18 أيار/مايو 2009
الاصطفافات الجديدة للأحزاب فتحت الفرص أمام تشريعات الحقوق المدنية
منذ أن فشل مشروع إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب الأهلية في تأمين الحقوق المدنية للسود في الجنوب الأميركي، أحبط عائقان كبيران الجهود على المستوى القومي لإنهاء نظام جيم كرو العنصري: نظام الأحزاب السياسية وأنظمة الكونغرس الأميركي. عندما استحوذت الولايات المتحدة على مناطق واسعة تحتفظ في واقع الأمر بالأرقاء (ومنها كاليفورنيا والكثير من المناطق التي أصبحت اليوم الجنوب الغربي الأميركي) جراء حربها مع المكسيك (1846-1848)، شكّلت الأحزاب السياسية في البلاد بصورة متزايدة مواقفها حول الخطوط الإقليمية: أيّد الحزب الديمقراطي الجنوب، وتوسّع نظام العبودية، وأيّد حزب الويغز (الأحرار) ولاحقاً الحزب الجمهوري الشمال وعارضا توسيع نظام العبودية إلى المقاطعات التي تمّ الاستحواذ عليها حديثاً، وكثيراً ما ساد الاعتقاد بينهما أن الإلغاء الكامل لنظام العبودية ليس سوى مسألة وقت. كان الحزبان خلال تلك الحقبة يحبذان الاستخدام الجريء للسلطة الفدرالية لتعزيز التنمية الاقتصادية. الجنوبيون والديمقراطيون، لخشيتهم من العمل الفدرالي ضد نظام العبودية، أيدوا سيادة الولايات الفردية بمواجهة حكومة فدرالية تكون مُحدّدة سلطتها بتلك السلطات الممنوحة لها في الدستور. كانت لمفهوم "حقوق الولايات" هذا جذور عميقة في التاريخ الأميركي. ولكن في أوائل القرن التاسع عشر أصبح ذلك المفهوم متشابكاً مع قضايا العبودية والتمييز العنصري والحقوق المدنية.
استمرت هذه الأنماط بعد الحرب الأهلية. وكما رأينا، ضغط الجمهوريون الراديكاليون ما بعد الحرب لتنفيذ عملية إعادة إعمار تضمن للأفريقيين الأميركيين حقوقهم. بعد انتهاء عملية إعادة الإعمار استمر "حزب لنكولن"، أي الحزب الجمهوري، بالتمتع بدعم معظم السود. في غضون ذلك، تطور الحزب الديمقراطي إلى تحالف من المواطنين الجنوبيين المناصرين للتمييز العنصري وسكان المدن في الشمال، من المهاجرين وعمال الصناعة في أحيان كثيرة. مع توالي سنوات القرن العشرين، أصبح الجناح الشمالي للحزب ليبرالياً سياسياً بدرجة أكبر، ومع قيام السياسات الاقتصادية للبرنامج الجديد الذي وضعه الرئيس فرانكلين دي. روزفلت، أصبح ذلك الجناح أكثر قبولاً للسلطات الفدرالية الواسعة. وكثيراً ما كان يُثار غضب الديمقراطيين الشماليين الليبراليين ضد التمييز العرقي في الجنوب ولكن لم يكن باستطاعة حزبهم أن يتنافس على مستوى الوطن بكامله بدون دعم "الجنوب الصلب".
شكلت أنظمة مجلس الشيوخ الأميركي عقبة كبيرة أخرى أمام تشريعات الحقوق المدنية. ففي حين كانت المُصادقة على قانون تتطلب موافقة غالبية بسيطة فقط، كان يحق لكل عضو في مجلس الشيوخ إيقاف عملية التصويت رافضاً ببساطة التوقّف عن الخطابة خلال مناقشات المجلس والتخلي عن دوره في الكلام. في ذلك الوقت كانت غالبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ تستطيع التصويت على "إغلاق" باب المناقشة. ومن الناحية العملية، كان من غير الممكن لمجلس الشيوخ المُصادقة على أي قانون دون الحصول على دعم ثلثي أعضاء المجلس. معنى ذلك أن أعضاء مجلس الشيوخ الجنوبيين المُنتخبين في ولايات كان فيها السود محرومين روتينياً من حق التصويت يستطيعون إحباط المُصادقة على قوانين الحقوق المدنية، وقد فعلوا ذلك في الواقع.
إلقاء الخطب الطويلة "المعطلة للتصويت" والمناهضة للحقوق المدنية، كما أصبحت تُعرف الخطب الطويلة التي يلقيها أعضاء من مجلس الشيوخ، أعاقت التصويت على قوانين كثيرة على مرّ السنين. في عام 1946 أحالت الخطب الطويلة التي دامت أسبوعاً كاملاً التصديق على قانون حاز على تأييد الغالبية ونص على منع التمييز العنصري في أمكنة العمل. وفي عام 1957، استمر عضو مجلس الشيوخ ستروم ثورموند (ديمقراطي من ساوث كارولينا) في إلقاء خطبة دامت 24 ساعة و18 دقيقة بدون توقف في جهد غير ناجح لمنع التصديق على قانون الحقوق المدنية المعتدل للعام 1957.
لكن كوكبة من القوى السياسية كانت تتحول ببطء وبطرق أثبتت أنها ساعدت حركة الحقوق المدنية. فقد ازدادت أهمية تصويت السود، على الأقل في الشمال. ففي معظم مراحل تاريخ البلاد كانت غالبية الأميركيين الأفريقيين تقطن الجنوب. خلال النصف الأول من القرن العشرين، بدأ العديد منهم في مغادرة الجنوب متجهين إلى شيكاغو والى مدن شمالية أخرى. توجّه عدد من السود يُقدّر بحوالى 6 ملايين فرد إلى الشمال خلال مرحلة "الهجرة الكبرى". لم يكن الشمال متحرراً من التمييز العرقي ولكن كان بإمكان السود أن يدلوا بأصواتهم وبذلك أصبحوا هدفاً جاذباً متزايداً للسياسيين الطموحين.
في العام 1960، صمم المرشح الديمقراطي للرئاسة وعضو مجلس الشيوخ جون إف كندي على زيادة حصته من أصوات الأميركيين الأفريقيين الذين كانوا ينتخبون تاريخياً لصالح الحزب الجمهوري. وعندما سُجن مارتن لوثر كنغ الإبن، عقب الاعتصام الذي نفّذه في أتلنتا، اتصل كندي هاتفياً بزوجة كنغ، كوريتا سكوت كنغ، للإعراب عن تعاطفه في حين كان وشقيقه، وزير العدل المُقبل، روبرت إف كندي، يعملان على تأمين إطلاق سراح كنغ. بعد أن أطلق سراح كنغ مقابل كفالة، اعترف كنغ "بدينه العظيم من الشكر إلى كندي وعائلته". حصل كندي على نسبة قدرت ب 70 بالمئة من أصوات الأفريقيين الاميركيين في انتخابات حامية فاز فيها كندي على نائب الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون بنسبة تقل عن واحد بالمئة من الأصوات الشعبية.
وفي حين يختلف المؤرخون حول سجل الحقوق المدنية خلال إدارة كندي، فإن من الإنصاف الملاحظة أن هذا السجل كان أفضل من سجلات الرؤساء السابقين في القرن العشرين، لكنه لم يكن بالقوة التي أرادها الناشطون المناصرون للحقوق المدنية. حثّ جون وروبرت كندي بتكرار كنغ على عدم الضغط بقوة شديدة. ولكن عندما استمر كنغ في شق طريقه إلى الأمام كان الاثنان يوافقان بصورة عامة على ما يفعله.
وكما ذُكر سابقاً، أدخل الرئيس كندي تشريعات واسعة النطاق حول الحقوق المدنية في أعقاب أحداث بيرمنغهام. وبعد اغتيال كندي في تشرين الثاني/نوفمبر 1963، انتقلت مسؤولية إصدار هذه التشريعات إلى كاهل نائب الرئيس وخليفته ليندون جونسون.