15 أيار/مايو 2009
رد بول كونور العنيف يُروّع البلاد
لأن حملة برمنغهام كانت تتطلب قيادتهما، فقد قام مارتن لوثر كينغ جونيور ورالف أبارناثي بدفع كفالتهما بعد قضاء ثمانية أيام في السجن. استعانا بفكرة تُنسب إلى القس جيمس بيفل، أحد الناشطين في حركة الحقوق المدنية الذين عُرفوا باسم ركاب حافلات الحرية والمشاركين في اعتصام ناشفيل الذي جنّده كينغ للخدمة كمدير للعمليات المباشرة والتوعية بالمقاومة السلمية في منظمة اسمها مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية. ولإدراكهما بأن عدد عائلات السود التي تستطيع أن تتحمل وجود مُعيلهم الأول في السجن عدد محدود جدا، بدأ بيفل تنظيم صفوف الأفريقيين الأميركيين الشبّان: وتمّ توعية طلاّب الجامعات، وطلاّب المدارس الثانوية، وحتى طلاّب المدارس الابتدائية مبادئ اللاعنف. وأصبحوا على استعداد للقيام بمسيرة إلى وسط المدينة، وللدخول هناك في مطاعم الغذاء المخصصة للبيض فقط، والمطالعة في المكتبات العامة المخصصة للبيض فقط، والصلاة في الكنائس المخصصة للبيض فقط. ورحبت كنائس البيض لبعض الطوائف، على الأقل، بالشباب السود.
كان قرار استخدام الأطفال قراراً مُثيراً للجدل. ودافع المدير التنفيذي لمؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية (SCLC)، القس وايات تي والكر، عن هذا القرار على أساس أن "الأطفال الزنوج سوف يحصلون على تعليم خلال خمسة أيام في السجن أفضل مما سوف يتعلمونه خلال خمسة أشهر في مدرسة تطبق الفصل العنصري." سَرَد كينغ في سيرة حياته حكاية مراهق أسود قرر المشاركة في المسيرة بالرغم من اعتراضات والده:
قال الولد: أبي، لا أريد أن أُخالف أوامرك، ولكني التزمت. فإذا حاولت أن تبقيني في المنزل عنوة، سوف أهرب منه خلسة. إذا اعتقدت بأني استحق أن أُعاقب لفعلي هذا، فسوف أتلقى العقاب برحابة صدر. لأنه، كما ترى، أنا لا أفعل ذلك لأنني أريد أن أكون حراً فحسب بل أفعل ذلك أيضاً لأني أريد أن تحصل أنت ووالدتي على الحرية، وأريد أن تحصلا على الحرية قبل أن تموتا."
فكّر الوالد بالأمر من جديد ومنح ابنه بركاته."
في 2 أيار/مايو 1963، انطلق المئات من الطلاب الأفريقيين الأميركيين المزودين بأجهزة راديو لاسلكي وهم ينشدون "سوف ننتصر". اُُلقي القبض على مئات منهم مما جعل سجن برمنغهام مكتظا بما يتجاوز سعته. وربما ما كان أهم من ذلك هو توتر مزاج بول كونور إلى درجة وصلت إلى نقطة الانفجار.
في 3 أيار/مايو، قرر كونور إيقاف المظاهرات بالقوة. استعمل خراطيم المياه المضغوطة بقوة، بدرجة تكفي لسلخ القشرة عن الشجر، فوقع المتظاهرون على الأرض وتدحرجوا على الشوارع الإسفلتية. وتنفيذاً لأمر مدير الشرطة، استُخدمت كلاب الشرطة لتفريق الجماهير، وعضّت الكلاب عدة متظاهرين.
كان الناشط في لجنة التنسيق اللاعنفية للطلاب جيمس فورمان في المركز الرئيسي لمؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية عندما وصلته هذه الأنباء. أفاد لاحقاً أن القادة في ذلك المركز "قفزوا مُبتهجين ... وهم يقولون مراراً وتكراراً: لقد أصبح لدينا حركة. أصبح لدينا حركة. فقد عاملتنا الشرطة معاملة وحشية." وكان رأي فورمان أن هذا التصرف "كان مبيّتا، ومقصودا ووحشياً جداً، ولكن المؤرخ سي. فإن وودوارد استنتج مما حدث أن:"المشاركين الأكثر نضوجاً في الحملة أدركوا أهمية وقيمة إتاحة الفرصة التي أتيحت لهم لالتقاط صور توثق ما حدث."
عاود المتظاهرون الشباب ممارسة التظاهر في كل يوم خلال ذلك الأسبوع كما عادت أيضاً خراطيم المياه والكلاب. وهيمنت الصور، وأفلام الفيديو، والتقارير المكتوبة حول هذه الأحداث على نشرات الأخبار في الولايات المتحدة وفي العديد من المناطق في العالم. حافظ المتظاهرون على الاستمرار في أسلوبهم السلمي رغم مواجهتهم أعظم استفزاز. وكان جيمس بيفل يتجول في الشوارع وهو يصيح عبر مكبّر للصوت: "إذا كنتم لا تريدون التظاهر بطريقة سلمية فارحلوا من هنا". وبحلول 6 أيار/مايو، كان بول كونور يحتجز الآلاف من السجناء الأطفال على أرض المعارض بالولاية.
عبَّر مقال افتتاحي في صحيفة نيويورك تايمز عن الشعور السائد لدى أعداد متزايدة من الأميركيين:
"لا يستطيع أي أميركي تربى على احترام كرامة الإنسان أن يقرأ عما حدث بدون خجل من الأعمال الوحشية التي ارتكبتها قوات الشرطة في ألاباما ضد المتظاهرين السود والبيض المطالبين بالحقوق المدنية. استعمال كلاب الشرطة وخراطيم المياه المضغوطة بقوة لإخضاع أولاد المدارس في برمنغهام يُشكِّل عاراً قومياً. اقتياد مئات الصبية وغيرهم ممن لم يصلوا سن المراهقة بعد إلى السجون ودور الاحتجاز بسبب مطالبتهم بحقهم الطبيعي في الحرية يحول العملية القانونية إلى مهزلة."
شاركت شخصية مهمة في واشنطن العاصمة الشعور بالإحساس نفسه. وهذا ما رواه كاتب سيرة حياة كينغ، مارشال فرادي:
وقعت أعيّن الرئيس في المكتب البيضاوي صورة تُظهر رجل شرطة يُمسك بقوة بقميص شاب أسود وباليد الأخرى رسن كلب يدور برأسه حول القسم الأوسط من جسم شاب، فقال لمجموعة من زواره في ذلك اليوم، "لقد جعلني هذا المشهد أشعر بالغثيان."
في 7 أيار/مايو، أُصيب فرِدْ شاتلزوورث لتعرّضه للرش بواسطة خرطوم مياه إطفاء الحريق مما قذفه للارتطام بجدار كنيسته. أعلن بول كونور الذي وصل بعد بضع دقائق: "من المؤسف أن هذا المشهد فاتني... كنت أتمنى أن يُحمل بعيدا في عربة نقل الموتى."
بحلول 9 أيار/مايو، لم يعد كبار رجال الأعمال في برمنغهام قادرين على تحمّل المزيد. تفاوضوا على اتفاق مع كينغ وشاتلزوورث، يقضي بإلغاء المشروعات التجارية في برمنغهام الفصل العنصري في مطاعم الغداء ودورات المياه ، وصنابير مياه الشرب الموجودة في مشروعاتها. كما تعهدت بتوظيف وترقية السود. وإطلاق سراح المتظاهرين المسجونين وإسقاط التهم عنهم. ووصف بول كونور هذا اليوم بأنه "أسوأ يوم في حياتي."
عكَس انتصار حركة برمنغهام شجاعة وانضباط المتظاهرين الأميركيين الأفريقيين وعبَّر عن القيادة المُلهمة والعنيدة لرجال من أمثال مارتن لوثر كينغ الإبن، رالف ابرناثي، وفرِدْ شاتلزوورث، وجيمس بيفل، وآخرين. أجبرت الحركة الأميركيين، في صحفهم وعلى شاشات أجهزة التلفزيون لديهم، على المواجهة المباشرة لحقيقة وحشية نظام جيم كرو، كما عكست تلك المثالية التي بقيت حيّة رغم حقبة العبودية والفصل العنصري، وأيضاً نفاذ الصبر بسبب التأجيل الطويل لتحقيق الوعود. في 8 أيار/مايو، أجرى قاضي محكمة الأحداث في برمنغهام جلسة استماع لقضية صبي عمره 15 سنة ألقي القبض عليه خلال مظاهرات 3 أيار/مايو:
القاضي: أفكر في أحيان كثيرة فيما قاله الآباء المؤسسون: "لا توجد حرية بدون انضباط". الآن أريد منك أن تذهب إلى منزلك وأن ترجع إلى مدرستك. هل ستفعل ذلك؟
الولد: هل أستطيع أن أقول شيئاً؟
القاضي: قل ما تريده.
الولد: حسناً، يمكنك قول ذلك لأنك تتمتع بحريتك. الدستور يقول إننا جميعا متساوون، ولكن السود غير متساويين.
القاضي: ولكنكم حققتم مكاسب كبيرة وهي لا زالت موجودة. الأمر يستغرق وقتاً.
الولد: إننا ننتظر منذ أكثر من 100 عام.