التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

20 أيار/مايو 2009

رالف جونسون بانش: العالم ورجل الدولة

أفريقي أميركي يبرع كوسيط وصانع سلام

 
الدكتور رالف جونسون بانش (إلى اليمين)، صانع السلام، والوسيط الدولي، والدبلوماسي الأميركي، يتسلم جائزة نوبل للسلام عام 1950.
الدكتور رالف جونسون بانش (إلى اليمين)، صانع السلام، والوسيط الدولي، والدبلوماسي الأميركي، يتسلم جائزة نوبل للسلام عام 1950.

بقلم برايان أوركوهارت

أوركوهارت هو وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ومؤلف كتاب "هامرشولد: حياة في السلم  والحرب"، وكتاب "رالف بانش: ملحمة أميركية"، وغيرها من الدراسات التاريخية.

بينما كان الأفريقيون الأميركيون يكافحون لنيل حقوقهم المدنية، كانت إنجازاتهم الفردية تُبرز عدالة قضيتهم. وقد أظهرت إنجازات العالم الذي حاز على جائزة نوبل للسلام، والمسؤول الدولي رالف بانش، لجميع الناس ذوي الذهنية المنصفة أن باستطاعة الأفريقيين الأميركيين أن يساهموا مساهمة كاملة في المجتمع الأميركي.

ولد رالف بانش في ديترويت، بولاية مشيغان، في 7 آب/أغسطس 1903. كان والده حلاقاً متجولاً ووالدته ربة منزل وعازفة بيانو هاوية. تخلّى والده عن عائلته، وتوفيت والدته عندما كان بانش في سن الرابعة عشرة. عاش بعد ذلك الوقت في لوس انجلوس، كاليفورنيا مع جدته لوالدته، التي أثّرت عليه كثيراً بحكمتها وقوة شخصيتها. تخرّج بامتياز من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس واستمر في دراسته الجامعية العليا في جامعة هارفارد بعد حصوله على منحة دراسية.

كان بانش مدركاً تماما للتمييز العنصري ومصمماً على العمل ضده منذ نعومة أظفاره. كما أقنعته دراساته لأفريقيا المستعمَرة أن للاستعمار علاقة تشاركية مع التمييز العنصري في الولايات المتحدة. وكان مصمماً على المساعدة في إنهاء كلا الحالتين.

أنشأ بانش دائرة العلوم السياسية في جامعة هوارد، جامعة السود التاريخية في واشنطن العاصمة، وأصبحت مقالاته العديدة حول التمييز العنصري لاحقاً مرجعاً أساسياً لحركة الحقوق المدنية الأميركية. وكان بانش أيضاً رائداً في الدراسات حول الاستعمار في الولايات المتحدة. كما كان المساعد الرئيسي والكاتب المشارك للعالم الاقتصادي السويدي، غونار ميردال الذي اشتهر ببحثه، الذي شكل مَعلماً بارزاً في العام 1944، حول دراسة العلاقات العرقية الأميركية وعنوانه، "مأزق أميركي." وقد تمت الإشارة المؤيدة لهذا الكتاب من جانب المحكمة العليا الأميركية في حكمها في قضية براون ضد مجلس التعليم.

مع البدايات الأولى لاندلاع الحرب العالمية الثانية، طلبت الحكومة الأميركية من رالف بانش تقديم المشورة حول أفريقيا، ثم نقلته إلى وزارة الخارجية للعمل على وضع ميثاق الأمم المتحدة المستقبلي. وكان أول مسؤول رسمي أسود في وزارة الخارجية. خلال مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، وضع بانش مسودة فصلين من فصول ميثاق الأمم المتحدة المتعلقين بالمناطق غير المحكومة ذاتياً (المستعمرات) وبنظام الوصاية. وفّر هذان الفصلان الأساس لتسريع عملية تصفية الاستعمار بعد انتهاء الحرب. وعمل بانش بجهد كبير لتحويل إلغاء الاستعمار إلى حقيقة واقعة.

وضع بانش نظام الوصاية في الأمم المتحدة التي كانت قد تأسست حديثا. كانت إنجازاته كعضو في أمانة الأمم المتحدة العامة استثنائية. وبصفته سكرتير اللجنة الخاصة للأمم المتحدة حول فلسطين عام 1947 كتب بانش تقرير الأغلبية للجنة حول تقسيم فلسطين، كما كتب تقرير الأقلية حول إنشاء دولة فدرالية هناك. تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة التقرير الأول الذي لا زال الهدف الأساسي لصانعي السلام في الشرق الأوسط.

في أيار/مايو 1948، غادر البريطانيون فلسطين وتمّ الإعلان عن قيام دولة يهودية في ذلك الجزء من فلسطين الذي كان خاضعا للانتداب البريطاني، حسب التقسيم الذي كانت قد حددته الجمعية العامة، فقامت خمس دول عربية بغزو دولة إسرائيل الجديدة. عيّن مجلس الأمن الدولي وسيطاً لفلسطين هو الكونت فولك برنادوت وكان بانش مستشاره الرئيسي. رتب الاثنان لهدنة في فلسطين، ونظم بانش مجموعة من المراقبين العسكريين التابعين للأمم المتحدة للإشراف على الهدنة، التي شكلت بداية عمليات حفظ السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة. اغتيل برنادوت من قبل عصابة شتيرن (عصابة سرية صهيونية مسلحة ندد بها بانش كما فعل الصهاينة من التيار السائد) في القدس في أيلول/سبتمبر 1948، وحل بانش وسيطاً محله. وفي كانون الثاني/يناير  1949، أطلق محادثات الهدنة أولاً بين مصر وإسرائيل. ثم تم توقيع اتفاقيات هدنة بين إسرائيل والدول العربية الأربع جيرانها والتي وفرت الأساس الرسمي لإنهاء الحرب. مُنح رالف بانش في عام 1950 جائزة نوبل للسلام تقديراً لهذه الإنجازات.

أصبح داغ هامرشولد السويدي أميناً عاماً للأمم المتحدة في عام 1953. وبصفته مساعدا للأمين العام، أصبح بانش المستشار السياسي الأقرب لهامرشولد. في عام 1956، في أعقاب تأميم مصر لقناة السويس، غزت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر في مغامرة متهورة شكلت صدمة للعالم. تطلب إخراج الغزاة من مصر شيئاً جديداً بالكامل، أي تشكيل "قوة وشرطة سلام " ترعاها الأمم المتحدة، كما أسماها مقترحها الكندي، لستر بيرسون. طلب هامرشولد من بانش تشكيل ونشر هذه القوة من دون إبطاء. عززت ضرورة الاستعجال التهديدات السوفياتية التي كانت تنذر بالسوء. عمل بانش على مدار الساعة بدعم حماسي من الولايات المتحدة وعدد كبير من الدول الأخرى. فجمع ونشر قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في مصر بعد ثمانية أيام من طلب الجمعية العامة ذلك.

الجهد الرائد لبانش في المحافظة على السلام الدولي شكل الإنجاز الذي كان يفتخر به. فقد انشأ وقاد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي يتألف عددها من 20 ألف جندي، والتي تم إرسالها إلى الكونغو عام 1960، وترأس تشكيل قوة مماثلة في قبرص عام 1964. بعد أن قُتل هامرشولد في تحطم طائرة في أفريقيا أصبح بانش المستشار الذي لا غنى عنه لخليفة هامرشولد، يو ثانت من بورما، لدرجة أن توسلات يوثانت منعت رالف بانش من التقاعد من الأمم المتحدة للانخراط كلياً في حركة الحقوق المدنية الأميركية. توفي بانش بفعل الإرهاق وتأثير مرض السكري في 9 كانون الأول/ديسمبر 1971.

كان رالف بانش يهتم بحماسة بتنفيذ الأمور أكثر مما كان يهتم في الحصول على التقدير الشخصي (حتى إنه حاول ان يرفض قبول جائزة نوبل للسلام). يتذكر الناس إنجازاته العظيمة، ولكنهم نادراً ما يتذكرون دوره فيها. يدين له بالشكر الأفريقيون الأميركيون، والملايين الذين تم تحريرهم من عالم الاستعمار، كما تدين له الأمم المتحدة بصورة خاصة. فقد كان أحد عظماء رجال الدولة في القرن العشرين.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي