقات صاخبة ومأساوية في أحيان كثيرة، عبر أحداث 9/11 وحربي أفغانستان والعراق، عبر قنابل الإرهابيين في أوروبا، وعبر انتخابات عامة شاهدت خلافات مريرة في أميركا. ولكن خلال رحلاتي، من مزرعة قطن في تكساس إلى مصنع صيني، من بيروقراطيين في واشنطن إلى بائع ملابس مستعملة من الجيل الثالث ينتمي إلى عائلة يهودية مهاجرة، إلى مستوردين مسلمين في أفريقيا الشرقية، بقيت أتعجب كيف يستطيع كل فرد من حسن تدبير أموره الحياتية. فبينما كانت القنابل تتساقط، ظل هؤلاء المسلمون، اليهود، السود، والبيض أصدقاء بسبب قميص التي شيرت خاصتي. لقد ربطهم سوية الغزل، والقماش، واللباس، لقد ربطتهم سوية التجارة العالمية. لم يكن لديهم خيار غير الاستمرار في التحدث مع بعضهم البعض. يتدبر صغار التجار شؤونهم بطريقة حسنة، بينما الكبار كانوا يتفاءلون فيما بينهم. مهما كانت المناقشات حول التجارة، فقد اصبح من الواضح لي بعد قيامي بهذه الرحلات ان التجارة هي بكل وضوح أداة للسلام والتفاهم. اشعر باني محظوظة لان كل فرد كتبت عنه أصبح الآن صديقي وآمل أن يحب القراء كل أصحاب الأدوار في قصة حياة قميص التي شيرت خاصتي بقدر ما أحبهم.
لقد درّست في كلية إدارة الأعمال لفترة طويلة، وهكذا، أعرف كم من السهل إثارة ضجر الناس بالتحدث عن العجز التجاري، أو المنافسة، أو البطالة. ولكن كل فرد يحب الاستماع إلى قصة جيدة. يتجنب بعض مدرّسي موضوع إدارة الأعمال سرد القصص خلال تعليمهم أو في أبحاثهم بسبب قلقهم من أن تنتقص هذه القصص من مصداقيتهم أو أهميتهم الفكرية. ولكن طالما نقوم بأفضل ما نستطيع في حكاية القصة بكاملها، وليس مجرد نوادر مختارة لإثبات رأينا، فإن القصص يمكنها تحقيق الكثير في مساعدتنا لفهم التعقيدات التجارية والأعمال الدولية. آمل بان تكون قصة قميص التي شيرت خاصتي قد حققت ذلك.
وبصفتي مؤلفة كتاب للمرة الأولى، واجهت لحظات مثيرة برزت خلالها بضع حالات من "قرص نفسي للتأكد من حقيقة ما يحدث" منذ صدور الكتاب. كانت الحالة الأولى عندما علمت أن مجلة "تايم" سوف تراجع الكتاب، وحدثت الحالة الثانية عندما التقطت سماعة الهاتف لأجد مراسل الأخبار التجارية الدولية في محطة الإذاعة، بابليك ناشيونال راديو، أدم دافيدسون، على الخط. أخبرني أنه أحب الكتاب ويريد إجراء سلسلة من المقابلات حوله تذاع من محطة الإذاعة العامة ناشيونال بابليك راديو. ثم منحني ارفع إطراء لأستاذ جامعي عندما قال ان الكتاب غيّر الطريقة التي كان يفكر فيها حول العولمة وحتى لكيفية إعداده التقارير المتعلقة بالتجارة الدولية في المستقبل.
أُذيعت سلسلة المقابلات من محطة الإذاعة المذكورة بصورة متتابعة على امتداد شهر أو قريباً من ذلك، كنّا، آدم وأنا، نكرر زيارة العديد من الأماكن التي كتبت عنها: مزارع القطن في تكساس والمصانع الصينية. في المقابلات الإذاعية لم يكن لدينا أكثر من 24 دقيقة لنلخص محتوى كتاب استغرق إعداده 5 سنوات والتحدث عن رحلات غطت الآلاف من الأميال، مجرد 24 دقيقة لسرد سيرة حياة هذا الشيء البسيط والكثير التعقيد. وبينما كنت استمع إلى الأصوات الخلفية التي سجلها لترافق إذاعة هذه المقابلات: ضجيج الجرارات، أصوات آلات الخياطة، أصوات محالج القطن والسكوت المخيف لمصنع قمصان تي شيرت مغلق بالأقفال الخارجية في ولاية الأباما، أدركت بأني لم أفكر أبداً بالأصوات التي تولدها العولمة. فإذا أغلقت عينيك وأصغيت فيمكنك أن تسمع كل هذه الأشياء تشتغل.