13 أيار/مايو 2009
تكتيك فعّال للحقوق المدنية
بعد وقت قصير من النهاية الناجحة لمقاطعة الحافلات العمومية في مونتغمري، أسس مارتن لوثر كنغ وعدد من الشخصيات الرئيسية للحركة، وهم القساوسة رالف أبرناثي، وتي. جاي. جيمسون، وجوزيف لوري، وفريد شاتلزوورث، وسي. كاي. ستيل، والناشطون إيلاّ بيكر وبايارد راستن، مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية (SCCC). كرّست هذه المنظمة الجديدة للحقوق المدنية نشاطاتها لاتباع نهج أكثر جرأة من ذلك الذي اتبعته الجمعية القومية لتقدّم الملونين التي كان توجهها قانونياً. أطلق هذا المؤتمر "حملة متواصلة قوية للوطنية القومية" تمثلت في جهد لتسجيل الناخبين.
في هذا الوقت ازداد تبرم الناشطين الأصغر سناً من التكتيكات المتدرجة لكنغ. في عام 1960، شكل حوالي 200 منهم، ومنهم الطالب في جامعة هوارد ستوكلي كارمايكل، لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية أو ما عرف اختصارا (SNCC). أمّا وفي غرينزبورو، بولاية نورث كارولينا، فقام أربعة من طلاب الصف الجامعي الأول في كلية نورث كارولينا الزراعية والتقنية، وجميع طلابها من السود، بأخذ الأمور بأيديهم.
عند الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر الأول من شباط/فبراير عام 1960، جلس الطلاب، ايزيل بلير جونيور (يسمى الآن جبريل خازن)، وفرانكلين يوجين ماكين، وجوزيف ألفرد ماكلين، وديفيد لينيل على مقاعد مخصصة للبيض فقط إلى طاولة لتناول الغداء في متجر وولورث المحلي الكبير. لم تقدم لهم أية خدمة ولكنهم بقوا جالسين بهدوء إلى أن أغلق المتجر أبوابه بعد ساعة. في صباح اليوم التالي، جلس 20 طالباً من السود على مقاعد طاولات الغداء في نفس المتجر في مجموعات مكونة من ثلاثة أو أربعة طلاب. نشرت صحيفة غرينزبورو ريكورد تقريراً بأنه "لم يحدث أي اضطراب، ويبدو أنه لم تجرِ أية أحاديث باستثناء ما تبادله أفراد تلك المجموعات. أخذ بعض الطلاب كتباً من حقائبهم وبدا وكأنهم يدرسون." قال بلير للصحيفة إن الراشدين السود "كانوا لطفاء وخائفين... حان الوقت لأن يستيقظ أحد ما ويغير الوضع ... وقررنا أن نبدأ هنا."
الاحتلال غير العنيف لمكان عام، أو الاعتصام، يعود على الأقل إلى حملات المهاتما غاندي لنيل استقلال الهند عن بريطانيا. في الولايات المتحدة، استخدمت المنظمات العمالية ومؤتمر المساواة العرقية (CORE) الذي مقره في الشمال أسلوب الاعتصام أيضاً. وعندما بدأت الأحداث في غرينزبورو في جذب الانتباه، تحرك مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية بسرعة للمشاركة في هذا التكتيك للحقوق المدنية، وعلى مدى الشهرين التاليين انتشرت الاعتصامات في أكثر من 50 مدينة.
كانت لأحداث ناشفيل بولاية تنيسي أهمية خاصة، حيث كان مجلس القيادة المسيحية في ناشفيل التابع لكينغ هو الذي يعدّ لهذه اللحظة. في عام 1955، كان كنغ قد اتصل بالقس جيمس لوسون، الناشط في مجال الحقوق المدنية وهو مبشر خدم في الهند ودرس حركة المقاومة اللاعنفية المسماة "ساتيا غراها" التي اتبعها غاندي. حث كنغ لوسون على العمل في الجنوب قائلاً: "تعال الآن، ليس لدينا أي شخص مثلك هناك."
بدأ لوسون العمل مع مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية لكنغ وباشر في عام 1958 بتدريب جيل جديد من الناشطين غير العنيفين. شمل طلابه ديانا ناش، وجيمس بيفل، وجون لويس، الذي يشغل الآن منصب ممثل جورجيا في مجلس النواب الأميركي. وسوف تبرز أسماء جميع هؤلاء بسرعة في حركة الحقوق المدنية. اتفقوا خلال ندوات التدريب هذه على تنفيذ سلسلة من الاعتصامات في مطاعم المتاجر الكبرى. فقد كان يسمح للسود بإنفاق المال في هذه المتاجر لكنه لم يسمح لهم بتناول الطعام في مطاعمها. نظم الناشطون من ناشفيل عملياتهم بعناية وتحركوا بتأنٍ. وعندما بدأ الاعتصام في غرينزبورو بجذب الاهتمام القومي، كانوا على أتم الاستعداد. في شباط/فبراير 1960، بدأ المئات من هؤلاء الناشطين حركات الاعتصام. أكدت أوراق التعليمات الموزعة على المشاركين من الطلاب على حسن السلوك الشخصي والالتزام الصارم بنموذج اللاعنف الذي يقدمونه إلى العالم:
لا ترد الضربة او اللعنة إذا أسيء إليك.
لا تسد المداخل إلى المتاجر وإلى ممراتها.
كن لطيفاً ومهذباً في كافة الأوقات.
أجلس مستقيماً وواجه دائماً طاولة الطعام.
تذكر تعاليم يسوع المسيح، والمهنداس (المهاتما) غاندي ومارتن لوثر كنغ.
تذكر المحبة وعدم العنف، وليبارك الله كل واحد منكم.
في العادة كان مطعم الغداء يقفل عندما يبدأ الاعتصام، ولكن بعد حصول الأحداث الأولى، بدأت الشرطة تُلقي القبض على المحتجين، وكانت المحاكمات اللاحقة تستقطب جماهير غفيرة. وعندما أُدين المحتجون بالسلوك المُخلّ بالنظام، اختار الناشطون قضاء الحكم في السجن بدلاً من دفع الغرامة.
شكلت ناشفيل مثالاً أولياً لعدم تمكن نظام جيم كرو من البقاء حيّا بعد فضحه على الملأ. كان الصحافي الأسطوري ديفيد هالبرستام في بداية عمله المهني، وساعدت تقاريره إلى صحيفة ناشفيل تنيسي في جذب اهتمام وسائل الإعلام القومية. انتشرت حركة الاعتصام عبر مناطق عديدة من البلاد، وما لبث وأن ذهل الأميركيون عبر البلاد من صور فوتوغرافية كتلك التي نشرت في صحيفة نيويورك تايمز في 28 شباط/فبراير 1960. قال شرح الصورة: "رجل أبيض يلوّح بمضربه، وطوله 18 بوصة (46 سنتمتراً)، باتجاه امرأة سوداء في مونتغمري. وقد أصيبت بجروح بسبب الضربة. حصل الاعتداء أمس بعد ان لامست المرأة رجلا أبيض آخر. لم يلقِ الشرطي الواقف قريباً من الحادث القبض على أي شخص." في 19 نيسان/أبريل من تلك السنة، انفجرت قنبلة في منزل المستشار القانوني الرئيسي لطلاب ناشفيل. فنظم بسرعة حوالي ألفي أفريقي أميركي مسيرة إلى دار البلدية حيث واجهوا رئيس البلدية. سألت ديانا ناش، هل يؤيد رئيس البلدية إلغاء التمييز العنصري في المطاعم؟ فأجاب، "نعم، ولكني لا أستطيع ان أقول لشخص كيف يدير عمله التجاري. إنه يتمتع بحقوق أيضاً."
هذا "الحق" في التمييز العنصري يكمن في جوهر الكفاح. في غضون ذلك، أثرت الدعاية السيئة على رجال الأعمال في ناشفيل، كما فعل ذلك التناقض بين تصرف الطلاب السود الوقورين غير العنيفين، وتصرف أخصامهم المسلحين والعنيفين بدرجة مفرطة. بدأت المفاوضات السرية، وفي 10 أيار/مايو 1960، وبهدوء ودون ضجيج، بدأ عدد من المطاعم في وسط المدينة بتقديم الطعام إلى زبائن سود. لم تحصل أحداث لاحقة وأصبحت ناشفيل بسرعة فيما بعد أول مدينة جنوبية تنجح في البدء بإلغاء التمييز العنصري في مرافقها العامة.