13 أيار/مايو 2009
قائد رئيسي يناصر المهارات العملية لأنها تُشكِّل مفتاح التقدم الرئيسي في المستقبل

أدى فشل برنامج إعادة الإعمار وزيادة التمييز العنصري بحكم القانون إلى إجبار الأفريقيين الأميركيين على اتخاذ خيارات صعبة. كانت غالبيتهم الساحقة لا زالت تعيش في الجنوب وتواجه مقاومة شرسة، وحتى عنيفة للمطالبة بالمساواة في الحقوق المدنية. استنتج بعض هؤلاء السود أن الجهود السياسية المباشرة لتأكيد حقوقهم المدنية قد لا تكون ذات فائدة. وبدلاً من ذلك، حاولوا بقيادة بوكر تي واشنطن (1856-1915) التركيز على التنمية الاقتصادية للسود. وأصر آخرون، ومن ضمنهم العالم والمفكر القيادي وليام ادوارد بورغهاردت (W.E.B.) دو بوا، على الاستمرار في الجهود الدؤوبة التي لا تقبل المساومة للحصول على حق التصويت والحقوق المدنية الأخرى التي وعد بها الدستور وتعديلاته بعد انتهاء الحرب.
وُلد بوكر تي. واشنطن في ظل العبودية، وكان في التاسعة من عمره تقريباً عند إعلان تحرير العبيد. درس في معهد هامبتون لتدريب المعلمين والزراعة، الذي أصبح يعرف اليوم بجامعة هامبتون، في جنوب شرق ولاية فيرجينيا، وكان متفوقاً في دراسته ووجد عملاً له كمعلم مدرسة. في عام 1881 عرضت عليه فرصة ليرأس مدرسة جديدة للأفريقيين الأميركيين في مايسون كاونتي، بولاية ألاباما.
استنتج واشنطن أن المهارات العملية والاستقلال الاقتصادي هما العاملان الرئيسيان لتقدم السود. وقرر أن يخصص مدرسته الجديدة للتعليم الصناعي بعد أن تغيير اسمها ليصبح معهد توسكيغي للمعلمين والصناعة (أصبح الآن جامعة توسكيغي). تعلم الطلاب الذكور في هذه المدرسة مهارات كالنجارة والحدادة، بينما اتجهت الطالبات كما كان معتادا إلى دراسة التمريض وحياكة الملابس. درّبت مدرسة توسكيغي أيضاً المعلمين المدارس لتوفير المدرسين في مدارس الأفريقيين الأميركيين عبر أرجاء الجنوب. كان هذا الأسلوب واعدا بالتنمية الاقتصادية للمواطنين السود وأن يصبحوا منتجين في المجتمع بدون إجبار الدولة على المواجهة المباشرة لمسألة الحقوق المدنية. وقام عدد من الشخصيات الرئيسية في مجال الأعمال الخيرية مثل قطب صناعة النفط جون دي روكفللر، ومنتج الفولاذ أندرو كارنيغي، وصاحب محلات سيرز، ورئيس شركة روبوك، جوليوس روزنوالد، بجمع الأموال لمساعدة مدرسة توسكيغي ونمت المدرسة من حيث الحجم، والشهرة، والتقدير.
في أيلول/سبتمبر 1895، ألقى واشنطن خطابه الذي عُرف باسم "تسوية أتلانتا" أمام حشد كان معظمه من البيض. أكد في خطابه أن الخطر الأعظم الذي يواجه الأفريقيين الأميركيين هو أنه: " في الوثبة العظمى من العبودية إلى الحرية قد نكون قد تغاضينا عن حقيقة أن على جماهيرنا أن تعيش مما تنتجه أيدينا، ونسينا أن نبقي في أذهاننا دائما أننا سوف يتحقق لنا الازدهار بنفس بالمعدل نفسه الذي نتعلم به تكريم وتمجيد العامل العادي، ونضع العقول والمهارات في المهن المعتادة في الحياة... يجب أن نبدأ من قاعدة الحياة وليس من قمتها، كما يجب ألا نسمح لمعاناتنا بأن تحجب الفرص المتاحة أمامنا."
ومما لا يدعو للدهشة، أن العديد من البيض وجدوا ما يطمئنهم في فكرة أن السود سيركزون على امتلاك العقارات أو اكتساب مهارة صناعية بدلاً من السعي لشغل مركز سياسي، وهذه الفكرة بدت وكأنها تقبل بالنظام الذي أرساه قانون جيم كرو (الفصل العنصري). ومثلما أشار واشنطن في خطابه في أتلانتا: "فإن فرصة كسب دولار واحد في مصنع في الوقت الراهن تزيد من حيث القيمة على إنفاق دولار واحد في دار للأوبرا."
لكن التمعن الدقيق في خطاب واشنطن يوحي بأنه لم يكن يعني قبوله بعدم المساواة على الدوام. وإنما هو دعا الأفريقيين الأميركيين إلى جمع وتكديس رأسمالهم الاجتماعي، أي أن الوظائف "في الوقت الراهن" كانت أعلى قيمة من حق حضور حفلة في دار للأوبرا. أو كما وصفه بصراحة شديدة: " أي أصل عرقي لديه شيء يساهم به في أسواق العالم لن يكون منبوذاً على الإطلاق."
كان واشنطن الشخصية الأفريقية الأميركية الرئيسية في البلاد لسنوات طويلة، رغم تراجع أعداد متزايدة من السود بصورة تدريجيا عن الاقتناع بأفكاره ووجهات نظره. فقد كان من بين المشاكل أن الجنوب في فترة ما بعد الحرب كان بحد ذاته منطقة فقيرة، وتخلّف عن الشمال في الحداثة والتنمية الاقتصادية، ولم تكن فرص العمل المُتاحة لسكان الجنوب من السود والبيض كبيرة مثلما كان يأمل بوكر تي واشنطن. وكان اقتناعه بأسلوب التدرج غير مقبول أيضاً لدى السود الذين لم يكونوا راغبين في إرجاء مطالباتهم بالحقوق المدنية الكاملة والمتساوية إلى تاريخ مستقبلي غير مُحدّد.
لقراءة المزيد حول الموضوع يمكن الرجوع إلى موقع أميركا دوت غوف.