America.gov Archive
لن تظهر بعد الآن أي مواد جديدة على موقع أميركا دوت غوف الإلكتروني
والمعلومات المتعلقة بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة ومصالحها القومية أصبحت متوفرة من خلال المواقع الإلكترونية التابعة لسفارات الولايات المتحدة وقنصلياتها في الخارج، أو على الموقع التالي: www.state.gov.
View Other Languages

We’ve gone social!

Follow us on our facebook pages and join the conversation.

From the birth of nations to global sports events... Join our discussion of news and world events!
Democracy Is…the freedom to express yourself. Democracy Is…Your Voice, Your World.
The climate is changing. Join the conversation and discuss courses of action.
Connect the world through CO.NX virtual spaces and let your voice make a difference!
Promoviendo el emprendedurismo y la innovación en Latinoamérica.
Информация о жизни в Америке и событиях в мире. Поделитесь своим мнением!
تمام آنچه می خواهید درباره آمریکا بدانید زندگی در آمریکا، شیوه زندگی آمریکایی و نگاهی از منظر آمریکایی به جهان و ...
أمريكاني: مواضيع لإثارة أهتمامكم حول الثقافة و البيئة و المجتمع المدني و ريادة الأعمال بـ"نكهة أمريكانية

03 أيار/مايو 2008

محادثة حول العولمة

 
كلود بارفيلد، وجيمس غلاسمان، وموسى نعيم
كلود بارفيلد، وجيمس غلاسمان، وموسى نعيم

جمعنا ثلاثة خبراء لمناقشة موضوع العولمة والاستياء الذي تولده.

أدار جلسة تبادل الأفكار، جيمس غلاسمان، الباحث المقيم في معهد أميركان إنتربرايز، رئيس تحرير سابق، ناشر، ومُعلّق في صحيفة واشنطن بوست، والمضيف حالياً لموقع الإنترنت TCSDaily.com، الذي يركز على الصلة بين التكنولوجيا العالية والسياسة العامة.

موسى نعيم، رئيس التحرير الحالي لمجلة "السياسة الخارجية" (فورين بوليسي)، وعالم اقتصادي فنزويلي عمل كمسؤول في البنك الدولي، وشغل منصب وزير التجارة والصناعة في فنزويلا في التسعينات من القرن الماضي. كتابه الذي نشر مؤخراً، محرّمات: كيف يختطف المهربون، والمتاجرون بالممنوعات، والمزيفون الاقتصاد العالمي."

كلود بارفيلد خبير في التجارة، ومستشار سابق للممثل التجاري الأميركي، وباحث مُقيم  في معهد أميركان إنتربرايز. الّف كتاب، "التجارة الحرة، والسيادة، والديمقراطية: مستقبل منظمة التجارة العالمية". ويؤلف حالياً كتاباً حول الصين.

في حين يرى كثيرون في العولمة تطوراً حديثاً، يُبيّن خبراؤنا أنها ظاهرة كانت مستمرة منذ وقت طويل، وبأشكال متنوعة، وحتى منذ أن بدأ الناس في أي بلد بالمتاجرة مع الناس في بلد آخر. في الواقع، اعتُبرت الفترة الممتدة من سبعينات القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، والتي كانت فترة من التغيير الهائل في وسائل النقل والاتصالات، على أنها العصر الذهبي للعولمة. يتطرق النقاش الواسع النطاق التالي إلى التغييرات الأخيرة في الصين وأوروبا الشرقية، وإلى مستقبل الدولة القومية، وعمليات التزييف، وأشكال أخرى من التجارة غير المشروعة، وكيف تؤثر العولمة على العالم النامي، وصلتها بإعادة انبعاث الإيمان الديني، وتأثير العولمة على كل من الديمقراطية والديكتاتورية.

غلاسمان: دعونا نبدأ بسؤال أساسي. ما هي العولمة؟

بارفيلد: حسناً، لكل مرء تعريف مختلف لها، على ما أظن، لكن بالعبارات التي أرتاح إليها، أعتقد بأنها تعني تأثير التغييرات التكنولوجية على البلدان الإفرادية، والمجتمعات الإفرادية، بمرور الزمن. وأعتقد أيضاً أن العولمة تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا. لم يكن من الممكن للعولمة الأكثر ترابطاً، كالتي نشهدها اليوم، أن تتطور دون التقدم الباهر الذي تحقق على امتداد عدة عقود ماضية في تحسين كفاية أنظمة النقل (التصنيع وتسليم الإنتاج في الوقت المُعيّن)، والتي استندت إلى ثورة الاتصالات التي أتاحت التراسل الفوري مع الأفراد والمنظمات حول العالم.

غلاسمان: هل هذه ظاهرة جديدة؟

بارفيلد: كلا، أعتقد أن بإمكانك أن تُعيد ظاهرتها إلى العصر الإغريقي. ففي أي وقت تنشأ فيه تجارة بين دول أو مجتمعات مختلفة، تبدأ عند ذاك العولمة، لأن ما يحدث عندئذٍ هو تبادل الأفكار، والتحركات، والمعاملات، أي المعاملات التجارية، بين الشعوب المختلفة. هذه هي البداية، إذا جاز التعبير، للعولمة. أي حين لا تعود مُقيماً في مجتمع إنساني مُنعزل دون أي اتصال مع غيره.

غلاسمان: إذاً، أنت تُعرّف العولمة استناداً إلى التجارة؟

بارفيلد: حسناً، اني أحاول (أن أعرّفها) بالاستناد إلى سياقاتها المجتمعية كما التجارية. الفترتان الزمنيتان الأكثر حداثة اللتان ينظر إليهما الناس، هما فترة أواخر القرن التاسع عشر وفترة أوائل القرن العشرين، أي من حوالي السبعينات في القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى، حين حصلت تغييرات في الأساليب القائمة لأنظمة النقل والاتصالات، فبدأ ينحبك لدينا نسيج وثيق جداً جداً، لما قد نسميه العالم المتطور، والذي كان في الواقع أشد إحكاماً مما هو عليه العالم المتطور اليوم. ويعتبر البعض تلك الفترة على أنها، إذا جاز التعبير، عصراً ذهبياً للعولمة. ولاحقاً، يمكننا أن نعود لنبدأ بمتابعة عودة هذه الظاهرة تدريجياً بعد عام 1945، ومن ثم نشهد قوتها المتجمّعة في السبعينات، والثمانينات، والتسعينات من القرن الماضي حين بدأ في الواقع ذلك التفجّر الهائل في التكنولوجيات الجديدة المستندة إلى الاتصالات الفورية والسفر العظيم السرعة.

أعتقد أن السياسة العامة تستطيع بالتأكيد أن تؤثر في العولمة. إذا نظر المرء إلى السياسات المُتبعة بعد عام 1920-1921 في الولايات المتحدة، ومن ثم بعد أن بدأت فترة الركود الاقتصادي الكبير في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي في أوروبا والولايات المتحدة، كما في تلك الدول، كالأرجنتين. والتي كانت قد حققت بالفعل تقدماً جيداً خلال ذلك الفاصل الزمني، فإنه يجد أن كافة هذه البلدان كانت تتبع سياسات قد نسميها سياسات ما يسمى "بالاكتفاء الذاتي" (تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي أو الاستقلال الاقتصادي). فقد انكفأت تلك الدول على ذاتها حينذاك، فانقطعت التجارة وانقطع الاستثمار.

غلاسمان: فيما يخص دول "الاكتفاء الذاتي" هذه، هل لا زال هناك عدد هام منها؟

بارفيلد: يمكنك أن تأخذ كوريا الشمالية كمثال واضح عن ذلك اليوم، ولكن حتى هذا المثال بدأ ينهار. وكذلك أعتقد أنه كانت لدينا أيضاً أنظمة الاكتفاء الذاتي التي أقامها الاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية، والتي اتبعت سياسات داخلية لا تجد فيها بالواقع الكثير من النشاطات التجارية.

غلاسمان: يقول بعض الناس أن العولمة فكرة أميركية وأن باقي دول العالم تتبنى بذلك مفهوماً أميركياً. هل هذا القول دقيق؟

بارفيلد: فقط إلى المدى الذي أعتقد فيه أن الولايات المتحدة، نظراً لموقعها خلال القرن العشرين، كانت دائماً تقف عند الحد القاطع المتقدم للتكنولوجيا. وكان هذا صحيحاً حتى خلال فترة الركود الاقتصادي الكبير.

غلاسمان: ما هي فوائد العولمة؟

بارفيلد: أعتقد أن الفوائد الرئيسية هي القدرة على استهلاك سلع أفضل ومنتجات أفضل بأسعار أقل، وبالتالي تأمين حياة من نوعية أفضل. تبدأ الفوائد في الاقتصاد ولكنها لا تنتهي عندها لان للناس غايات أخرى في حياتهم بالإضافة إلى مجرد الأهداف الاقتصادية. واني أعتقد أن العولمة وسيلة تمكنهم من بلوغ الغايات البعيدة الأخرى الشخصية، والقومية، والاجتماعية.

غلاسمان: موسى، تحدثت في كتابك الجديد "المحظور: كيف يخطف المهربون، المتاجرون بالممنوعات، والمقلدون الاقتصاد العالمي" حول العولمة ليس فقط على أساس تكنولوجي بل وسياسي أيضاً. تقول، "أحد التغييرات الرئيسية الذي تُعيد إلى الذاكرة الموجة الأكثر حداثة من العولمة هي الثورة في السياسة، والتي كان لها نفس العمق والقدرة التغييرية القائمة في التكنولوجيا". أخبرنا، هل أن هذه الثورة في السياسة حدثت بسبب الثورة في التكنولوجيا أو الثورة في أنظمة الاتصالات؟ كيف حدث ذلك؟

نعيم: لا أظن أننا نعرف كيف حدث ذلك. كل ما نعرفه هو أن الثورتين حصلتا في نفس الوقت وهناك مبرر جيد ومتين للقول إنه كلما ازدادت كمية المعلومات التي يمتلكها الناس كلما تعززت حريتهم في التعلّم كيف يعيش الآخرون. أنشأ ذلك حوافز قوية لهم أيضاً للجهاد والكفاح من أجل الحرية. إذاً هناك صلة بين التكنولوجيات الجديدة في أنظمة الاتصالات والنقل وبين الثورات السياسية التي حدثت في التسعينات من القرن العشرين، والتي فتحت الحدود وأنشأت موجة مُحفزة لنشر الديمقراطية. سوف يكون من الصعب جداً تحديد ماهية السببية ولكن ذلك لا يهم، فما نعرفه هو أن هذين الأمرين تلاقيا في نقطة واحدة، وأعتقد أن هذا مهم جداً.

أحد الأشياء التي أحاول أن أحققها في الكتاب هو فصل الربط الذهني الكثير الشيوع بين العولمة والتجارة، أو بين العولمة والاستثمار، أو بين العولمة والاقتصاد. أعتقد أنه من المهم جداً أن نفهم بأن العالم متصل عبر طرق تتجاوز الاقتصادات وتتجاوز التجارة. وكما تعرف، فان حدث 9/11 يُشكّل نموذجاً عن العولمة. كان الاضطراب السياسي في الجانب الآخر من العالم هو الدافع إلى الهجوم على مركز التجارة العالمي. اعتمد الإرهابيون على أدوات وتكنولوجيات العولمة كما استغلوا أيضاً الفرص التي أوجدتها الحدود الأكثر انفتاحاً بسبب التغيرات السياسية.

بارفيلد: أوافق على ذلك. ولكني لست متأكداً ما هي أبعاد الثورة السياسية. ولكن لدي ملاحظة تحذيرية. إنها لغز يتوجب علينا أن نجد حلاً له في السنوات القادمة ولا يتوجب علينا فحسب، بل على كل الدول. بوجود العولمة تستطيع التكنولوجيا ان تدخل عبر الحدود، والحكومات لا تملك نفس السيطرة على سكانها بقدر ما كانت تملكه في السابق، إلاّ أن مفهوم الدولة القومية لا يزال يُشكّل نقطة الارتكاز الوحيدة للمشروعية الديمقراطية. لا توجد ديمقراطية تعلو على مفهوم الدولة القومية. من الممكن الحصول على ديمقراطية أخرى عند نقطة معينة، ولكن عليك ان تعمل على الأمر من خلال مقاربة ما هو ممكن و/أو ما هو مشروع لتقوم به الدولة، وما عليها ان تتخلى عنه. ونحن نتناقش حول ذلك. أعني حول موقف الإدارة الأميركية بالنسبة للمحكمة الجزائية الدولية أو ماهية السلطات التي ينبغي منحها إلى منظمة الأمم المتحدة، وحتى إلى منظمة التجارة العالمية.

غلاسمان: قال العديد من الناس إنه بقيام تكنولوجيا العولمة سوف تذوي وتتلاشى الدولة القومية. الآن، قد يكون مبكراً بعض الشيء رؤية أنها تتلاشى، ولكن هل تعتقد أن هذا هو ما سوف يحدث؟

نعيم: كلا. وأوافق على أن الدولة القومية عنصر تنظيمي مركزي وجوهري للنظام الدولي. هناك نقاشات كثيرة حول ما إذا كانت الدولة القومية تتلاشى، وأظن بصراحة، أنها مناقشات سخيفة. أعتقد أن الدول القومية سوف تبقى معنا لمدة طويلة. فالذي يحصل هو أن الدولة القومية تتغير بسبب العولمة، وتتحول بفعل السياسات الليبرالية المتأصلة في الكتنولوجيات الجديدة. كما أن التقييدات المفروضة على الدول القومية أصبحت أشد صرامة وأضيق مما كانت عليه في الماضي. إذا تحدثت مع أي رئيس دولة اليوم، حتى الذين يمارسون حكماً دكتاتورياً، سوف يخبرونك بأن عددهم محدود جداً أو محدود أكثر مما كان في الماضي.

غلاسمان: إذاً ما هي أنواع التقييدات؟ هل تتعلق بإتاحة فرصة أكبر للسكان للاتصال بالعالم الخارجي أو انها تتعلق أيضاً بتدفق الرساميل إلى البلدان؟

نعيم: تتعلق كل هذه الأمور مجتمعة. يجب على الحكام الدكتاتوريين ان يتعاملوا مع أسواق السندات والأنظمة المالية الدولية حيث أنها تُقيّد خياراتهم الاقتصادية. عليهم كافة أشكال التقييدات كما لديهم الكثير من الإمكانيات التجارية، ولكن تواجههم أيضاً المعايير الدولية. لا يمكنهم ممارسة التعذيب بنفس الحرية وبشكل علني كما كانوا يفعلون في السابق. لا زال يحصل هذا الأمر ويستمر في الحصول ولكن أصبح لدينا الآن تغيير مثير للاهتمام نتيجة العولمة والتغييرات التي حصلت في التسعينات من القرن الماضي يتمثل في عدم استطاعة الحكام الدكتاتوريين النوم بسهولة خلال الليل كما في السابق. لم يعد الحكام الدكتاتوريون ينتقلون دوماً بسهولة من القصر الجمهوري إلى منازل وفلل في الريفيرا. فقد ينتهي الأمر بهم إلى المحاكمة كما حدث لميلوسوفيتش.

غلاسمان: أود أن أتحدث عن الجانب السيئ للعولمة بما أن كلود تحدث سابقاً عن الجانب الجيد منها، أي تعزيز النمو الاقتصادي والانفتاح الأوسع على الأفكار الجديدة، وربما، كما تقول، تطبيق قدر أكبر من الديمقراطية وسيطرة أقل على أيدي الحكام الدكتاتوريين. تتحدث في كتابك بالفعل عن حالة عجز واحدة من حالات العجز التي يشكو منها نظام العولمة، تقول إنك مقتنع بوجود متزايد باستمرار السرقة أو الانتحال للأفكار والأشياء. تبدأ بسرد طرفة هائلة حول كيف تمت سرقة نصوص كتاب السيرة الذاتية لبيل كلينتون في الصين، وأعيدت صياغتها إلى حد مُعيّن. هل هذا أمر يجب أن يثير قلقنا بالفعل؟ هل يُشكّل استنزافاً لموارد دول تكرس جهودها لتطبيق قوانين تحمي الملكية الفكرية؟

نعيم: إنه سؤال عظيم. عندما يفكر المرء بالبلدان، وبما يحدث من تفجّر في التجارة الدولية بالأشياء المزيفة، الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن تتعلق بشراء تلك الأحذية الرياضية الخفيفة الباهظة الثمن مقابل دفع جزء ضئيل من ثمنها إذا كانت مزيفة، أو شراء حقائب اليد الأنيقة للسيدات، أو التسجيلات الفيدوية للأفلام السينمائية والمؤلفات الموسيقية التي تُستنسخ باستمرار، وتستعمل بدون دفع أي ثمن مقابل لها. هنا يبرز السؤال، بمن تضر، في النتيجة، هذه الأعمال؟

لكن المرء يميل إلى نسيان أمور عدة. أولاً، هل أن الأعمال التجارية غير المشروعة مرتبطة ببعضها البعض، وأنه في أحيان كثيرة جداً يكون الذي يبيعك الحقيبة النسائية الأنيقة، أي البائع الجوال، هو نفسه غير مشروع بقدر عدم مشروعية حقيبة اليد التي يبيعك إياها؟ ربما جرى تهريب هذا الشخص من بلد آخر لاستخدامه واستغلاله من قبل شبكات تمارس تهريب الناس لغرض بيع هذه السلع المزيفة. فهو يماثل عمل الخادم المتعاقد الذي يحاول تسديد المبلغ الذي يدين به إلى المهربين.

في أحيان كثيرة لا يكون هؤلاء العمال متطوعين يسعدهم القيام بمثل هذه الأعمال. في أحيان كثيرة، كما هو الحال في الاتجار بالنساء على النطاق الدولي، يتم إغراؤهن بفرصة العمل، إقناعهن بفكرة أنهن ينقلن من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية للعمل كخادمات في المنازل ومن ثم يجبرن على ممارسة البغاء ويتم استغلالهن. وهذا عنصر هائل من تلك التجارة.

في العودة إلى قضية المزورين. يمكننا التندّر حول كيف يمكن للمرء شراء ساعة يساوي سعرها 5 آلاف دولار بمبلغ عشرين دولارا في شوارع مانهاتن، وهو أمر غير مؤذٍ، ولكن هناك أشياء أخرى مزيفة في غاية الخطورة. تباع قطع غيار مزيفة للطائرات تكون معابة وتسبب حوادث تحطم طائرات. توجد أدوية مزيفة تقتل بدلاً من أن تشفي. وهناك كافة أشكال الأبعاد التي ترتبط بهذه النشاطات التجارية التي لا يمكن تحمل نتائجها بنفس سهولة تحمّل نتائج شراء ساعات وحقائب يد مزيفة.

غلاسمان: كلود، دعنا نتحدث عن بعض الانطباعات الذهنية الأكثر شعبية للعولمة. لقد حضرت للتو اجتماع منظمة التجارة الدولية في هونغ كونغ. كان هناك بعض مزارعي الأرز من كوريا الجنوبية الذين جذبوا الكثير من الاهتمام نتيجة المظاهرات التي قاموا بها. تمحورت شكواهم حول أنه في حال فتحت كوريا الجنوبية أسواقها أمام التجارة بالأرز، فسوف يجدون أنفسهم بدون عمل. يقولون بأنهم لا يستطيعون عمل أي شيء باستثناء زراعة الأرز، ولا يصلحون لعمل أي شيء آخر. إنهم ناس يتقدمون في العمر، والأرز قليل الثمن على أية حال. لذلك هل أن مأزق زراعة الأرز يُشكّل جزءاً من التأثير السلبي للعولمة أم انه سوف يكون إيجابيا فعلاً في نهاية المطاف؟

بارفيلد: أظن أن كل البلدان مُقصّرة في التعامل مع الجوانب السلبية لفتح أسواقها أمام التجارة أو الاستثمارات، وذلك بصورة أساسية بسبب كون السياسات التي تتبعها ليست صحيحة بالكامل. استمر المزارعون في كوريا الجنوبية في زراعة الأرز طوال أجيال عديدة ولم يتقدم أي كان، إلا من خلال الاستنزاف الذي يحصل واقعياً في كوريا، لمحاولة تسهيل هذا التغيير، أي هذه العملية الانتقالية. أظن ان كل البلدان مقصرة. لا نملك فعلاً أداة تمكننا من إجراء هذا التعديل ولكن هناك بالتأكيد واجب أخلاقي أو اجتماعي على الدولة المشاركة في هذا العمل أكانت كوريا أو الولايات المتحدة أو بريطانيا أو الدول الأوروبية، في أن تتدخل للمساعدة. ومن المحتمل أن يُشكّل ذلك وضعاً مؤلماً جداً.

مع ذلك، هناك جانب آخر لهذا الوضع. عند النظر إلى الحركة المناهضة للعولمة، يبرز قدر فيها كبير من الرومانسية بأن علينا أن نبتعد عن تلك القبائل في الجزء الأعلى من مجرى الامازون أو المزارعين الفقراء في جنوب المكسيك، بأن شيئاً مريعاً يحصل لهم لأن المكسيك فتحت أسواقها أمام التجارة الحرة. حسناً، فكر بالحياة التي يعيشها هؤلاء الناس. أنت تعرف بأننا نفكر بالأيام القديمة الجيدة، أي الحياة الزراعية العظيمة التي سادت في القرن التاسع عشر. لكن حتى في مزارعنا الأميركية في الغرب الأوسط والجنوب، كانت تلك أياماً طويلة جداً، فلم يكن الناس متعلمين وكانت حياتهم كادحة وشاقة. لذلك فالمسألة تتعلق بالفترة الانتقالية، والمستندة إلى السياسة العامة، التي أعتقد أنها مهمة. لكن كما ذكره المتحدث الآخر، لن نتمكن من إيقاف ذلك. فالمسألة هي كيف ستجعل فترة التكيّف مقبولة اجتماعياً، أو أخلاقياً؟

غلاسمان: هل تظن أن هناك طريقة لجعل هذا التكيّف مقبولاً، كما يقول بعض الناس، أي اتباع خطوة مختلفة لإزالة الحواجز التجارية أمام الدول النامية بالمقارنة مع الدول المتطورة؟

بارفيلد: قالت الولايات المتحدة وقال الأوروبيون والدول المتطورة، إننا نحتاج إلى عقد أو عقد ونصف لإزالة الحواجز أمام تجارة الأقمشة والملابس التي تُشكّل القطاعات التي تحظى بحماية قصوى في العديد من الاقتصادات. ولذلك قلنا في أوائل التسعينات من القرن الماضي اتركوا لنا هذا العقد. تقول الدول النامية بصورة مماثلة، حسناً، اتركوا لنا هذا العقد أو العقد والنصف الإضافي. لكن المشكلة التي نواجهها هي أن لا أحد يقوم بأي شيء في هذا النطاق.

لذلك، ليس لدي أية مشكلة تتعلق بإعطاء وقت أطول، ولكن يجب أن يكون وقتاً محدداً مثبتاً بمتانة قدر الإمكان. وعلينا أيضاً أن نحتفظ في أذهاننا بما تتحدث عنه كثيراً الدول النامية عندما تتحدث عن ما يسمى المعاملة الخاصة أو المميزة، أي أن تسمح هذه الدول لنفسها بأن تعاني لمدة أطول من الكوارث التي تلحقها بها احتكاراتها المحلية وصناعاتها غير الكفؤة. لذلك أنت لا تقدّم لها بالواقع خدمة كبيرة.

غلاسمان: بالإضافة إلى التجارة غير المشروعة في السلع المزيفة هل للعولمة جانب سيئ؟

نعيم: للعولمة نتائج سلبية، وقد بدأنا نشاهد بعضها فعلاً. هناك شعور عام بالانزعاج فيها لدى السكان. إننا نعرف أن قدراً كبيراً من مقاومتهم يعود إلى شعورهم بأن شيئاً كبيراً يحصل، أي تغييرات تؤثر بعمق كبير جداً على طريقة حياتهم، بحيث قد تتمكن أو لا تتمكن بعض الشركات من البقاء. تجري حالياً عملية إعادة تعريف لقطاعات بكاملها. سمعنا في هذا البلد، الولايات المتحدة، في السنة الماضية نقاشاً حاداً للغاية حول استدراج الأعمال من الخارج، حول استخدام الموظفين في آسيا، في الهند، للقيام بالعمل الذي كان من المعتاد القيام به هنا. يمكنك اكتشاف الكثير من القلق الذي يتجاوز مسألة فقد فرص العمل. إذا قست الخسارة لفرص العمل بسبب تحويل الوظائف إلى الخارج تجد أنها صغيرة جداً. لكن النقاش يجعلنا نعتقد أن الخسارة ستكون لمئات الآلاف من الموظفين الأميركيين الذين سوف يفقدون وظائفهم، وهذه ليست هي المسألة.

فهكذا هناك هاجس عام حول العولمة نظراً لوجود شعور بأن هناك تغييرات تجري تؤثر علينا جميعاً لكننا نجهل كيف ستؤول إليه الأمور في النهاية بالنسبة لعائلاتنا، ولأنفسنا، ولشركائنا، ولمجتمعاتنا، وهل سنتضرر أم لا.

غلاسمان: كان لدي دائماً الشعور بان العولمة نموذج لشيء تكون فيه الفوائد واسعة الانتشار، ان تكاليف تطبيقها محدودة جداً وأنها ستؤذي صناعات معينة، مثل صناعة الأحذية في أميركا أو صناعة الأرز في كوريا، وأن أصحاب هذه الصناعات سوف يصيحون ويصرخون، ولكننا نتحدث الآن عن شيء أكبر، نتحدث عن قلق واسع الانتشار أكثر. فهل لذلك القلق أساس بالفعل؟

نعيم: أفضل مثال هو النموذج الذي أعطيته بنفسك حول مزارعي الأرز في كوريا الجنوبية، لأنني أتساءل أين كان موقع مستهلكي الأرز في تلك الاجتماعات؟ بالطبع هناك جيل كامل من مزارعي الأرز في كوريا الجنوبية سوف يعاني من التعديلات التي سوف يتم إدخالها إلى قوانين التجارة بالأرز. ولكن بالمقابل سوف يستفيد عدد أكبر من الناس من الانفتاح التجاري ومن إلغاء الإعانات المالية، أي الإعانات المالية التي تشوه التجارة بالأرز. يوجد مستهلكون غير ممثلين هناك لان كل واحد منهم سوف يستفيد بطريقة صغيرة، بطريقة ضئيلة للغاية في أحيان كثيرة، بينما سوف يتأذى المزارعون الكوريون فوراً بطريقة يمكن قياسها بشكل واضح. لذلك يصبح حشدهم وتنظيم تحركهم أسهل بكثير.

الجواب على النقطة التي أثرتها هو نعم هذا هو ما يحصل، ولكن هناك أمرا أبعد من ذلك. وأعتقد أننا لا زلنا نُكيّف عقولنا للتعامل مع عالم جديد حيث كانت الأيديولوجيات التقليدية من الماضي، أي الاشتراكية أو الشيوعية وفق نمط الاتحاد السوفياتي، كما تعلم، توفّر لأعداد كبيرة من الناس مرتكزات يعتمدون عليها حول طريقة التفكير بالعالم وكيفية تفسير التغييرات؛ عالم كانت توجد فيه قوتان عظيمتان توازن إحداهما الأخرى. اما الآن فلا توجد سوى قوة عظمى واحدة وتصلنا في كل يوم أخبار التغييرات التي لا نعرف كيف نُفسرها، ابتداءً من الاستنساخ للمخلوقات مروراً بالشؤون التي تأتي بها شبكة الإنترنت والمتاجرة بالممنوعات، والحرب في العراق، وانتهاءً بالإرهابيين الانتحاريين الدوليين الراغبين في أن يَقتلوا ويُقتلوا.

بارفيلد: لكن هذا لأمر ببساطة غير صحيح في المجتمعات المغلقة؛ ولكنه صحيح في الولايات المتحدة. نحن مجتمع كان بصورة تقليدية مجتمعاً متحركاً يقبل أفكاراً جديدة ويملك قدرة أعظم على القيام بذلك دون قلق بدرجة أكبر من القلق الذي يصيب مجتمعات أخرى. ولكن أعتقد أن النظر إلى أبعد من الاقتصادات يولد إحساساً أعظم الآن بأن هناك عددا كبيرا من القوى الخارجة عن نطاق سيطرتنا. أعني بذلك الأفراد ولا أعني الحكومات وقد تتولد هذه القوى من أي شيء ابتداءً من التكنولوجيا البيولوجية وانتهاءً بالتأثير الاستثنائي لثورة المعلومات.

أعتقد أن الشباب يقبلون الكثير من هذه الأفكار، ويفهمون كيف يتعاملون مع هواتفهم الخليوية ومع كافة أجهزة الكمبيوتر وغيرها، ولكنهم أكثر إدراكاً لحقيقة هذه الأمور وأهميتها، حتى لهم، ولو كانت هذه التكنولوجيا بالواقع تثير البلبلة في العقول.

غلاسمان: لكن هناك أمورا تخرج عن سيطرة الناس أكثر مما كانت في السابق، أو هل أننا أصبحنا نعرف حول ما يدور في العالم أكثر مما كنا نعرفه قبلاً؟ بكلمات أخرى، اني أثير مجدداً دور أنظمة الاتصالات التي قد تكون لها تأثيرات مفيدة إجمالية ولكنها في نفس الوقت تستطيع ان تولد الكثير من القلق. فعلى سبيل المثال، لاحظنا ازدياد عدد الكوارث الطبيعية، ولكن يعتقد بالفعل علماء كثيرون أن عددها ليس على ازدياد، بل أن الأمر هو أننا أصبحنا نعرف الآن ما يجري حولنا.

بارفيلد: أفكر بهذا الائتلاف. الناس يتحدثون عن هذه الأمور، أي أنك تسمع تلك القصص من أوائل منتصف القرن التاسع عشر عندما شاهد الناس للمرة الأولى قطاراً سائراً فأدخل ذلك الرعب في قلوبهم. أو عندما حصلت على أول جهاز راديو تجتاز من خلاله حدود وطنك أو مدينتك في الولايات المتحدة. لكني أظن، أن الأمر يعود إلى نطاق التغيير الذي يأتينا من كل الاتجاهات في نفس الوقت، ومن كافة حقول المعرفة، أي من التكنولوجيا والعلوم كذلك.

غلاسمان: موسى، هل توجد صلة بين العولمة وبروز الإيمان الديني، التي يطلق البعض عليها اسم الأصولية الدينية، والتي نلاحظها ليس فقط في العالم الإسلامي بل في الديانات الأخرى؟

نعيم: نرى هذا في الولايات المتحدة. لا شك في ذلك. تكون النتائج التحرك نحو الزيادة في التدين والزيادة في الممارسات الرسمية للشعائر الدينية، وحتى إلى وجود أكبر للتفسيرات الأصولية للدين في الحياة اليومية، وحتى في السياسة. أعتقد أن وراء سؤالك هناك فرضية قوية بأنه مع تغيّر العالم، إما بسبب العولمة أو ثورة المعلومات، كما بسبب كافة التغييرات التي تحدثتما عنها التي تمسنا جميعاً، أصبح الناس يبحثون عن مرتكزات يستندون إليها.

والذي يحصل هو الهبوط في إمكانيات التكهن. كان لدى الناس في السابق شعور أن مسيرة حياتهم سوف تكون تقريباً كما سارت حياة جيرانهم وعائلاتهم. اما الشعور الآن هو أن من الممكن أن تحصل لديك الكثير من الأمور في حياتك، أي الكثير من الأمور الرائعة كما يمكن أن تحصل أيضاً بعض الأشياء الرهيبة جداً تجعل حياتك وحياة أفراد عائلتك تختلف عن حياة جيرانك، أو عائلتك، أو أشقائك، أو شقيقاتك.

ولذلك بوجود هذا الشعور بالشك، بالقلق حول أين تتجه إليها الأمور، يحتاج الناس إلى شيء يتمسكون به، واعتقد أن هناك فرصة قوية جداً لتحقيق ذلك من خلال الدين. هذا ما يحصل في بعض البلدان. وفي بلدان أخرى، حل الدين محل الأمل بالازدهار كأسلوب فكري. في الكثير من دول الشرق الأوسط، كما تعلم، الأداء الاقتصادي تعيس، وحتى في البلدان الثرية. وإذا جمعت ذلك مع الأوضاع الديموغرافية حيث لا يملك العديد من الشباب وصغار السن بالأساس أي أمل، أي أمل بسياسات أفضل، أو بالمشاركة في الحياة العامة والحياة السياسة في البلاد، أو أي أمل لتحقيق الرخاء لهم بالفعل والحصول على سلع مادية أكثر، يصبح الدين خيار مثير جداً للاهتمام. وفي أحيان كثيرة يُشكّل الخيار الوحيد، أي لتكريس الفرد لحياته إلى قضية، إلى فكرة، إلى أمل أو إلى عاطفة، إلى الإيمان الديني العميق.

بارفيلد: لكنني أعتقد أن الشيء المثير بالفعل وجوب أن يكون الشرق الأوسط في المقدمة وفي المركز. أعني، فكر بمجرد ما يحدث فيه. تحدثنا عن حياة الناس التي تُقلع من جذورها ويتم تغييرها. فكر بشخص شاب، لنقل عاش في الستينات، أو السبعينات، أو الثمانينات من القرن الماضي في الصين، فكّر ماذا كان يقول. ثم فكر في هذا الجيل الذي ينطلق الآن. لنقل جيل المراهقين في الصين اليوم. كان لدينا عدد من الشباب في معهدي، شباب صينيون كانوا مقتنعين بأنه سوف يقوم شكل من أشكال الديمقراطية لديهم. إنهم نماذج عملية عن حملة شهادة الماجستير في إدارة الأعمال، إنهم ليسوا من الحالمين، مع ذلك سوف يكون هذا التحول صعباً جداً.

غلاسمان: دعني أطرح ذلك السؤال، الذي أصبح مبتذلاً تقريباً، لكني لا زلت أحب أن أعرف الجواب: هل العولمة، دعنا نصفها بعبارات اقتصادية على أنها تعني الاقتصاد الأكثر انفتاحاً، اقتصاداً أكثر توجهاً نحو السوق، تقود بصورة طبيعية إلى الديمقراطية؟

نعيم: أظن أن الوقت لا زال مبكراً جداً للإجابة عن ذلك. لا نعرف.

غلاسمان: ليس في الصين فقط بل في أي مكان؟

نعيم: أي مكان. لا نعرف. نذكر، كانت لدينا موجات من العولمة عبر التاريخ، ليست هذه المرة الأولى التي عرف فيها العالم تكاملاً مكثفاً جداً بين اقتصادات مختلفة. بدأت الظاهرة الحالية بسرعة كبيرة في التسعينات من القرن الماضي. مرة أخرى، كانت ثورة المعلومات المتجاوزة مع انهيار الاتحاد السوفياتي؛ وفتح أسواق دول كانت مغلقة في السابق. إنها تحدث وبينما نتكلم الآن، وتحدث بسرعة وبطرق لا نفهمها بالكامل حتى الآن. تخلق العولمة في مناطق معينة ظروفاً أفضل للديمقراطيات وفي مناطق أخرى تعيق العولمة مسار الديمقراطيات.

غلاسمان: أين تعيق العولمة مسار الديمقراطية؟

نعيم: أفكر، على سبيل المثال، بالدول النفطية حيث أوجدت العولمة أسواقاً واسعة جداً. يعود جزء كبير من سبب ارتفاع سعر النفط إلى ما يحدث في الصين ولان الاقتصاد العالمي ينمو بدرجة ذات شأن كبير جداً. ينشئ هذا الواقع مصدراً متواصلاً من الإيرادات لحكومات اسبتدادية وهذه الإيرادات العالية جداً تكبت الإصلاحات الاقتصادية والديمقراطية.

بارفيلد: لا أخالفك في الرأي ولكن أعتقد أن الشيء المؤسف بالنسبة لهذه الدول هو أن يكون لها هذا المورد الوحيد، بحيث لا تؤثر فيها قوى العولمة بنفس القدر.

غلاسمان: أعتقد أن المشكلة الأكبر هي أن تكون الحكومات تملك وتسيطر على ذلك المورد الوحيد.

بارفيلد: حسناً، هذا صحيح ولكن الأمر بمجمله هو عدم اضطرار هذه الدول النفطية إلى التدافع كما فعلت البرازيل، أو الأرجنتين، أو التشيلي مثلاً. هذه المسالة برمتها، وفي الرجوع إلى سؤالك الأصلي، هل تولد العولمة الديمقراطية بصورة "طبيعية"؟ فالجواب هو كلا. لكن من جهة أخرى أنها معركة تجري في الأوساط الفكرية، التي أعتقد أن كتاب السيد نعيم تطرق إليها، أي بين الواقعيين وبين ما يعرفون باسم "الدوليون الأحرار". ولدينا في المعهد حيث أعمل، أولئك الذين يهتمون بالأمن والدبلوماسية يقولون إن الاقتصاديين أو الأفراد الذين يؤيدون العولمة يشعرون بالتأكيد بأن العولمة سوف تقود إلى الديمقراطية. حسناً، أنظر إلى الصينيين. لا يبدو أنها حققت ذلك. وأوافقك هذا الرأي. لا أعتقد بوجود تقدم طبيعي نحو الديمقراطية.

لكن، من الصحيح أيضاً أنه بوجود العولمة، أو حتى بواقع كون الحكومة الصينية تستطيع السيطرة جزئياً على الإنترنت كما تسيطر على مصادر معلومات أخرى، من المستحيل بالفعل في اليوم الحاضر السيطرة على السكان فيما يخص المعلومات، فيما يخص إحكام عزلهم، كما قد تستطيع فعل ذلك في أوروبا الشرقية، في المجر وتشيكوسلوفاكيا. في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أو في الصين في الستينات من القرن الماضي. حينئذٍ تدرك أن الصينيين بدأوا أيضاً يسمحون لطلابهم بالسفر إلى كافة أنحاء العالم. فإذا كنت حاكماً استبدادياً تكون بفعلك هذا قد أطلقت قوى لن تتمكن في النهاية من السيطرة عليها. هل ستولّد العولمة الديمقراطية، لا أعرف. ولكن من الصحيح بالتأكيد أنها سوف تكون مثيرة للاضطراب لدى أي حكومة تكون في السلطة.

غلاسمان: هل توافق على ذلك؟

نعيم: نعم، أوافق على ذلك بالكامل. دعنا نتذكر للحظة أن أغلبية البشر يعيشون في اليوم الحاضر تحت أنظمة حكم غير ديمقراطية. إنه أمر اعتيادي. الإنسان الاعتيادي في اليوم الحاضر هو الفرد الذي لا يتناول ثلاث وجبات في اليوم، ولا يحصل على معلومات من مصادر مستقلة، هذا إذا حصل على أي منها. ثلث سكان العالم اليوم لا يملكون هاتفاً ولم يجروا أبداً اتصالاً هاتفياً، ومعظم البشر لا يعيشون في دول ديمقراطية. أغلبية الأطفال في العالم لا يرتادون المدارس وأغلبية الناس في العالم لا يعملون في وظائف يتقاضون أجوراً نظامية عنها.

بارفيلد: ولكني أظن انه يجب علينا أن نكون حذرين. أعتقد أنه قد يتوجب علينا القول بأن أكثر من أي وقت مضى في التاريخ البشري، أصبح لدينا ناس يعيشون بظل نوع من أنواع الدولة الديمقراطية.

غلاسمان: أعتقد أن عدد الدول الديمقراطية تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الثلاثين الماضية، رغم أن أغلبية البشر لا يعيشون في دول ديمقراطية. فإذا أخذنا الصين كدولة غير ديمقراطية يجب أن نقول أن معظم الناس لا يعيشون في دول ديمقراطية.

دعونا نتحدث حول إلى أين تتجه العولمة. حسناً، لقد عرفنا فترات من التاريخ كانت توجد فيها عولمة ولكنها توقفت بشكل حاد لمدة طويلة نسبياً. لمدة لا تقل عن 40 أو 50 سنة. هل من المحتمل أن نرى نفس الشيء يتكرر. هل العولمة وجدت لتبقى أم أنها ظاهرة دورية؟

إن ما يقلقني بشكل خاص هو أننا في العالم النامي، نتحدث عن الكثيرين من الناس الذين لم ينضموا فعلاً إلى عملية العولمة. هل هناك شيء ممكن أن نقوم به حول هذا الأمر؟

بارفيلد: أعتقد انك إذا نظرت إلى البلدان النامية، عليك أن تنسى ما يقوله السياسيون أو ما سوف يوقعون عليه، أو ما سيوقع عليه رؤساء الدول خلال المحادثات التجارية الجارية في هونغ كونغ. وخذ كمثال دول آسيا الشرقية، أو حتى أميركا اللاتينية، وارجع فقط إلى السؤال الأصلي. ترفض هذه الدول التوقيع على معاهدات تفرض عليها حقوق المستثمرين أو الاستثمارات، مع العلم أنها فتحت حدودها بشكل واسع.

والشيء الآخر الذي يتوجب عليك إبقاؤه في ذهنك أنه، من الناحية التجارية أن مقدار الفتح الطوعي للأسواق (لا تنتبه لكل ما يتعلق بالمفاوضات)، أصبح هائلاً في كل منطقة تقريباً، ربما باستثناء أفريقيا أو الشرق الأوسط. إن ما فعلته الأرجنتين أو ما فعلته إندونيسيا بالنسبة للاستثمار على امتداد السنوات العشرين الماضية يتجاوز ببعيد أي ورقة قد يوقعون عليها، فهو يحصل فعلاً. بكلمات أخرى، إنهم متفقون. انهم يروان أن هذه هي الطريق التي يجب السير عليها ولكنهم يشعرون بحالة عصبية كبيرة لدفعهم أمام منظمة التجارة العالمية، أو أي منظمة دولية أخرى، ليقال لهما أن عليهما السير في هذه الطريق. يريدون البقاء قادرين على فتح أسواقهما أمام الأجانب، أمام جنرال موتورز، أو جنرال ألكتريك ولكنهما لا يرغبون في أن يقول لهم إنسان ما بأن عليهم اتباع نفس القوانين التي تنظم عمل شركتك المستقلة هناك في البرازيل أو في التشيلي، أو في المكسيك.

غلاسمان: ولكنك متفائل بصورة عامة حول العالم النامي كما بالنسبة لباقي العالم؟

بارفيلد: نعم

نعيم: مرة أخرى، إذا أخذت تعريف العولمة وأصبغت عليه صفات التجارة والاستثمار بكثافة، يكون الأمر صحيحاً. فمن الجائز أن ترتفع وتهبط الدورات التجارية، نجد دافعاً نحو سياسة الحماية الاقتصادية.

غلاسمان: على فكرة، هل تعتقد أن هذا هو ما يحدث الآن؟

نعيم: كلا. أعتقد أن التجارة العالمية قوية جداً وحرة. تنمو التجارة الدولية في كل سنة، وهي تنمو بمعدلات تتجاوز معدلات النمو العالمية للناتج المحلي الإجمالي. نعم هناك كافة أنواع العوائق أمام التجارة وعدة أشكال من الإعانات المالية والتشويهات، لكن حركة التجارة تستمر.

خذ تعريفاً أوسع للعولمة لا يشمل فقط التجارة والاستثمار، وقارنه مع العولمة التي حدثت في القرن التاسع عشر. عندما ظهر التلغراف أحدث ذلك فورة من الاتصالات حول العالم. لكن المؤسسات هي في الغالب التي استخدمت نظام الإرسال عبر التلغراف. ومقارنة بذلك، يجرى الآن استخدام شبكة الإنترنت من قبل المراهقين الذين يتواصلون مع أندادٍ لهم حول العالم يملكون ذهنية مماثلة لذهنيتهم. هناك أنواع متعددة من المجموعات التي تملك ذهنية متماثلة، مجموعات أصحاب المصلحة، الناس الذين يتشاطرون نفس الاهتمامات والشغف والتكنولوجيات والهوايات، فيتواصلون عبر الحدود وينشئون مجتمعات فعلية تقوم بكافة أنواع النشاطات والقدرات ويطورون كافة أنواع الديناميات السياسية الجديدة. انه أمر لا يمكن عكسه حيث أنه من الممكن، كما قال السيد بارفيلد، السيطرة على الإنترنت ولكن توجد حدود لمدى قدرة السيطرة عليها.

لذلك فقد أفشي السر. الناس ينظمون صفوفهم. لدينا أكثر من ذلك، لدينا عولمة فردية أكثر مما رأيناه عبر التاريخ. كانت الموجات السابقة للعولمة مؤسساتية، وكانت تجارية، حيث كان أصحاب الأدوار المركزية الشركات التجارية. اما اليوم فقد أصبحت هناك عولمة للأفراد وهذا ما يشكل اختلافاً مهماً جداً.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي