التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

15 أيار/مايو 2009

المسيرة إلى واشنطن

مظاهرة حاشدة تزوّد الخلفية لأعظم خطاب ألقاه كينغ

 

كان ما جرى في برمنغهام انتصاراً حقيقياً، ولكنه انتصار مُكلف. لم يكمن الحل على المدى الطويل في انتصار الأفريقيين الأميركيين على التمييز العنصري في مدينة واحدة في كل مرة أو في تحمّل الضرب، وعض الكلاب، وسيول المياه من خراطيم إطفاء الحريق. حتى حين سجلت حركة الحقوق المدنية مكاسب حقيقية، ظلّ كل تقدّم يواجه معارضة شرسة. وكان لا بد من نشر قوات فدرالية لتأمين قبول جيمس ميريديث، أول طالب أسود يدخل جامعة ميسيسيبي في عام 1962. وفي السنة التالية قام حاكم ولاية ألاباما، جورج واليس الذي كان قد وعد في خطاب تنصيبه بممارسة "التمييز العنصري الآن، التمييز العنصري في الغد، التمييز العنصري إلى الأبد"، بتنظيم عملية "اعتصام على باب مبنى المدرسة". ولم يتم ضمان تسجيل الأفريقيين الأميركيين فيفيان مالون وجيمس هود في جامعة ألاباما إلاّ بفضل تدخل مدراء الشرطة الفدراليون. وفي اليوم التالي بالذات جرى اغتيال مدغار إيفرز، قائد جمعية الدفاع عن حقوق الملونين، فرع ميسيسيبي، خارج منزله في مدينة جاكسون. وفي مدينة برمنغهام بالذات، في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر عام 1963، زرع ثلاثة أفراد من منظمة كوكلوكس كلان 19 عبوة من متفجرات الديناميت في الدور السفلي للكنيسة المعمدانية في الشارع السادس عشر، المركز الرئيسي غير الرسمي لحركة برمنغهام. وقد لقيت جرّاء ذلك أربع فتيات مصرعهن، والفتيات هنَّ أدي ماي كولينز، وكارول روبنسون، وسينثيا وسلي، ودنيز ماك نير، وأُصيب 22 آخرون بجروح.

وفي 11 حزيران/يونيو 1963، أبلغ الرئيس جون إف كينيدي أبناء الشعب إنه سوف يقدّم إلى الكونغرس مشاريع قوانين تُحرّم التمييز العنصري في كافة المرافق التابعة للقطاع الخاص: في الفنادق، والمطاعم، والمسارح، ومتاجر بيع التجزئة وأمثالها. قال الرئيس: "إننا نواجه بصورة أولية قضية أخلاقية. إنها قضية قديمة قدم الكتب المقدسة وواضحة وضوح الدستور الأميركي". لكن العوائق التي تقف أمام التصديق على قوانين فعّالة تضمن الحقوق المدنية ظلت تواجه عقبات جسيمة.

وقد عقد عدد من القادة السود العزم والتصميم على تغيير الواقع السياسي الذي سيبت فيه الكونغرس في قوانين الحقوق المدنية. كان أحد هؤلاء القادة أي فيليب راندولف. وكان راندولف الذي كان حينها قد تجاوز السبعين من عمره قد نظم في السابق وعلى مدى عقود نقابة "أخوية حمالي أمتعة المسافرين في عربات النوم في القطارات". كان الأفريقيون الأميركيون يزودون منذ مدة طويلة أعداداً كبيرة من المساعدين في عربات القطارات. كانت هذه الوظائف من بين الأفضل المتوفرة للسود في الكثير من مناطق البلاد. وبرز راندولف، كقائد لهؤلاء الحمالين، كشخصية هامة في الحركة العمالية الأميركية.

وبالعودة إلى عام 1941، كان الرئيس فرانكلين دي روزفلت قد سعى إلى رفع الإنتاج الدفاعي توقعاً لاحتمال دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. وقد واجه راندولف روزفلت، وطلب منه وضع حد للتمييز العنصري في المؤسسات الحكومية الفدرالية ولدى مقاولي وزارة الدفاع. حذّر راندولف بأنه إذا لم يتم ذلك، فإنه سوف يُطلق مسيرة احتجاجية حاشدة إلى العاصمة واشنطن. فستجاب روزفلت لهذا الطبل وأصدر على الفور أمراً تنفيذياً يقضي بمنع التمييز العنصري في الصناعات الدفاعية والمكاتب الفدرالية، وشكّل لجنة أطلق عليها "الممارسات العادلة في التوظيف". وبعد انتهاء الحرب، ساهم الضغط الذي مارسه راندولف في إصدار الرئيس هاري إس ترومان أمراً تنفيذياً عام 1948 ألغى بموجبه التمييز العنصري في القوات المسلحة الأميركية.

وبدأ راندولف، ومساعده الموهوب بايارد راستين، التفكير في القيام بمسيرة مماثلة على أمل "تجسيد الحقوق المدنية واحتياجات الاقتصاد القومي ضمن عملية واحدة". فتشكلت مجموعة ما يعرف بـ"الستة الكبار" من قادة الحقوق المدنية لتنظيم الحدث. وكانت هذه المجموعة تضم كل من راندولف، وكينغ، وروي ويلكنز (ممثلاً للجمعية القومية لتقدم الملونين)، وجيمس فارمر (ممثلاً لمؤتمر المساواة العرقية)، وجون لويس (ممثلاً للجنة الطلابية للتنسيق السلمي). وحددوا 28 آب/أغسطس 1963 موعدا لانطلاق المسيرة ، ونصب لنكولن في العاصمة واشنطن موقعا رئيسيا لتجمّع الحشود.

سوف تكون "المسيرة إلى واشنطن التي أطبق عليها "المسرة من أجل فرص العمل والحرية، "أكبر مظاهرة سياسية عرفتها البلاد في تاريخها. وقد قامت الحافلات والقطارات المستأجرة بنقل المشاركين في المسرة من كافة أنحاء البلاد. وقد تجمّع في ذلك اليوم عدد بلغ ربع مليون أميركي وربما أكثر من ذلك حسبما أفادت بعض التقديرات، وقد شارك في المسيرة ما لا يقل عن 50 ألف أميركي أبيض. وقد وقف على المنصة مجموعة من مشاهير أبطال حركة الحقوق المدنية، من قادة مسيحيين ويهود، ورؤساء نقابات وممثلين مسرحيين. وعزفت المغنية الكنترالتو السوداء ماريان اندرسون، التي كانت قد قدمت أغنياتها عند نصب لنكولن عام 1939 حين لم يسمح لها بالغناء في قاعة كونستيتيوشن في واشنطن، النشيد القومي. وألقى كل واحد من الستة الكبار خطاباً أمام الجماهير في ذلك اليوم باستثناء فارمر الذي كان قد أُلقي القبض عليه خلال مظاهرة احتجاج جرت في لويزيانا.

وأهم لحظة ظلت محفورة في الذاكرة هي لحظة إلقاء كينغ خطابه؛ إذ إن العديد يعد هذا الخطاب على أن أفضل خطاب ألقاه أي أميركي في أي وقت مضى، وكان عنوان الخطاب "لدي حلم" أو "يراودني حلم" وقد استنبط فيه مواضيع من التوراة ومن نصوص أميركية رمزية كالدستور، وإعلان الاستقلال، وخطاب أبراهام لنكولن في غيتسيبرغ. وقد نظّم كينغ ملاحظاته وفق أسلوب وإنشاء المواعظ التي كان يُلقيها في قداس الأحد الصباحي.

وقد بدأ الخطاب بربط قضية الحقوق المدنية بالوعود السابقة التي لم يتم الوفاء بها. وقال كينغ إن قرار إعلان تحرير الأرقاء الذي أصدره لنكولن يبدو في نظر الأرقاء المحررين وكأنه "فجر مشرق جاء لينهي سنوات الليل الطويل تحت الأسر والعبودية،." لكن بعد انقضاء 100 سنة، "يجد الزنجي نفسه ... منفياً في أرضه. وأضاف كينغ أنه عندما كتب مؤسسو الدولة إعلان الاستقلال والدستور، "كانوا يوقعون سند دين يتوجب على كل أميركي أن يرث مسؤوليته. وشكّل هذا السند وعداً بضمان "الحقوق التي لا يُمكن التصرّف بها في الحياة، والحرية، والسعي في سبيل السعادة لكافة الرجال، نعم، الرجال السود كما الرجال البيض"

واستأنف كينغ خطابه: "تخلّفت أميركا عن تسديد السند وعلى الأقل بالنسبة لمواطنيها الملونين."

"نرفض الاعتقاد بأن بنك العدل قد أفلس. نرفض الاعتقاد بعدم وجود أموال كافية في الخزائن الضخمة للفرص في هذه البلاد. ولذلك أتينا لصرف هذا الصك، الصك الذي يعطينا لدى الطلب ثروات الحرية وأمن العدالة."

حذّر كينغ قائلاً:

"لن تعرف أميركا راحة ولا هدوء قبل أن يُمنح الزنجي حقوق المواطنة الخاصة به"

ولكنه أردف أيضا يقول:

إنه حتى يتسنى لنا الحصول على حقوقنا المشروعة فإنه يتحتم علينا ألا نتورط في أعمال خاطئة، وأن نبتعد عن السعي من أجل نروي تعطشنا للحرية بالشرب من كأس المرارة والبغض. علينا أن نُنظّم كفاحنا إلى الأبد على مستوى عالٍ من الكرامة والانضباط.و يجب ألا نسمح لاحتجاجنا الخلاّق أن يتدهور إلى مستوى أعمال العنف الجسدي."

يعتقد البعض أن كينغ تحدث بصورة ارتجالية عندما ألقى جزء "الحلم" من خطابه. كانت المتشددة الدينية المشهورة ماهاليا جاكسون على المسرح عندما كان كينغ يُلقي خطابه وقالت له: "أخبرهم عن الحلم، مارتن." ففعل ذلك.

.... وهكذا رغم مواجهتنا للصعوبات اليوم وغداً، لا زال لدي حلم. إنه حلم مُتجذّر بعمق في الحلم الأميركي.

لدي حلم بأن أرى في يوم من الأيام هذه البلاد تنهض لتعيش المعنى الحقيقي لإيمانها: "نتمسك بهذه الحقائق على أنها بديهية، بأن كافة الرجال خلقوا متساوين.

لدي حلم بأن أرى في يوم من الأيام على التلال الحمراء لجورجيا أولاد أرقاء سابقين وأولاد مالكي أرقاء سابقين قادرين على الجلوس سوية حول مائدة الإخاء.

لدي حلم بأن أرى في يوم من الأيام حتى في ولاية ميسيسيبي، الولاية التي تتصبب عرقاً بسبب سخونة الظلم، تتصبب عرقاً بسبب سخونة الاضطهاد، تتحول إلى واحة من الحرية والعدالة.

لدي حلم بأن أطفالي الأربعة الصغار سوف يعيشون في يوم من الأيام في دولة لن تعاملهم حسب لون بشرتهم ولكنّ وفق محتوى أطباعهم.

لدي حلم في هذا اليوم.

وبينما تسارعت كلمات وصور أحداث ذلك اليوم في شتى أنحاء البلاد وحول العالم، تسارع الزخم لإحداث تغيير حقيقي. ولكنها ظلت هناك معارك كان لا زال يتعين خوضها، والانتصار، كان يبدو أقرب فأقرب، ولكنه المشوار لا يزال طويلا حتى يتحقق.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي