14 أيار/مايو 2009
دبليو إي بي ديبوا كان يناصر إثارة الشغب السياسي المباشر والاحتجاج السياسي.
توجه العديد من السود لتوفير القيادة لهم نحو المؤرخ والعالم الاجتماعي دبليو إي بي ديبوا (1868-1963). بعد تخرجه من جامعة فيسك، المؤسسة السوداء تاريخياً القائمة في ناشفيل، بولاية تينيسي، حصل ديبوا على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة هارفرد ومارس مهنة التعليم في جامعة اتلنتا، التي تأسست بمساعدة مكتب "الأفراد المُحررين" والمتخصصة في تدريب المعلمين، وأمناء المكتبات، والمهنيين الآخرين من السود. كتب ديبوا وحرّر عدداً من الدراسات العلمية التي تصور حياة السود في أميركا. وكان يؤمن بأن علم الاجتماع قد يوفر المفتاح اللازم لتحسين العلاقات بين الأعراق.
ولكن، بعد ان سيطر التمييز العنصري القانوني عبر الجنوب، والذي كان يُفرض في أحيان كثيرة بالشنق دون محاكمة قانونية (إلقاء القبض على "المجرمين المشتبه بهم" بصورة غير شرعية وقتلهم وغالباً بتحريض من الرعاع، وذلك دون محاكمتهم وعادةً على أساس أدلة واهية)، استنتج ديبوا تدريجياً أن الشغب والاحتجاج السياسي المباشرين يستطيعان تعزيز الحقوق المدنية للأفريقيين الأميركيين. ومن المحتم أن يدخل ديبوا في خلاف مع بوكر تي واشنطن الذي أقام بدوره روابط سياسية مع الجمهوريين من مختلف البلاد من أجل تأمين حد من الرعاية السياسية رغم أن أولويته بالنسبة للسود الأميركيين بقيت التنمية الاقتصادية.
في عام 1930، نشر ديبوا كتابه "روح الناس السود". وصف شلبي ستيل هذا الكتاب "كردة فعل عاطفية ضد الأيديولوجية العرقية السوداء القائمة على الاستيعاب والتواضع." أعلن الكتاب بصراحة ان "مشكلة القرن العشرين هي مشكلة خط اللون". وموجهاً كلامه إلى بوكر تي. واشنطن أكد ديبوا أن:
"مبدأه كان يميل إلى جعل البيض في الشمال والجنوب يزيحون عبء مشكلة الزنوج نحو كواهل الزنوج أنفسهم والوقوف كمشاهدين منتقدين ومتشائمين نوعاً ما، في حين أن العبء يجب أن يعود إلى الدولة بالفعل، ولن تكون يدي أي واحد منا نظيفتين إذا لم نوجّه طاقاتنا إلى تصحيح هذه المساوئ العظيمة."
اختلف ديبوا أيضاً مع التأكيد الحصري لواشنطن على مهارات الحرفيين. أكد في مقالة نشرت عام 1930" أن العرق الزنجي مثله مثل كافة الأعراق الأخرى سوف ينقذه رجاله الاستثنائيون. وهذا "العُشر الموهوب" "من الأفريقيين الأميركيين" يجب جعلهم قادة الفكر ومبشري الثقافة بين أفراد شعبهم". ولهذه المهمة لن يكفي التدريب العملي الذي كان يوفره بوكر تي. واشنطن في معهد نوسكيغي:
"إذا جعلنا المال موضوع تدريب الرجل، سوف ننمي صانعي مال ولكننا لن ننمي رجالا بالضرورة. وإذا جعلنا المهارة التقنية موضوع التعليم فقد نملك حرفيين ولكن ليس، بالطبيعة، رجالاً. سوف نحصل على الرجال إذا جعلنا الرجولة هدفاً لعمل المدارس، أي الذكاء، والتعاطف الواسع، ومعرفة العالم كما كان وكما هو الآن، وعلاقة الرجال به... على هذا الأساس يمكننا بناء أساليب لكسب العيش، ومهارة اليدين، وسرعة الذهن، دون أي خوف مطلقاً من ان يخلط الطفل والرجل بين وسائل العيش وموضوع الحياة."
بعد انقضاء سنتين، شكل ديبوا مع عدد من المفكرين السود "حركة نياغرا"، وهي منظمة للحقوق المدنية تعارض بصراحة سياسات واشنطن في الاستيعاب والتدرج. أعلن ديبوا: "نريد حق الانتخاب للرجال بشكل كامل ونريده الآن" (كما دافع ديبوا أيضاً عن حق المرأة في الانتخاب). عقدت مجموعة نياغرا مؤتمراً لافتاً عام 1906 في هاربرزفيري، بولاية وست فرجينيا، حيث يوجد موقع تمرد جون براون، وضغطت لكسب التأييد ضد قوانين جيم كرو، ووزعت منشورات وكتيبات وحاولت بوجه عام إثارة قضايا الحقوق المدنية والعدالة العرقية. لكن الحركة كانت ضعيفة التنظيم وفقيرة التمويل، فحلّت نفسها عام 1910. وبحلول ذلك الوقت كانت هناك منظمة جديدة اقوى منها قد أصبحت جاهزة للحلول مكانها.
أدى اتهام كاذب وُجّه إلى رجل اسود بأنه حاول اغتصاب امرأة بيضاء إلى اندلاع أعمال شغب مناهضة للسود في سبرنغفيلد، بولاية إلينوي، في آب/أغسطس 1908. خلّفت أعمال الشغب وراءها سبعة قتلى وأجبرت الآلاف من الأفريقيين الاميركيين على الهرب من المدينة. قادت المناصرة لحق المرأة في التصويت، ماري وايت اوفينغتون، دعوة لعقد اجتماع تنظيمي للإصلاحيين. كتبت لاحقاً: "يجب إعادة إنعاش روح المطالبين بإلغاء التمييز العنصري". توسعت مجموعتها بسرعة وارتبطت مع ديبوا وغيره من الناشطين الأفريقيين الاميركيين. وفي عام 1910 قاموا بتأسيس الجمعية القومية لتقدّم الملونين (NAACP). شملت قيادة المنظمة الجديدة أميركيين من البيض، وكان العديد منهم من اليهود، وقام ديبوا بتولى رئاسة تحرير المجلة النافذة الصادرة عن الجمعية المسماة "ذي كرايسيس" (الأزمة).
ابتداءً من عام 1913 عندما سمح الرئيس وودرو ويلسون، المواطن الجنوبي، بالتمييز العنصري في الخدمة المدنية الفدرالية، توجهت الجمعية القومية لتقدم الملونين إلى المحاكم وبدأت جهداً قانونيا دام عقوداً لإلغاء قوانين جيم كرو. وبقيادة ديبوا، كانت المجلة المذكورة تُقوم بتحليل الأحداث الجارية وتنشر أعمال مؤلفين عظماء لنهضة هارلم في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وكان من بينهم لانغستون هيوز وكاونتي كالين. واستناداً إلى بعض التقديرات تجاوز توزيعها 100 ألف نسخة.
استمر ديبوا في الكتابة، ووطّد شهرته كأحد المفكرين الأميركيين الرئيسيين في القرن العشرين. كما برز كمحارب رئيسي للاستعمار وكخبير بالتاريخ الأفريقي. في عام 1934، انفصل ديبوا عن الجمعية القومية لتقدم الملونين المطالبة بالاندماج بسبب مناصرته للقومية الأفريقية العالمية، والنواحي المتنامية لفكره الماركسي والاشتراكي. عاش ديبوا اكثر من 90 عاماً ومات كمواطن من غانا وكشيوعي ملتزم.
لكن الجمعية القومية لتقدم الملونين، المنظمة التي ساعد في تأسيسها، سوف تطلق لاحقاً حركة النضال الحديث للحقوق المدنية.