الاقتصاد والتجارة | تحقيق النمو عبر أسواق مفتوحة

27 آب/أغسطس 2008

الأميركيون يتبنون أنماط معيشة جديدة بعد أن صدمهم غلاء أسعار الوقود والطاقة

لكن التوفير في الطاقة لن يكون سهلا ولا رخيصا

 

من أندريه تسفانيتسكي، المحرر في موقع أميركا دوت غوف

(هذا المقال هو الثالث من سلسلة مقالات تتناول أزمة النفط العالمية)

بداية النص

واشنطن،- إن الزائر العائد الى الولايات المتحدة بعد قضاء عام في الخارج لن يلمس تغييرا كبيرا في نمط معيشة الأميركيين؛ بيد انه سيلمس وفرة في هذه التغييرات اذا طالع بعض الأرقام والإحصائيات.

ففي الأشهر الخمسة الأولى من العام 2008، قاد الاميركيون عرباتهم مسافات بالأميال تقل بنسبة 2.4 في المئة عن رديفتها في نفس الفترة من العام الماضي، طبقا لما ذكرته وزارة النقل الأميركية. كما ان الرحلات التي قاموا بها في قطارات الأنفاق والحافلات وسكك الحديد سجلّت رقما قياسيا في 2007 هو الأعلى خلال خمسين عاما. اما ركوب الدرّاجات الهوائية فقد قفز قفزة هائلة فيما هوت مبيعات السيارات الرباعية الدفع المستهلكة بنهم للبنزين.

وهكذا شرع الأميركيون بتبديل أساليب حياتهم ردا على غلاء أسعار الوقود، كما يشير الإقتصاديون.

ويشير استطلاع للرأي أجرته يومية واشنطن بوست في حزيران/يونيو الفائت أنه ولأول مرة في حياتهم باتت غالبية من الأميركيين تعتقد ان ارتفاع أسعار الوقود بدأ يسبب لهم متاعب مالية.

ويقول خبراء ان ردّ المستهلكين يرجّح ان يؤذن بحصول تحوّل حضاري طال انتظاره وقد يؤول الى وضع الولايات المتحدة في مسار "أكثر استدامة" من ناحية استهلاك الطاقة.

ومن ناحيتها اعتبرت وزيرة النقل ماري بيترز ان الأميركيين اجتازوا نقطة التحوّل التي قصمت ظهر البعير.

* ما الذي جرى على غير ما يرام؟

لقد علمّت أزمات النفط في عقد السبعينات من القرن المنصرم الأميركيين ان يستهلكوا الوقود بحكمة، كما يشير الخبراء، لكن مع استقرار أسعار النفط على حوالي 20 دولارا للبرميل الواحد في التسعينيات من القرن الماضي تخلّى الأميركيون عن جانب الحيطة وبدأوا باقتناء عربات ذات محركات أقوى ومسرفة في استهلاكها للبنزين، هذا الى جانب شرائهم منازل أكبر حجما.

ومع انتقال سكان المدن الى الضواحي وتخوم المناطق الحضرية على مدى عقود من الزمن واستقرارهم فيها طالت المسافات التي تفصل بين أماكن عملهم وسكنهم. وارتفع المتوسط اليومي لاستهلاك الأميركي للطاقة، والذي يمثل وقود عربات النقل أكثر من ثلثيها، بحوالي 20 في المئة في الفترة من 1995 الى 2005، حسبما جاء في بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وأبلغ ستيف أندروز، وهو خبير في الطاقة يتخّذ من دنفر مقرا لأعماله، موقع أميركا دوت غوف: "الآن الطاقة الرخيصة الثمن ...ربما ذهبت الى غير رجعة ونحن نختبر تحوّلا في نظرتنا الى الأمور." وحذّر هو وغيره من ان التحوّل لن يكون سريعا ولا سهلا.

* الى أين نتجّه من هنا؟

والتحول الى الجيل المقبل من السيارات الكهربائية وسيارات الهجين، وهو ما سيساعد في خفض اعتماد أميركا على النفط، سيستغرق بعض القت وسيقتضي قدرا كبيرا من المال. مثلا فإن كبرى شركات تصنيع السيارات التي لمدة طويلة لم تلمس الحاجة لعربات تستهلك وقودا أقل او لا وقود بتاتا، شرعت في السعي لابتكار تكنولوجيات خلاقة بصورة جديّة حينما أصدر الكونغرس معايير جديدة لاقتصاد الوقود في 2007. (راجع مقالا عن هذا الموضوع على موقع أميركا دوت غوف).

كما أن تبديل نمط التنمية الحضرية الأميركية سيستغرق وقتا أطول. وأحد الأمثلة على الوضع الراهن يتبادر الى الأذهان بولاية ماريلاند الأميركية التي قررت مؤخرا استثمار بلايين الدولارات في مشروع طريق دائري سريع عوضا عن ترقية وتطوير وسائل النقل العام.

كما أن ولايات ومقاطعات ومدنا شرعت في تبني معايير خاصة بكثافة أعلى وتنمية موجهة بفعل النقل العام، وتشجيع ركوب الدراجات، والعمل من المنزل، والمشاركة في ركوب السيارات واستخدام وسائل النقل العام وذلك لمعالجة آفة توسيع الضواحي وزحمة السير واستخدام الوقود، حتى قبل وقوع الأزمة الراهنة لغلاء الطاقة.

الا أن دوغلاس فار، المهندس المدني وواضع مؤلّف "الظاهرة الحضرية المستدامة"، يقول إن هذه الحلول لن تفضي الى نتائج ملموسة اذا فصلت عن بعضها البعض حتى ولو تمّ اعتمادها على نطاق كبير.  ويدعو فار الى تبنّي خطّة تدمج حلولا من هذا القبيل في مراكز عمرانية مكثّفة ويمكن وصلها بوسائل النقل، وتكون من الحجم بحيث يمكن بلوغها سيرا على الاقدام وتضم أصنافا من المباني ذات الكفاءة في استخدام الطاقة والماء. (راجع مقالا ذا صلة بهذا الموضوع).

وأبلغ فار موقع أميركا دوت غوف أن أوّل اختبار أساسي لاستعداد أميركا لمعالجة هذه المسألة سيتأتّى في 2009 حينما سيتدارس الكونغرس مشروع قانون حول النقل يحدد أولويات بخصوص الطرق السريعة ووسائط النقل العام وسبل تمويلها.

* هل ستدخل الحكومة في هذه المعمعة؟

يرى الخبراء ان طلب المستهلكين والتغييرات الديمغرافية التي ستدعم الإنكفاء عن الضواحي ستعمل على دفع هذا التحوّل أكثر مما سيفعله الكونغرس في هذا الصدد. ويقولون ان الأفراد  الذين يقتربون من الشيخوخة سينزعون للإنتقال الى أواسط المدن كما أن أبناءهم ممن تخرجوا من الجامعات تستهويهم الحياة الليلية والترفيه داخل المدن.

ولهذا السبب سيعيد أصحاب المشاريع تركيزهم على تطوير المدن اذا تمكّنوا من جني الأرباح، وكما يقول الخبير فار، فان "الظاهرة الحضرية المستدامة تمثّل أكبر فرصة اقتصادية شهدناها حتى الآن."

لكن فار يرى ان على الحكومات ان تتعاطى مع هذه المسألة الى حدّ أبعد.

ويوافق مع هذا الرأي  خبراء كثيرون. فأندروز يقول ان زيادة التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة يجب ان تكون مشروطة بإجراءات تستهدف تخفيف الطلب وهي اجراءات مثل خفض السرعة وتنفيذ قيود عليها وطرح حوافز امام المستهلكين كي يقتنوا سيارات كهربائية او ذات كفاءة في استهلاك الوقود.

اما ميشال فوس إقتصادية الطاقة بجامعة تكساس بأوستن،  فترفض الفكرة القائلة بان تدخّل الحكومة أمر ضروري، وتقول انه غالبا ما يفضي الى نتائج سلبية.  وقالت لموقع أميركا دوت غوف انها ترى ان السوق نفسها سترغم الناس على إحداث تغييرات ضرورية كما تجلّى ذلك في سلوك المستهلكين في الآونة الأخيرة.

ومن ناحيته قال فار ان تنمية المناطق السكنية في الضواحي وتخوم المدن والتي ترتكز على مبدأ استخدام العربات لم تكن ثمرة قوى سوق غير مقيدة بل نتاج نظام من الإعانات المباشرة وغير المباشرة التي صممت لنا "كي نقود عرباتنا مسافات أطول،" على حد قوله. وهذا النظام يجب ان يزول.

الى ذلك يرى ديفيد غارمان وهو مستشار في مجال الطاقة شغل منصب وكيل وزارة الطاقة في حكومة الرئيس بوش أن الحكومة الفدرالية يجب ان تفعل المزيد، وعلى سبيل المثال، كما ابلغ موقع أميركا دوت غوف، فإن دراسات عديدة تشير الى انه من المنطقي أكثر فأكثر من منطلق اقتصادي تمويل أبحاث التكنولوجيا وتطويرها عاجلا، عوضا عن الإضطرار لفرض تدابير وحلول آجلا.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي